أليلاىَ ما أبقَى الهوى فيَّ من رُشدِ
للشاعر إبراهيم ناجي
1
أليـلاىَ مـا أبـقَـى الهـوى فـيَّ من رُشدِ
فــردِّي عــلى المــشــتــاقِ مــهـجـتَه ردِّي
2
أيُــنــسَــى تــلاقــيــنــا وأنـتِ حـزيـنـةٌ
ورأسُــك كــابٍ مــن عــيــاءٍ ومــن ســهــدِ
3
أقـــول وقـــد وســـدتُه راحـــتــي كــمــا
تَــوسَّدَ طــفــلٌ مــتــعــبٌ راحــةَ المــهــدِ
4
تـــعـــالي إلى صـــدرٍ رحـــيــبٍ وســاعــدٍ
حــبـيـبٍ وركـنٍ فـي الهـوى غـيـر مـنـهَـدّ
5
بــنــفـسـيَ هـذا الشّـعـرُ والخُـصَـلُ التـي
تــهــاوت عـلى نـحـر مـن العـاج مـنـقـدِّ
6
تـرامـت كـمـا شـاءت وشـاءَ لهـا الهـوى
تـــمـــيــل عــلى خــدٍّ وتــصــدفُ عــن خــدِّ
7
وتـــلك الكـــرومُ الدانــيــاتُ لقــاطــفٍ
بـيـاضُ الأمـانـي مـن عـناقيدِهَا الربدِ
8
فـــيـــا لكَ عــنــدي مــن ظــلامٍ مــحــبَّب
تَــألَّقَ فــيــه الفــرق كــالزمـنِ الرغـدِ
9
ألا كـــلُّ حـــســنٍ فــي البــريــةِ خــادمٌ
لسـلطـانَـةِ العـيـنـيـنِ والجـيـدِ والقـدِّ
10
وكـــلُّ جـــمـــالٍ فـــي الوجــودِ حــيــالَه
بــه ذلةُ الشــاكــي ومــرحــمــةُ العـبـدِ
11
ومــا راعَ قــلبــي مــنــك إلا فــراشــةٌ
مـن الدمـعِ حـامـت فـوق عـرشٍ من الوردِ
12
مــجــنــحــة صـيـغـت مـن النـورِ والنـدَى
تــــرف عـــلى روضٍ وتـــغـــفـــو إلى وردِ
13
بـهـا مـثـل مـا بـي يـا حـبـيـبي وسيّدِي
مـن الشـجـنِ القـتَّاـلِ والظـمـأ المـردِي
14
لقــد أقــفــرَ المــحــرابُ مــن صـلواتـه
فــليــسَ بــه مــن شــاعــرٍ سـاهـرٍ بـعـدي
15
وقــفــنــا وقــد حـانَ النـوى أيَّ مـوقـفٍ
نـحـاولُ فـيـه الصـبـرَ والصبرُ لا يُجدي
16
كــأنَّ طــيــوفَ الرعــبِ والبــيــن مـوشـكٌ
ومــزدحــم الآلامِ والوجــدِ فــي حَــشــدِ
17
ومــضــطــرم الأنــفــاسِ والضـيـق جـاثـمٌ
ومــشـتـبـك النـجـوى ومـعـتـنـق الأيـدي
18
مـــواكـــب خـــرس فـــي جــحــيــمٍ مــؤبــدٍ
بـــغـــيــر رجــاءٍ فــي ســلامٍ ولا بَــردِ
19
فــيــا أيــكـةً مـدَّ الهـوى مـن ظـلالهـا
ربـيـعـاً عـلى قـلبـي وروضـاً مـن السعد
20
تـــقـــلصـــتِ إلا طـــيـــفَ حـــبٍّ مـــحـــيَّرٍ
عـــلى دَرَجٍ خـــابــي الجــوانــبِ مُــســوَدِّ
21
تَـــردَّدَ واســـتـــأنـــى لوعـــدٍ ومـــوثــقٍ
وأدبــرَ مــخــنــوقــاً وقـد غُـصَّ بـالوعـدِ
22
وأســلمــنــي لليــلِ كــالقــبــرِ بــارداً
يــهــبُّ عــلى وجــهــي بــه نَــفَـسُ اللحـدِ
