أيّ مُضنَى يَمُدّها بالكتئاب
للشاعر معروف الرصافي
1
أيّ مُــضــنَــى يَـمُـدّهـا بـالكـتـئاب
أنّـةً تـتـرك الحـشـا فـي التـهـاب
2
يــتــشــكّـى والليـلَ وحْـف الاهـاب
ضــمـن بـيـت جـثـا عـلى الأعـقـاب
3
صــفــقــتــه فــمــال كــفّ الخــراب
4
تـسـمـع الأُذن مـنـه صـوتاً حزيناً
راجـفـاً فـي حـشـا الظـلام كمينا
5
يـمـلأ الليـل بـالدعـاء أنـيـنـا
ربّ كـن لي عـلى الحـيـاة مـعـينا
6
ربّ أن الحـــيـــاة أصــل عــذابــي
7
وجــع فــي مــفــاصــلي دقّ عــظـمـي
ودهــــانـــي ولم يَـــرِقّ لعُـــدمـــي
8
عـاقـنـي عـن تـكـسُّبـي قـوت يـومـي
ربّ فـارحـم فـقـري بـصـحـة جـسـمـي
9
أن فـــقـــري أشــدّ مــن أوصــابــي
10
يـا طـبـيـبـاً وأيـن مـنـي الطبيب
حــال دون الطـبـيـب فـقـر عـصـيـب
11
لا أصــاب الفــقــيـرَ داءٌ مـصـيـب
أن سُــقــم الفــقــيــر شـئ عـجـيـب
12
بــطــلت فــيــه حــكـمـة الأسـبـاب
13
رجــل مــعُــسِــر يــســمــى بــشـيـرا
كـان يـسـعـى طـول النـهار أجيرا
14
كــاســبـاً قُـوتـه زهـيـداً يـسـيـرا
مـالكـاً فـي المَـعاش قلباً شكورا
15
راجـيـاً فـي المَـعـاد حـسُن المآب
16
عـال أخـتـاً حَـكَـتـه خُـلْقـاً نزيها
عــانــسـاً جـاوز الزواج سِـنِـيـهـا
17
لزِمــت بــيــت أمــهــا وأبــيــهــا
مـع أخـيـهـا تـعـيـش عـنـد أخـيها
18
مــثــله فــي طــعــامــه والشــراب
19
كــــلَّ يـــوم له ذهـــاب ومَـــأتَـــي
فــي مــعــاش مــن كــدّه يــتــأتّــى
20
هــكــذا دأبــه مَــصـيـفـاً ومَـشـتَـى
فــاعــتـراه داء المـفـاصـل حـتـى
21
عــاقــه عــن تــعــيّــش واكــتـسـاب
22
بـيـنـمـا كـان فـي قـواه صـحـيـحا
سـاعـيـاً فـي ارتـزاقـه مـسـتميحا
23
إذ عـراه الضَـنَـى فـعـاد طَـليـحـا
ورمــتــه يــد الســقــام طــريـحـا
24
جـسـمـه مـن سـقـامـه فـي اضـطـراب
25
بــات يـبـكـي إذا له الليـل آوى
بــعُــيــون مــن الســهــاد نَـشـاوى
26
فــتــرى وهــو بــالبـكـا يـتـداوى
قــطــراتٍ مــن عــيــنــه تــتـهـاوى
27
كــشــهــاب يَــنــقــضّ أثــر شــهــاب
28
أن سُــقــمــا بــه وعــدمــاً ألمّــا
تــركــاه يــذوب يــومــاً فــيـومـا
29
فهو حيناً يشكو إلى السقم عُدما
وهو يشكو حيناً إلى العدم سقما
30
بـاكـيـاً مـن كـليـهـمـا بـانـتحاب
31
ظـلّ يـشـكـو للأخـت ضَـعـفـا وعَجزا
إذ تُــعــزّيــه وهــو لا يــتــعــزّى
32
أيــهــا الأخــت عــزّ صــبـريَ عـزّا
أنّ للداء فــي المــفــاصـل وخـزا
33
مـثـل طـعـن القـنـا ووخز الحراب
34
قــد تـمـادى بـه السـقـام وطـالا
وتـــراءى له الشـــفــاء مُــحــالا
35
إذ قُـلابـاً بـه السـقام استحالا
كــان هَــيْـنـاً فـصـار داءً عُـضـالا
36
نــاشــبـاً فـي الفـؤاد كـالنُـشّـاب
37
ظــلّ مُــلقـىً وأعـوزتـه المـطـاعـم
مُــوثَـقـاً مـن سـقـامـه بـالأداهـم
38
مُــنـفِـقـاً عـنـد ذاك بـعـض دراهـم
