أغُمْرَ الهوى كم ذا تُقَطّعُني عَذْلا
للشاعر ابن حمديس
1
أغُـمْـرَ الهـوى كـم ذا تُـقَـطّـعُـني عَذْلا
قـتـلتُ الهـوى عـلمـاً أتـقـتـلني جهلا
2
أظــنّــك لم تُــفْــتَــحْ عــليــك نــواظِــرٌ
إذا هــي أعْــطــتْ صــبـوةً أخـذَتْ عـقـلا
3
ولا عَـــرَضَـــتْ مــن بــيــضِهِــنَّ سَــوافِــرٌ
عليكَ الخدودَ الحُمرَ والأعينَ النُّجلا
4
لم يــصــبِ مــنــكَ القــلبَ مَــشْـيُ جـآذرٍ
يُـنَـزِّع فـيـه التّـيـهَ أقـدامَهـا نَـقْـلا
5
ولم تــرَ سِــحْــراً كـالعـيـون تَـخـالُنـا
بِــزَعْــمِــكَ أحـيـاءً ونـحـنُ بـهـا قـتْـلى
6
ومــن أعــجــبِ الأشــيـاءِ أنَّ سُـيـوفَهـا
تَـعـودُ رِمـاحـاً حَـيـثُ تَـلحَـظُ أَو نـبـلا
7
خَــرَجــتُ عـلى حَـدِّ القـيـاسِ مَـعَ الهـوى
فـقـلْ مَن أمَرّ الكأسَ من بعد ما أحلى
8
ولمّـا كَـتـبـتُ الحبَّ في القلبِ وارتَقَى
إلى الطرْفِ ماءُ الشوقِ أنكَر ما أملى
9
وَبــي كُــلُّ غَــيــداءِ القَــوامِ كــأنّـمـا
يُــطَــاولُ مــنـهـا قـدُّهـا شَـعَـراً جَـثْـلا
10
لَهـــا بَـــلَهٌ بِـــالحـــبِّ تَــحــسَــبُ جِــدّهُ
إِذا هَــزَّ أَعــطــافــي بِــنَــشـوَتِهِ هَـزلا
11
إذا غــرَسـتْ فـي مـسـمـعِ الصّـبِّ مـوْعِـداً
جَـنـى بِـيَـدِ التـسـويفِ مِن غَرْسِها مَطْلا
12
وإن هــي زارَتْ خــلتَهــا مــســتــعـيـرةً
لَهـا مِـن خَـطـيبِ الحفلِ جَلسَتَه العَجْلى
13
أَرى البـيـضَ مِثلَ البيضِ تَقطعُ وَصْلَ مَن
يُــقَــطِّعــُ فــي كـفَّيـهِ مِـن غَـيـرِه وَصـلا
14
فَـلا تَـأمَـنَـنْ مِـنـهـنَّ إن كـنـتَ حـازماً
ولا من هواها المرءَ خبلاً ولا ختلا
15
وســاقٍ عــلى ســاقٍ يُــصــرِّفُ بــيــنــنــا
بــكـأسٍ نَـظَـمْـنـا للسـرور بـهـا شَـمـلا
16
كــلؤلؤةٍ بــيــضــاءَ فـي الكـفِّ أقـبـلتْ
بــيــاقــوتــةٍ حــمـراءَ مـظـهـرةً حَـمْـلا
17
كــأنّ وُثُــوبَ السُّكــْرِ فــيــهــا مُـسـاورٌ
يــدبّــبُ مــنــه فــي مـفـاصـلهـا نـمـلا
18
تَـرَكْـنـا لهـا مـن جَـوْرِهـا مـا يُسيئُنَا
فـمـن مَـزْجِهَـا بـالمـاءِ قارنَتِ العدلا
19
وعــذراءَ كــانــت وردةً قــبـل مـزجـهـا
ومــن بــعــده عَـنّـتْ لِمُـبـصـرهـا شـعـلا
20
إذا واجـهـتْ كـاسـاتُهـا الليـلَ خلتَها
تــهــتّــكُ مــن ظــلمـائه حُـجُـبـاً كُـحْـلا
