أَظُنُّ الدَّهْرَ جاءَكَ مُستَثِيراً
للشاعر ابن الخياط الدمشقي
1
أَظُــنُّ الدَّهْــرَ جـاءَكَ مُـسـتَـثِـيـراً
فَــقَــدْ أَحْــقَــدْتَهُ كَـرَمـاً وَخِـيـرا
2
تَــبِــيـتُ عَـلى نَـوائِبـه مُـعِـيـنـاً
وَتُــضْــحِــي مِــنْ حَـوادِثِهِ مُـجِـيـرا
3
وَتَـــصْـــرِفُ صَـــرْفَهُ عَـــنْ كُــلِّ حُــرٍّ
وَتَــمْــنَـعُ خَـطْـبَهُ مِـنْ أَنْ يَـجُـورا
4
فَــكَــمْ أَنْـقَـذْتَ مِـنْ تَـلَفٍ أَخِـيـذاً
وَكَــمْ أَطْــلَقْــتَ مِـنْ عُـدْمٍ أَسِـيـرا
5
فَـلا عَـجَـبٌ وَإِنْ وافـى بِأَوفى الْ
فَــوادِحِ أَنْ يَــسُــوءَ وَأَنْ يَـسُـورا
6
وَهَــلْ قَـصَـدَ الزَّمـانُ سِـوى كَـرِيـمٍ
حَــمــاهُ أَنْ يَـضِـيـمَ وَأَنْ يَـضِـيـرا
7
وَمــا زالَتْ صُـرُوفُ الدَّهْـرِ تَـحْـدُو
إِلى الأَخْـيـارِ شَـراً مُـسْـتَـطِـيـرا
8
تُـسِـيـءُ إِلى ذَوِي الْحُـسْنى وَتَحْبُو
مُـقَـيِـلَ عِـثـارِهـا الْجَدَّ الْعَثُورا
9
وَلَوْ راعــى ذَوِي الأَخْــطـارِ دَهْـرٌ
رَعى ذا الْمَجْدَ وَالشَّرَفَ الْخَطِيرا
10
وَلَو دُفِــعَ الْحِــمــامُ بِــعِـزِّ قَـوْمٍ
لَكُــنْــتَ أَعَــزَّ ذِي عِــنٍّ نَــصِــيــراً
11
هُـوَ الْقَـدَرُ الَّذِي لَمْ تَـلْقَ خَـلْقاً
عَـــلَى دَفْـــعٍ لَهُ أَبَــداً قَــدِيــرا
12
سَــواءٌ مَــنْ يَــقُـودُ إِلَيْهِ جَـيْـشـاً
وَمَـنْ يَـحْـدُو مِـنَ الأَقْـوامِ عِـيرا
13
وَمــا يــنَـفْـكُّ هـذا الدَّهْـرُ حَـتّـى
يَصِيرَ إِلى الْفَناءِ بِنا الْمَصِيرا
14
فــيــا لِيَ مِــنْهُ صَـوّالاً فَـتُـوكـاً
وَيــا لِيَ مِــنْهُ خَــلاّبــاً سَـحُـورا
15
كَــذلِكَ شِــيــمَــةُ الأَيّـامِ فِـيـنـا
تَــسُــوءُ حَــقِــيــقَــةً وَتَـسُـرُّ زُورا
16
وَكَــمْ سُـكّـانِ دُنْـيـاً لَوْ أَفـاقُـوا
لَمــا سَــكَـنَـتْ قُـلُوبُهُـمُ الصُّدُورا
17
أَهَــبَّ عَــلَيْهِــمُ الْحَـدَثـانُ رِيـحـاً
بِــكُــلِّ عَــجــاجَـةٍ تُـغْـري مُـثِـيـرا
18
تَــحَــدّاهُــمْ كَــأَنًَّــ عَـلَيْهِ فِـيـهِـمْ
يَـمِـيـنـاً أَوْ قَـضـى بِهمُ النُّذُورا
19
فَــيـا عَـيْـشـا مُـنِـحْـنـاهُ خِـداعـاً
وَيــا دُنْـيـا صَـحِـبْـنـاهـا غُـرُورا