23
وأســلمــنــي للكــونِ كــالوحــشِ راقــداً
تــمــزقــنـي أنـيـابُه فـي الدجـى وحـدي
24
كـــأنَّ عـــلى مــصــرَ ظــلامــيــنِ أَعــكَــرٌ
بــآخــرَ مــن خــابـي المـقـاديـرِ مـربَـدِّ
25
ركــــودٌ وإبـــهـــامٌ وصـــمـــتٌ ووحـــشـــةٌ
وقـد ضـمـهـا الغـيـبُ المـحـجَّبـُ فـي بُردِ
26
كــأن ســمــاءَ النــيـلِ لم تَـلقَ حـادثـاً
ولا قـصـفـت فـيـهـا القـواصـفُ بـالرعـدِ
27
أحــــقـــاً تـــولَّى ذلك الهـــولُ وامَّحـــَت
خــواطــرُ ذاكَ الويـل والرعـب والحـقـدِ
28
فــيــا للقــلوبِ الصــابـراتِ وقـد غـفـت
عـلى نـعـمـةِ الإِيـمـانِ والشكرِ والحمدِ
29
ويــا للقــلوبِ المــؤمــنــاتِ وأمــنـهـا
وضــجــعـتـهـا فـي رحـمـةِ الصَّمـَدِ الفـردِ
30
أهـذا الربـيـعُ الفـخـمُ والجـنـةُ التـي
أكــاد بــهــا أســتــافُ رائحــةَ الخــلدِ
31
تـــصـــيـــرُ إذا جُـــنَّ الظـــلامُ ولفّهـــا
بــجــنـحٍ مـن الأحـلامِ والصـمـتِ مـمـتَـدِّ
32
مــــبـــاءةَ خـــمـــارٍ وحـــانـــوتَ بـــائعٍ
شـقـيّ الأمـانـي يـشـتري الرزق بالسهدِ
33
وقــد وَقَــفَ المــصــبــاحُ وقــفــةَ حــارسٍ
رقــيــبٍ عــلى الأسـرار داعٍ إلى الجِـدِّ
34
كـــأنَّ تـــقــيّــا غــارقــاً فــي عــبــادةٍ
يصومُ الدجى أو يقطعُ الليلَ في الزهدِ
35
فــيـا حـارسَ الأخـلاقِ فـي الحـيِّ نـائم
قـضـى يـومَه فـي حـومـةِ البـؤسِ يـستجدي
36
وســادَتُه الأحــجــارُ والمـضـجـعُ الثـرى
ويـفـتـرشُ الإِفـريـزَ فـي الحـرِّ والبـردِ
37
وســـيـــارة تـــمـــضـــي لأمـــرٍ مـــحـــجَّبٍ
مــحــجــبــةَ الأســتـارِ خـافـيـةَ القـصـدِ
38
إلى الهـدفِ المـجـهـولِ تـنـتـهـبُ الدجى
وتــومــض وَمــضَ البـرقِ يـلمـع عـن بـعـدِ
39
مـتـى يـنـجـلي هـذا الضـنَـى عـن مـسالكٍ
مـــرنـــقــةٍ بــالجــوع والصــبــرِ والكَّدِ
40
يــنــقِّبــ كــلبٌ فــي الحــطــامِ وربــمــا
رَعَـى الليـلَ هِـرٌّ سـاهـرٌ وغـفـا الجـندي
41
أيــا مــصــرُ مـا فـيـكِ العـشـيـةَ سـامـرُ
ولا فــيــكِ مــن مــصـغ لشـاعـرِك الفـردِ
42
أهـاجـرتـي طـالَ النـوى فـارحـمـي الذي
تـركـتِ بـديـدَ الشـمـلِ مـنـتـثـر العـقـدِ
43
فــقــدتُــكِ فــقــدانَ الربــيــعِ وطــيـبـه
وعـدتُ إلى الإِعـيـاء والسـقـمِ والوجـدِ
44
وليـــسَ الذي ضـــيَّعـــتُ فـــيـــكِ بـــهــيِّن
ولا أنــتِ فـي الغُـيَّاـب هـيـنـةُ الفـقـدِ
45
بــعــيــنــكِ أسـتـهـدي فـكـيـفَ تـركـتـنِـي
