أنيخاها فَقَدْ بَلَغَت مُناها
للشاعر الأخرس
1
أنـيـخـاهـا فَـقَـدْ بَـلَغَـت مُناها
وغـادرهـا المـسـيرُ كما تراها
2
سـلكـتُ بـهـا فـجـاج الأرض حتَّى
أضَــرَّ بــهـا وأوهـنـهـا قـواهـا
3
فَـسَـلْنـي كـيـفَ جـابـتـها قِفاراً
وكـيـفَ طَـوَتْ فـدافـدهـا خـطـاها
4
ومـا أنـسـى الوقـوف على رسومٍ
عَـنـاني في الصبابة ما عناها
5
قـضـى بـوقـوفـه المـشتاقُ فيها
وجـوهـاً يـا أمَـيْـمَـة لا أراها
6
وقـفـتُ أنـاشِـدُ الأطـلال مـنها
ديـونـاً للمـنـازل مـا قـضـاهـا
7
وأذكـر مـا هـنـالك طـيـبَ عـيـشٍ
بـه تـجـري النـفوس على مداها
8
جـرَيـنـا فـي مـيـادين التصابي
إلى اللّذات نـسـتـحـلي جـنـاها
9
فـــواهـــاً لِلّذائذ كـــيـــف ولّت
وآهــاً مــن تــصــرّمــهــا وآهــا
10
تدار من المدام على الندامى
كـؤوسُ الراح تـشـرق فـي سناها
11
وألحـان المـثـالثِ والمـثـانـي
يُـغـنّـيـهـا فـتـطـربُ فـي غـناها
12
ويـنـظـمـنـا اجـتـمـاعُ في رياضٍ
نـثـار الطـل يـلبـسـهـا حـلاها
13
وقـد أمْـلَتْ حـمـائمـهـا عـليـنا
مـن الأوراقِ شـيـئاً مـن أساها
14
كـأنَّ الوُرْقَ حـيـن بـكـت وأبـكتْ
رَمـاهـا بـالقـطـيـعة من رماها
15
تُــكَــتِّمـُ أدمـعـاً وتـبـوحُ وجـداً
وتـعـربُ مـا هـنـالك عـن جواها
16
وربَّ مــديــرةٍ كــأس الحــمــيّــا
أخــذْتُ بــكـفِّهـا ورشـفـتُ فـاهـا
17
ومُـسـودِّ الإهـاب مـن الديـاجـي
كـشَـفْـتُ بـشـهـب أكـؤسـنا دجاها
18
وعـانـقـتُ القـوام اللَّدنَ منها
وعـيـنُ الواشـي يـحجبها عماها
19
فـــآونـــةً تــرشِّفــنــي طــلاهــا
وآونـــة تـــرشِّفـــنـــي لمــاهــا
20
ومِـــــن عَـــــجَــــبٍ أذِلُّ لذاتِ دَلٍّ
وتـسـبـيـني المحاسن في هواها
21
ولي نــفــس مــتــى دُعــيَــتْ لذُلٍّ
نـهـاهـا عـن إجـابـتـه نـهـاهـا
22
أبَـتْ نـفـسـي مـدانـاة الدّنايا
وأغـنـتـهـا القناعة عن غناها
23
وهـل تـسـتـعـبـد الأطـمـاع حراً
إذا عُرضت له الدنيا ازدراها
24
ولســت أليــنُ والأيـام تـقـسـو
بــشــدَّتــهـا ولمْ أطـلبْ رخـاهـا
25
وأرض يَــفْــرَقُ الخــرّيـت فـيـهـا
ويـفـزعُ مـن مـهـالك مـا يراها
26
سـلكـتُ فـجـاجـهـا ومَـرَقْـتُ منها
مـروقَ النَّبـل يـبـعُـدُ مـرتماها
27
سَـليـنـي كـيـفَ جـرَّبـت الليـالي
وكـيـف عـرفَـتـهـا وعَـرَفْـتُ داها
28
بـلوت النَّاـس قَـرنـاً بـعـد قرنٍ
وكـنـتُ بـهـا أحـقَّ مـن ابتلاها
29
فـلم أزدَد بـهـا إلاَّ اخـتباراً
ولم أزْدَدْ بـهـا إلاَّ انـتـباها
30
وفـي عـبـد الحـميد بديع شعري
مــنــاقـبُ عـن مـعـاليـه رواهـا