20
وَيــا دَهْــراً أَهــابَ بِــنــا رَداهُ
لِيُــتْــبِــعَ أَوَّلاً مِــنّــا أَخِــيــرا
21
أَمــا تَــنْــصَـدُّ وَيْـحَـكَ عَـنْ فَـعـالٍ
ذَمِــيــمٍ لا تَــرى فِــيــهِ عَـذِيـرا
22
سَـمَـوتَ إلى سَـمـاءِ الْفَـخْـرِ حَـتّـى
تَـنـاوَلْتَ الْهِـلالَ الْمُـسْـتَـنِـيـرا
23
وَطُــفْــتَ بِـدَوْحَـةِ الْعَـلْيـاءِ حَـتّـى
خَـلَسْـتَ بِـكَـيْـدِكَ الْغُـصْنَ النَّضِيرا
24
كــأَنَّ أَبــا الْغَـنـائِمِ كـانَ مِـمَّنْ
تَــعُــدُّ وَفــاتَهُ غُــنْــمـاً كَـبِـيـرا
25
كَــأَنَّكــَ كُــنْــتَ تَــطْــلُبُهُ بِــثَــأْرٍ
غَــشُــومٍ لا تَــرى عَــنْهُ قُــصُــورا
26
خَــطَـوْتَ الْعـالَمِـيـنَ إِلَيْهِ قَـصْـداً
كَــأَنَّكــَ قَــدْ سَــأَلْتَ بِهِ خَــبِـيـرا
27
إِلى أَنْ أَغْـــمَـــدَتْ كَــفّــاكَ مِــنْهُ
حُــســامــاً زانَ حــامِــلَهُ شَهِـيـرا
28
مُـــصـــابٌ لَوْ تَــحَــمَّلــَهُ ثَــبِــيــرٌ
دَعــا وَيْــلاً وَأَتْــبَـعَهـا ثُـبُـورا
29
يُــذَكِّرُنِــي سَــدِيــدَ الْمُـلْكِ وَجْـداً
وَكُــنْــتُ لِمِــثْــلِهِ أَبَــداً ذَكُــورا
30
فَــمـا أَطْـفَـأْتَ مِـنْ نـارٍ لَهِـيـبـاً
إِلى أَنْ عُـدْتَ تُـذْكِـيـهـا سَـعِـيـرا
31
وَمــا طـالَ الْمَـدى فَـيَـسُـوعَ عُـذْرٌ
بِـأَنْ يَـكْبُوا الْجَوادُ وَاَنْ يَخُورا
32
قَــصَــرْتَ مَـداهُ حَـتّـى كـادَ يَـوْمـاً
بِهِ أَنْ يَـسْـبِـقُ النّـاعِي الْبَشِيرا
33
وَلَمْ يَـكْـسُ الْفَـتـى كَـمَـداً طَوِيلاً
كَــمَـفْـقُـودٍ نَـضـى عُـمْـراً قَـصِـيـرا
34
وَلَمْ أَجِــدِ الْكَــبِـيـرَ الرُّزْءِ إِلاّ
سَــلِيـلَ عُـلاً فُـجِـعْـتَ بِهِ صَـغِـيـراً
35
عَــلَى أَنَّ الْكِــرامَ تَــعُــدُّ لَيْـثـاً
هَـصُـوراً مِـنْهُـمُ الرَّشَـأَ الْغَـرِيرا
36
تَـــرى أَيّـــامَهُـــمْ أَعْـــوامَ قَــوْمٍ
وَســاعـاتِ الْفَـتـى مِـنْهُـمْ شُهُـورا
37
فَــلا يَــبْـعُـدْ حِـبِـيـبٌ بـانَ عَـنّـا
وَإِنْ كــانَ الْبــعــادُ بِهِ جَـدِيـرا
38
وَكَــيْــفَ دُنُـوُّ مَـنْ طَـوَتِ اللَّيـالِي
كَـمـا تَـطْـوِي عَلَى الظَّنِّ الضَّمِيرا
39
فَـيـا رامِـيـهِ عَـنْ قَـوْسِ الْمَنايا