رَبِـحَـتـهـا من غزلها الأخت فاطم
39
قـبـل أن يُـبـتَـلى بـهـذا المُـصاب
40
قــال والأخـت أخـبـرتـه بـأن قـد
كَــرَبـت عـنـدهـا الدراهـم تَـنْـفَـد
41
أخــبــري الســقــم عــلّه يـتـبـعّـد
أيـهـا السـقـم خـلِّ عـيشي المُنَكّد
42
لا تـعُـقـنـي في عيشتي عن طلابي
43
مــرّضــيــنـي شـقـيـقـتـيِ مـرّضـيـنـي
وعــلى الكـسـب فـي غـد حَـرِّضـيـنـي
44
وإذا مَــسَّكــ الطَـوىَ فـارفُـضـيـنـي
أو عـلى النـاس للمبيع اعرِضيني
45
عــلّهــم يــشــتــرونــنـي مـمـا بـي
46
رام خبزاً والجوع أذكى الاُوارا
فــي حــشــاه فـعـلَّلَتـه انـتـظـارا
47
ثـم جـاءت بالماء تُبدي اعتذارا
وهــل المــاء وهــو يُـطـفـئ نـارا
48
يـطـفـئ الجـوع ذاكياً في التْهاب
49
خــرجــت فــاطــم إلى جــارتَــيْهــا
ويـه تُـذري الدمـوع مـن مُقلتيها
50
فــأبــانــت بــرِقّــة حــالتــيــهــا
مــن ســقــام ومــن سُـعـاد لديـهـا
51
وشَــكَــت بــعــدَ ذا خُــلُوّ الوِطــاب
52
فــانــثــنَــت وهــي بــيـن ذُلّ وعـزّ
تـحـمـل التـمـر فـي يـدٍ فـوق خبز
53
وبـــأخـــرى سَــمــنــاً وبــعــض أرُزّ
مـنـحـوهـا بـه وذو العـرش يَـجـزى
54
مَـن أعـان الفـقـيـر حـسن الثواب
55
ليــلةٌ تَــنْــشُــر العــواصـفُ ذُعـرا
فـي دجـاهـا حـيث السحاب اكْفَهَرّا
56
ذا هَـزِيـم يَـمُـجّ فـي الأذن وقـرا
حـيـن تُـبـدي صـوالجَ البـرق تترى
57
كــهــربــائيــةٌ سَـرَت فـي السـحـاب
58
مـدّ فـيـهـا ذاك المـريـض الأكُفّا
فـي فـراش بـه عـلى المـوت أوفـى
59
طــرفــه كـالسُهـا يَـبـيـن ويَـخْـفَـى
حـيـث يُـغـضـي طـرفـاً ويـفتح طرفا
60
عـــاجـــزاً عـــن تـــكــلُّم وخــطــاب
61
فـدَعَـتْه والعـيـن تُـذري الدمـوعا
اخــتــه وهــي قـلبـهـا قـد ريـعـا
62
يــا أخــي أنــت ســاكـت أفـجـوعـا
سـاكـت أنـت يـا أخـي أم هُـجَـوعـا
63
فـاشْـفِـنـي يـا أخـي برَجْع الجواب
64
فـــرأت مـــنــه أنــه لا يُــجــيــب
فـتـدانـت والدمـع مـنـهـا صَـبـيـب
65
ثــم أصــغــت وفـي الفـؤاد وَجـيـب
ثــم هــابــت والمـوت شـىءٌ مَهـيـب
66
ثــم قــامــت بــخــشـيـةٍ وارتـيـاب
67
خــرجــت فـاطـم مـن البـيـت ليـلا
حـيـثِ أرخَـى الظـلام سدلا فسدلا
68
وهـي تـبـكـي والغَـيـث يهطل هطلا
مـثـلَ دمـع مـن مـقـلتَيْها استَهَلا
69
أو كــمــاءٍ جــرى مــن المــيــزاب
70
ربّ أدرك بـاللطـف مـنـك شـقـيـقـي
وامـنـع الغـيـث ربّ عـن تـعـويـقي
71
ومُــرِ البــرق أن يُـضـيـء طـريـقـي
بـــريـــقٍ يُــبــديــه أثــر بــريــق
72
فــعــســى أهـتـدي بـه فـي ذهـابـي
73
قَــرعــت فـي الظـلام بـاب الجـار
وهــي تــبـكـي الأسـى بـدمـع جـار
74
ثـــم تـــادت بــرقّــة وانْــكــســار
أم ســـلمـــى ألا بــحــق الجِــوار
75
فـافـتـحـي أنـنـي أنـا فـي الباب
76
فــأتـتـهـا سُـعـدى وقـد عـرَفـتـهـا
وعـن الخَـطْـب فـي الدجـى سـألتها
77
