أَحَقّاً عَلَينا الدَهرُ دارَت دَوائِرُه
للشاعر شكيب أرسلان
1
أَحَـقّـاً عَـلَيـنا الدَهرُ دارَت دَوائِرُه
أَمــا أَنَّهــُ لِلديــنِ صــارَت مَـصـائِرُه
2
فَـشَـدَّ عَلى الإِسلامِ ذا اليَومَ ريبُهُ
بِــخَــطــبٍ وَكـانَـت لا تُـعَـدُّ كَـبـائِرُه
3
إِلّا أَنَّهــُ الدَهــرَ المُـصَـرَّحُ بِـاِسـمِهِ
بِـأَن لا فَـتـىً إِلّا غَـدا وَهوَ داهِرُه
4
بَـــواتِـــرُهُ فــيــنــا مُــجَــرَّدَةٌ وَمــا
بَــــــواتِـــــرُهُ وَاللَهُ إِلّا بَـــــوائِرُ
5
لَهــا كُـلَّ يَـومٍ فـي البَـرِيَّةـِ فَـتـكَـةً
تُـنـاديـكَ لا مُـنـجـاةُ مِـمّـا تُحاذِرُه
6
فَــكَــم مَــلَكَ ضَــخــمٌ تَــخـطِـفُهُ الرَدى
قَــــســـاوِرُهُ مِـــن حَـــولِهِ وَأُســـاوِرُه
7
تَــخَــرَّمَ كِــســرى كــاسِـراً حَـدَّ بِـطـشِهِ
وَقَــيـصَـرَ أَردى مـا وَقَـتـهُ مَـقـاصِـرُه
8
وَمــا زالَ يُــفــنــى كُــلَّ عِــزٍّ يَــؤُمُّهُ
بِــبَــأسٍ وَيُــلقــى كُـلِّ قِـرنٍ يُـسـاوِرُه
9
هُوَ المَوتُ مِن ذا دافِعٍ مُبرَمِ القَضا
إِذا الواحِـدِ القَهّـارِ وافَت أَوامِرُه
10
فَـسُـبـحـانَ مَـن تَـعـنـو الوُجهُ لِوَجهِهِ
وَلا حَـيَّ إِلّا وَهـوَ بِـالمَـوتِ قـاهِـرُه
11
دَعـا اليَـومَ مُحي الدينِ نَحوَ جَنابِهِ
يَـــقـــرُبُهُ مِـــن قُـــدسِهِ وَيُـــجـــاوِرُه
12
سَـرى نَـعـيُهُ فـي كُـلِّ حَـيٍّ فَفي الوَرى
تَـعـازيـهِ لَكِـن فـي الجِـنانِ بَشائِرُه
13
وَبـاتَـت شُـؤونُ الديـنِ تَجري شُؤونُها
عَـلى فَـقـدِهِ وَالفِـقـهُ تَـدمـى مَـاجِرُه
14
وَكُــلُّ اِمــرِئٍ يَــبــكــي عَــلَيــهِ دَمــاً
فَما عَواذِلُهُ في الحُزنِ إِلّا عَواذِرُه
15
لَعَمرُكَ ما لِلشَرقِ ذا اليضومَ اِقتَمَت
مَــشــارِقُهُ وَاليَــومَ أَظــلَمُ نــاظِــرُه
16
وَلِلديــنِ وَجــدٌ لَيــسَ تَــطــفَـأُ نـارُهُ
وَلِلشَــرعِ طَـرفٌ لَيـسَ يَـقـلَعُ مـا طِـرُه
17
أَصـابَ بَـنـي الإِسـلامِ خَـطـبَ عَـرَمـرَمٍ
بِذا اليَومَ فَالإِسلامُ تَبكى مَنابِرُه
18
فَـــطَـــبَّقـــَ آفـــاقَ البَــرِيَّةــِ ذِكــرُهُ
وَســارَ بِهِ بــادي الزَمــانِ وَحـاضِـرُه
19
إِمــامٌ بِــأَفــواهِ الجَــمــيـعِ عُـلومُهُ
وَبَـحـرٌ بِـأَعـنـاقِ الجَـمـيـعِ جَـواهِـرُه
20
مُــبــارَكٌ خَــلقُ طــيـبُ الذِكـرِ عـابِـدٌ
مَهــذَبُ طَــبـعٍ مُـشـرِقِ الوَجـهِ سـافِـرُه
21
بَــقِـيَّةـَ ذاكَ السـالِفِ الصـالِحِ الَّذي
بِــأَمـثـالِهِ الأَقـطـابِ جَـلَت ذَخـائِرُه
22
قَـــد اِرتَـــفَــعَــت أَســرارُهُ وَتَــطَهَّرَت
لَهُ سَــيــرَ غُــرٌّ حَــكَــتــهــا سَــرائِرُه
23
وَأَصــبَــحَ فــي أَيّــامِهِ عِــلمَ الهُــدى
تَـعُـمُّ البَـرايـا بِـالضِـيـاءِ مَـنايِرُه
24
تَــداعَـت بِـيَـومِ العِـلمِ يَـومَ وَفـاتِهِ
وَخَـرُ عِـمـادِ الفَـضـلِ وَاِنـهَـدَّ عـامِرُه
25
وَراحَ عَــلَيــهِ الفِــقـهُ يَـلطُـمُ وَجـهَهُ
إِذا اِنـتَـكَـثَـت مِـمّـا دَهـاهُ مَـرائِرُه
26
وَلَم أَدرِ أَنَّ الصَــبـرَ تَـفَـنّـى دُروعُهُ
إِذا أَن قَـضـى وَالعَزمُ تَفري مَغافِرُه
27
فَــقَــد فَــرَغــتُ مِـن كُـلِّ بـاكٍ دُمـوعِهِ
كَــمـا نَـزَفَـت مِـن كُـلِّ راثٍ مَـحـابِـرُه
28
تَـرَحَّلـَ عَـن دارِ الفَـنـاءِ إِلى الَّتـي
بِهـا عَـيشُهُ في الخُلدِ تَجري كَواثِرُه
29
فَـقَـد دَكَّ طَـودُ بـاذِخِ المَـجـدِ شـامِـخٌ
وَغُــيــضَ بَـحـرُ زاعِـبِ الفَـيـضِ زاخِـرُه
30
وَأَغــمَــدَ سَــيــفَ صـارِمِ الحَـدِّ بـاتِـرٌ
وَغُــيــبَ بَــدرُ ثـاقِـبِـالنـورِ بـاهِـرُه
31
سَــلامٌ عَــلى قَــبــرٍ تَــضَــمَّنــَ تُــربُهُ
فَــذاكَ الحَـدُّ سـاطِـعُ العُـرفِ عـاطِـرُه
32
سَـقَـت تُربُهُ الوَطفا وَلا بَرِحَ الحَيا
يُـــراوِحـــهُ فــي رَجــعِهِ وَيُــبــاكِــرُه
33
وَمــا المَــوتُ إِلّا مَـسـلَكُ عَـمِّ نَهـجِهِ
وَجِـسـرُ جَـمـيـعِ الخَـلقِ لا بُدَّ عابِرُه
34
وَمــا المَـرءُ إِلّا مَـيـتٌ وَاِبـنُ مَـيـتٍ
وَمَـن بَـدَؤَهُ المـيـلادُ فَالمَوتُ آخِرُه
تعليقات القراء 0