أَصَــبْــتَ بِــواحِــدٍ عَـدَداً كَـثِـيـرا
40
ويــا راجــيــه يـجـعـله ظـهـيـراً
نــبـا لك حـادث قـطـع الظـهـورا
41
ويـا حـاثِـي التُّرابِ عَـلَيْهِ مَهْلاً
كَــسَــفْــتَ بَهــاءَهُ ذاكَ الْبَهِـيـرا
42
فَـلَو أَنِّيـ اسْـتَـطَـعْـتُ حَـمَـلْتُ عَنْهُ
ثَـقِـيـلَ التُّرْبِ وَالْخَـطْبَ الْكَبِيرا
43
أَصُــــونُ جَـــمـــالَهُ وَأُجِـــلُّ مِـــنْهُ
جَـبِـيـنَ الْبَـدْرِ أَنْ يُـمْـسِي عَفِيرا
44
بِــنَــفْــسِــي نـازِحٌ بِـالغَـيْـبِ دانٍ
يُـجـاوِرُ مَـعْـشَـراً غَـيَـبـاً حُـضُـورا
45
أَقـامَ بِـحَـيْـثُ لا يَهْـوى مُـقـامـاً
وَلا يَــبْــغِــي إِلى جِهَـةٍ مَـسِـيـرا
46
وَلا هَـــجْـــراً يَــوَدُّ وَلا وِصــالاً
وَلا بَــرْداً يُــحِــسُّ وَلا هَــجِـيـرا
47
أَقُـــولُ سَـــقــى مَــحَــلَّتَهُ غَــمــامٌ
يَــمُــرُّ بِهــا مِــراراً لا مُــرُوراً
48
وَرَوَّضَ ســـاحَـــتَــيْهِ كَــأَنَّ وَشْــيــاً
يَــحُــلُّ بِهــا وَدِيـبـاجـاً نَـشِـيـرا
49
إِذا خَـطَـرَ النَّسـِيـمُ عَـلَيْهِ أَهْـدى
إِلى زُوّارِهِ أَرَجــــاً عَــــطِـــيـــرا
50
وَمــا أَرَبِــي لَهُ فِــي مــاءِ مُــزْنٍ
وَقَــدْ وَدَّعْــتُ مِـنْهُ حَـيـاً مَـطِـيـرا
51
وَلَوْلا عــادَةُ السُّقــْيــا بِــغَـيْـثٍ
إِذاً لَسَــقَــيْــتُهُ الدُّرَّ النَّثـِيـرا
52
وَقَــــلَّ لِقَــــدْرِهِ مِــــنِّيـــ وَقَـــلَّتْ
لَهُ زُهْــرُ الْكَــواكِــبِ أَنْ تَـغُـورا
53
أَحِــنُّ إِلى الصَّعــِيــدِ كَــأَنَّ فِـيـهِ
شِــفــايَ إِذا مَــرَرْتُ بِهِ حَــسِـيـرا
54
وَاسْــتــافُ الثُّرى مَــذْ حَــلَّ فِـيـهِ
وَأَلْصِــــقُهُ التَّرائِبَ وَالنُّحــــُورا
55
وَلَوْلا قَــبْــرُهُ مــا كُـنْـتُ يَـوْمـاً
لأَلْثِــمَهُ وَأَعْــتَــنِــقَ الْقُــبُــورا
56
عَــــلَيْـــكَ بِـــأَدْمُـــعٍ آلَيْـــنَ أَلاّ
يَـغِـضْـنَ وَلَوْ أَفَـضْـنَ دَمـاً غَـزِيـرا
57
يَــزُرْنَــكَ مُــسْــعِــداتٍ مُــنْــجِــداتٍ
رَواحــاً بِــالتَّفــَجُّعــِ أَوْ بُـكـورا
58
فَـأَوْلى مَـنْ يُـقـاسِـمُـكَ الأَسى فِي
خُــطُـوبِـكَ مَـنْ تُـقـاسِـمُهُ السُّرُورا