21
وتــحــســبُهـا تـجـلو عـليـنـا عـرائسـا
وشــاربُهــا يــفـتـضّ مـنـهُـنَّ مـا يُـجـلى
22
وجـدنـا نَـعَـمْ فـي النـاس يُهجرُ قوْلُها
كـأنّ عـلى الأفـواهِ مـن لفـظـها ثِقْلا
23
ولمّــا اجــتَــواهــا كُــلُّ حَــيٍّ تَــعَـلَّقـتْ
بــلفـظ ابـن عـبّـادٍ فـكـان لهـا أهـلا
24
جَـوادٌ بـمـا فَـوقَ الغـنـى لَكَ والمُـنـى
فَهِـــمَّتـــُكَ العُــلْيــا لِهِــمَّتــِه سُــفــلى
25
تَـرى النـاسَ يَـسـتَـصـحـونَ مِـن جودِ كَفِّهِ
إذا الوبـلُ مـنه انهلّ واتّبعَ الوبلا
26
هِـزَبـرُ الوغـى بـالسـيـفِ والرمح مقدمٌ
له الضربةُ الفرغاءُ وَالطعنةُ النجلا
27
تـــنـــوءُ بــه غِــرّاً حــفــيــظــةُ عَــزْمِهِ
وتــرجَــحُ أســبــابُ الأنــاةِ بِهِ كَهــلا
28
وحــربٍ أذيــقــتْ فــي بـنـيـهـا بـبـأسِه
مـرارةَ كـأسِ الثـكـل لا عَـدِمـتْ ثـكـلا
29
وَكـانَـتْ عـيـونُ المـاءِ زُرْقـاً فَـأَصـبَحتْ
بــمــا مــازَجَــتْهُ مــن دمــائهـمُ شُهْـلا
30
ومــا ولدتْ ســودُ المـنـايـا وَحُـمْـرُهَـا
عَـلى الكـرهِ حَـتَّى كـانَ صارِمُكَ الفحلا
31
أقـــائدَهـــا قــبَّ الأيــاطــلِ لم تَــدَعْ
له عـــنـــد أعــداءٍ إغــارتُهــا ذَحْــلا
32
حــمَـيـتَ حِـمـى الإِسـلام إذ ذدتَ دونـه
هِــزَبــراً ورشَّحــْتَ الرشــيــدَ له شِـبـلا
33
لَئِن قــلتُ فــيــه صــحّ تــأليــفُ سُــؤدَدٍ
فــبــارعُ نَـقْـلٍ مـن شـمـائِلِك اسـتـمـلى
34
أَلا حــبَّذا العــيــدُ الَّذي عـكـفـت بـه
عـلى كـفّـك الأمـواهُ تُـمْـطُـرهـا قُـبـلا
35
ويــا حــبّــذا دارٌ يــدُ اللَّه مَــسّــحَــتْ
عـليـهـا بـتـجـديـدِ البـقاءِ فما تبلى
36
مُـــقَـــدَّسَـــةٌ لو أنّ مـــوســـى كـــليــمَهُ
مَـشَـى قَـدَمـاً فـي أرضـهـا خَـلَعَ النعلا
37
ومـــا هـــيَ إِلّا خـــطـــةُ المــلِكِ الّذي
يَـــحُـــطُّ لَدَيـــهِ كـــلُّ ذي أمـــلٍ رَحْـــلا
38
إذا فــتــحــت أبــوابُهــا خــلتَ أنَّهــا
تــقــولُ بــتــرحــيــبٍ لداخــلهـا أَهـلا
39
وقَــد نَــقَــلَتْ صُــنّــاعُهــا مِــن صِـفـاتِهِ
إِلَيـهـا أَفـانـيـنـاً فَـأَحـسـنَـتِ النقلا
40
فَــمِــن صَــدرِهِ رَحـبـاً وَمِـن وَجـهِهِ سَـنـاً
وَمِــن صِــيـتِهِ فَـرعـاً وَمِـن حِـلمِه أَصـلا