31
نــعــمـتُ بـفـضـله وشـكـرت مـنـه
يـداً لا زال يـغـمـرنـي نـداها
32
فـمـا اسـتـعذبتُ غير ندى يديه
ومـا اسـتـعـذبـتـه مـمـا عداها
33
فـلو أنـي وَرَدْتُ البـحـر عـذبـاً
أنِـفْـتُ مـن المـوارد ما خلاها
34
وإنَّ الله أودع فــيــه مــعـنـىً
لتـسـمـيـة المـكـارم مذ براها
35
مـن السـادات مـن أعـلى قـريـشٍ
ســلالة خــيــر خــلق الله طــه
36
شـديـد البـأس ألطـفَ مـن نـسيم
تــعــطِّره الأزاهـر مـن شـذاهـا
37
يـخـوض غـمـارها الهيجاء خوضاً
ومـاء المـوت يـرشـحُ من ظباها
38
ويـرفـع رايـة المـنـصـور فيها
ويـخـفـض مـن أعـاديـه الجباها
39
وتــــلك رئاســــةٌ وعـــلوُّ قَـــدرٍ
إليــه العــزُّ يــتَّجـهُ اتّـجـاهـا
40
تــريــه بـواطـنَ الآراء تـبـدو
فـلمْ تَـحـجُـبْ لعـمـرك ما وراها
41
أرَتــه زيـنـةَ الأمـجـاد تـزهـو
بـأرديـةِ المـحـاسـن فـارتداها
42
تَــولَّى والولايــة فـيـه أضْـحَـتْ
تــزيــد بــعــزِّه عــزًّا وجــاهــا
43
أمـورٌ فـي الرّيـاسـة يَـبْـتديها
ويــعْـلَمُ بـعـدَ ذلك مـنـتـهـاهـا
44
وأحــيــا بــالعــمـارة كـلَّ أرضٍ
وأجـرى فـي ضـواحـيها المياها
45
وأمَّنـ بـالصـيـانـة سـاكـنـيـهـا
وأصـبَـحَ فـيـه مـحْـمـيًّاـ حـمـاها
46
حـمـاهـا حـيـثُ كـانـت مـن لَدُنْه
بــعــيـنِ عـنـايـةٍ مـمَّنـ رعـاهـا
47
ودبَّرهـــا بـــلطــفٍ لا بــعــنــفٍ
فــأرشَــدَهــا وألهَـمَهـا هـداهـا
48
وكـفَّ يـدَ الخـطـوب السُّود عنها
فــمــا مُــدَّتْ إلى أحــدٍ يـداهـا
49
فــهَــلْ مِــن مـبـلغٍ عَـنِّيـ ثـنـاءً
تــقـيَّ الدِّيـن يـشـكـره شـفـاهـا
50
ربَّمـا أسـدى من الحُسنى إلَيْنا
ومـا عَـرفَ الأَمـاجـدَ فاجتباها
51
تَـفَـرَّسَ بـالرِّجـال فازداد عِلماً
فـولاّهـا الأُمـورَ بـمـقـتـضـاها
52
بـلغـنـا غـايـةً مـن لطـفِ مـولًى
بــشــيــرٍ للمــؤمّــلِ مـبـتـداهـا
53
وســيَّرْنــا لســاحـتـه الأَمـانـي
فـأَلقَـت فـي مـغـانـيـه عـصـاهـا
54
إليـك ركـبْتُها في البحر تجري
مـن الفُـلك السوابق في سراها
55
تَـنَـفَّسـُ بـالدخـان وفـي حـشـاها
لظـــى نـــارٍ مُــسَــعَّرةٍ لظــاهــا
56
ويـخـفِـقُ وهـي مثل الطير سبحاً
جــنــاحـاهـا إذا دارتْ رحـاهـا
57
جَـرَت مـجـرى الريـاح بلا توانٍ
فـمـا احـتـاجت إلى ريحٍ سواها
58
ومـا زلنـا بـهـا حـتَّى بـلغـنـا
مِـنَ الآمـال أقـصـى مـبـتـغـاها
59
بـقـيـتَ لنـا مدى الأنام ذخراً
نـواهـا فـيـك أحْـسَـنَ ما نراها
60
فـمـثلك في المكارم لا يجارى
ومـثـلك في الأَكارم لا يضاهى
تعليقات القراء 0