59
وَلا تَــعْــلَقُ بِــصَــبْـرٍ بَـعْـدَ بَـدْرٍ
ذَمَـمْـنـا الصَّبـْرَ عَـنْهُ والصَّبـُورا
60
وَإِنْ قـالُوا اسْـتَـرَدَّ الدَّهْـرُ مِنْهُ
مُـعـاراً كَـيْـفَ تَـمْـنَـعُهُ اْلمُـعِيرا
61
فَــلِمْ أَعــطــاكَهُ نَــجْــمـاً خَـفِـيـاً
وَعــادَ لأَخْــذِهِ قَــمَــراً مُــنِـيـرا
62
أَبــا الذَوّادِ مــا كَـبِـدٌ أُذِيـبَـتْ
بِــشــافِــيَــةٍ وَلا قَــلْبٌ أطِــيــرا
63
فَهـلَْ لَكَ أَنْ تُـراقِـبَ فِـيـهِ يَـوْماً
يُــوَفّـى الصَـابِـرونَ بِهِ الأُجُـورا
64
وَلَوْلا أَنْ أَخـــافَ اللهَ مِـــنْ أَنْ
يَــرانِــي بَــعْــدَ إيـمـانٍ كَـفُـورا
65
لَمــا عَــزَّيْــتُ قَـلْبَـكَ عَـنْ حَـبِـيـبٍ
وَكُــنْــتُ بِــأَنْ أُحَــرِّقَهُ بَــصِــيــرا
66
وَلَمْ نَـــعْهَـــدْكَ فِــي سَــرّاءِ حــالٍ
وَلا ضَــــرّائِهــــا إِلاّ شَـــكُـــورا
67
فَــصَــبْــراً لِلْمُــلِمِّ وإِنْ أَصَــبْـنـا
جَـنـاحَ الصَّبـْرِ مُـنْهـاضـاً كَـسِـيرا
68
أَلَمْ تَــعْــلَمْ وَكــانَ أَبُــوكَ مِــمَّنْ
إِذا خَـطَـبَ الْعُلى أَغْلى الْمُهُورا
69
بِــــأَنَّكــــُمُ أَطَـــبُّ بِـــكُـــلِّ أَمْـــرٍ
إِذا مــا ضَـيَّعـَ النّـاسُ الأُمُـورا
70
وَأَيُّ الْخَـطْـبِ يَـنْـقُـصُ مِـنْ عُـلاكُـمْ
وَأَيُّ النَّزْفِ يَــنْــتَــزِحُ الْبُـحُـورا
71
وَأَيُّ عَـــواصِـــفِ الأَرْواحِ يَــوْمــاً
تَهُــبُّ فَــتُــقْـلِقُ الطُّوْدَ الْوَقُـورا
72
وَإِنَّكـــَ شـــائِدٌ وَأَخُـــوكَ مَـــجْــداً
سَــيَــخْــلُدُ ذِكْـرُهُ حَـسَـنـاً أَثِـيـرا
73
إِذا وُقِّيــتُــمــا مِــنْ كُــلِّ خَــطْــبٍ
فَــمـا نَـبْـغِـي عَـلَى زَمَـنٍ ظَهِـيـرا
74
وَمـا الْقَـمَـرانِ إِذْ سَـعِـدا وَتَـمّا
بِـأَبْهَـرَ مِـنْـكُما فِي الْفَضْلِ نُورا
75
أُرانِــي لا أَسُـومُ الصَّبـْرَ قَـلْبِـي
فَــأُدْرِكُهُ يَــسِــيــرا أَوْ عَــسِـيـرا
76
كَــأَنِّيــ مُــبْـتَـغٍ لَكُـمـا شَـبِـيـهـاً
بِهِ أَوْ مُـــدَّعِ لَكُـــمــا نَــظِــيــرا
77
فَـلا أَخْـلى الزَّمـانُ لَكُـمْ مَـحَـلاّ
وَ لاعَــدِمَــتْ سَـمـاؤُكُـمُ الْبُـدُورا
تعليقات القراء 0