41
وأَعـلتْ بـهـا فـي رُتـبَـةِ الملك نادياً
وقــلَّ لَهُ فَــوْقَ السـمـاكـيـن أن يُـعْـلى
42
نـــســـيـــتُ بـــه إيــوانَ كــســرى لأنّه
أرانـي له مَـوْلى مـن الفـضلِ لا مثلا
43
كَــأَنَّ سُــلَيــمــانَ بــنَ داودَ لم تُــبِــحْ
مــخــافــتُه للجــنّ فــي شَــيْــده مَهْــلا
44
كـــأنّ عـــيـــونَ الســـحــر نــافــذةٌ له
عــلى كـلّ بـانٍ غـايـةً مـنـه أو فـضـلا
45
فــجــاء مــكــانَ القــول نـبـعـثُ وَصْـفَهُ
رقــيــقـاً وأذنُ الدهـر تَـسـمَـعُهُ جـذلى
46
تـــجـــوزُ له الأمــواهُ بــركــةَ جــدولٍ
تــخــالُ الصَّبــا مــنـه مُـشـطِّبـةً نـصـلا
47
إذا اتّــخَـذَتْهـا الشـمـسُ مـرآةَ وجْهِهـا
أحــالت عـليـهـا مـن مـداوسِهـا صَـقْـلا
48
تَـرى الشـمـسَ فـيـه ليـقـةً تَـسـتَـمِـدُّهـا
أكــفٌّ أقــامـتْ مـن تـصـاويـرهـا شـكـلا
49
لهــا حــركــاتٌ أودِعَــتْ فــي سُــكـونِهـا
فــمــا تَــبِـعَـتْ فـي نـقـلهـنّ يـدٌ رِجـلا
50
وقَــد تُــوِّجَ البــهــوُ البــهــيُّ بِــقُــبَّةٍ
فـقـلْ فـي عـروسٍ فـي جـلابـيـبها تُجلى
51
تــجــمـعـتِ الأضـدادُ فـيـهـا مـصـانـعـاً
ولم أرَ خَـلْقـاً قـبـلهـا جَـمَـعَ الشّـمْلا
52
وأغــربُ مــا أبــصــرتُ بـعـد مـليـكـهـا
بـهـا مُـتْـرَعٌ يـعـدي الشجاعةَ والبذلا
53
تــنــادمُ فــي غــنّــاءَ غــنّـتْ حَـمَـامُهـا
فَــوارِسَ أغــصــانٍ تــرجّــحــهــا حَــمْــلا
54
إذا شَـــرِبـــتْ وُدّ المـــؤيّـــد صـــيّـــرَتْ
خــــلائقَهُ راحــــاً ورؤيــــتَهُ نُـــقْـــلا
55
كَــأَنَّ مــهــا الأَحْــداجِ حَـلَّتْ سـمـاءَهـا
وَإِن لَم تَــكُــن إِلّا حــنــيــاتـه بُـزْلا
56
كَــأَنَّ سِهــامــاً أرْسِــلَتْ عــن قِــسِــيِّهــا
فَـمـا عَـدِمَـتْ عَـيـنُ الحَـسـودِ بِها سَمْلا
57
ومــا شــئتُ مــمــا لو عُــنـيـتُ بـوَصْـفِهِ
ســلكــتُ إليــه كــلّ قــافــيــةٍ ســبــلا
58
فَـتَـحـسَـبُ مـا فـي الأرضِ مِـن حَـيوانِها
رَقَـى شَـرَفـاً فـيـه إلى الفـلكِ الأعلى
59
ولمّــا عَــشــيــنَــا مــن تـوقّـد نـورهـا
تَــخِـذْنَـا سـنـاهُ مـن نـواظـرنـا كُـحْـلا
60
فـيـا دارُ أغـضـى الدهـرُ عـنكِ وأكثرتْ
أُسـودُكِ نَـسـلاً فـيـه يَـخـتَـتِـلُ النّـسلا
تعليقات القراء 0