بـهـذا الظـلامِ المـطبق الجهمِ أستهدي
46
أتــيــتُــكِ أســتـسـقـي فـكـيـف تـركـتِـنـي
لهـذي الفـيـافـي الصـمِّ والكـثب الجردِ
47
أتــيــتُــكِ أســتــعـدي فـكـيـف تـركـتِـنـي
إِلى هــذه الدنــيــا وأحــداثِهــا اللدِّ
48
بــحــبِّكــِ أَســتــشــفـي فـكـيـفَ تـركـتِـنـي
ولم يـبـقَ غـيـرُ العظمِ والروحِ والجِلدِ
49
وهَـذي المـنـايـا الحـمـر ترقصُ في دمي
وهـذي المـنايا البيض تختالُ في فَودِي
50
وكــنــتِ إذا شــاكــيــتُ خـفـفـتِ مـحـمـلي
فـهـان الذي ألقـاه فـي العيشِ من جهد
51
وكــنــتِ إذا انــهــارَ البـنـاءُ رفـعـتِهِ
فــلم تــكــنِ الأيــامُ تـقـوىَ عـلى هَـدِّي
52
وكــنــتِ إذا نــاديــتُ لَبَّيــتِ صــرخــتــي
فـواحَـرَبـاً كَـم بـيـنَـنـا اليـومَ مـن سدِّ
53
وقــد كــانَ لي للعــطــفِ والحــبِّ مـسـلكٌ
فـــأغـــلَقـــتِه دونـــي فـــبـــتُّ بــلا ردِّ
54
ســلامٌ عــلى عــيــنــيــكِ مــاذا أجـنَّتـا
مـن اللطـفِ والتـحـنـان والعـطفِ والودِّ
55
إذا كــانَ فــي لحــظــيــكِ سـيـفٌ ومـصـرعٌ
فـمـنـكِ الذي يُـحـيـي ومـنـك الذي يُردي
56
إِذا جُــرِّدَا لم يــفــتــكــا عَــن تــعـمـدٍ
وإن أُغـمـدَا فـالفَـتـكُ أروع فـي الغمدِ
57
هــنــيـئاً لقـلبـي مـا صـنـعـتِ ومـرحـبـاً
وأهــلاً بــه إِن كــانَ فـتـكُـكِ عـن عَـمـدِ
58
فـــإِنـــي إذا جُـــنَّ الظـــلامُ وعــادنــي
هــواكِ فــأبــديــتُ الذي لم أكـن أبـدي
59
ومــلتُ بــرأســي كــابــيـاً أو مـواسـيـاً
وعـنـدي مـن الأشـجانِ والشوقِ ما عندي
60
أقَــبِّلــُ فــي قــلبــي مــكــانــاً حــللتِهِ
وجـرحـاً أنـاجـيـه عـلى القـرب والبـعدِ
61
ويــا دارَ مــن أهــوىَ عــليــكِ تــحــيــةٌ
عـلى أكـرمِ الذكـرى عـلى أشـرفِ العـهدِ
62
عــلى الأمــســيــاتِ السـاحـراتِ ومـجـلسٍ
كــريــم الهــوى عــفِّ المــآربِ والقـصـدِ
63
تــنــادِمُــنَــا فــيــه تــبــاريــحُ شـاعـرٍ
عـلى الدمِ والأشـواكِ يمشي إلى الخلدِ
64
فــبــودليــرُ مــحــزونٌ وفــرليــن بــائسٌ
ومـيـسـيـه مـجـروحُ الهـوى عـاثـرُ الجَـدِّ
65
وللمــــتـــنـــبـــي غـــضـــبـــةٌ مُـــضَـــرِيَّةٌ
وثــورةُ مــظــلومٍ وصــيــحــةُ مــســتـعـدي
66
دمـوعٌ يـذوبُ الصـخـرُ مـنـهـا فـإِن مضوا
فـقـد نقشوا الأسماءَ في الحَجَر الصلدِ
67
ومـاذا عـليـهـم إِن بـكـوا أو تـعـذبوا
فــإنَّ دمــوعَ البــؤسِ مــن ثَـمَـنِ المـجـدِ
تعليقات القراء 0