ثـم سـارت مـن بـعـدمـا أعـلمـتها
تـقـتـفـيـهـا وبـنـتـهـا تَـبِـعَـتـها
78
فـتـخـطَّيـْن فـي الدجـى بـانـسـيـاب
79
جِـئن والسـحـب أقْـلَعـت عـن حَياها
وكـــذلك الرعـــود قـــلّ رُغـــاهــا
80
حـيـث يـأتـي شِـبـه الأنين صداها
غــيــر أن البــروق كـان ضـيـاهـا
81
مـومِـضـاً فـي السماء بين الرَباب
82
فــدخَــلْن المــحــلّ وهــو مُــخــيــف
حــيــث انّ الســكـوت فـيـه كـثـيـف
83
وضــيــاء الســراح نَــزْرٌ ضــعــيــف
وبــه فــي الفــراش شــخـص نَـحـيـف
84
دبّ مــنـه الحِـمـام فـي الأعـصـاب
85
قـالت الأخـت أم سـلمـى انْـظُـريه
ثُــــكــــلت روح أمــــه وأبــــيــــه
86
فــرأت مــنـه إذ دنـت نـحـو فـيـه
نَــفَــســاً مــبُـطـيـء التـردُّد فـيـه
87
ثــم قـد غـالَه الرَدى بـاقـتـضـاب
88
وجَـــمَـــت حَــيْــرةً وبــعــد قــليــل
رمَــقَــت فــاطــمــاً بــطــرف كَـلِيـل
89
فـيـه حَـمْـل عـلى العـزاء الجميل
فــعَــلا صــوت فــاطــم بــالعـويـل
90
وبــكــت طــول ليـلهـا بـانـتِـحـاب
91
فـاسـتـمـرّت حـتـى الصـبـاح تُوالي
زفــارت بــنــارهــا القــلب صــال
92
فــأتـاهـا ودمـعـهـا فـي انْهـمـال
بــعــض جــاراتــهــا وبــعـض رجـال
93
مــن صـعـاليـك أهـل ذاك الجَـنـاب
94
وقـفـوا مـوقـفـاً بـه الفقر ألْقى
مـنـه ثِـقْـلاً بـه المـعـيـشة تَشقى
95
فــرأوا دمــع فــاطـم ليـس يـرقـا
وأخـوهـا مَـيْـت عـلى الأرض مُـلقى
96
مُــــدرَجٌ فــــي رثــــائث الثــــواب
97
فـــغـــدت فــاطــم تــرن رنــيــنــا
بـبـكـاءٍ أبـكـت بـه الواقـفـيـنـا
98
ثــم قــالت لهـم مَـقـالاً حـزيـنـا
أيـهـا الواقـفـون هـل تـرحـمـونا
99
مـــن مُـــصـــاب دهـــا وأيّ مــصــاب
100
أيــهــا الواقــفــون لا تُهـمـلوه
دونــكـم أدمُـعـي بـهـا فـاغْـسِـلوه
101
ثـــم الثـــوب ضــافــيــاً كــفِّنــوه
وادفُـنـوه لكـن بـقـلبـي ادفـنـوه
102
لا تُــواروا جــبــيـنـه بـالتـراب
103
بــعــد أن ظــلّ لافـتِـقـاد المـال
وهْـــو مُـــلقــىً إلى أوان الزوال
104
جــاد شــخــص عــليــه بــعـد سـؤال
بــــريــــال وزاد نــــصـــف ريـــال
105
رجـــل حـــاضـــر مـــن الأنـــجـــاب
106
كــفَّنـوه مـن بـعـد مـا تـمّ غـسـلا
وتــمـشَّوا بـه إلى القـبـر حَـمـلا
107
فــتــرى نــعــشــه غـداة اسـتـقـلا
نـعـش مـن كـان فـي الحـياة مُقِلا
108
دون ســـتـــر مــكــسّــرَ الأجــنــاب
109
نـاحـت الأخـت حـيـن سـار وصـاحـت
اخـتـك اليـوم لو قَـضَت لاستراحت
110
ثــم ســارت مــدهــوشـة ثـم طـاحـت
ثــم قــامــت تـرنـو له ثـم راحـت
111
تــســكــبُ الدمــع أيَّمــا تَــسـكـاب
112
أيــهـا الحـامـلوه لا مـشـيَ رَكـض
أن هــذا يــوم الفــراق المُــمِــضّ
113
فــاسـألوه عـن قـصـد أيـن يَـمـضـي
أنــه قــد قــضــى ولم يـكُ يَـقـضـي
114
واجــبـات الصـبـا وشـرخ الشـبـاب
115
أن قـلبـي عـلى كـريـم السـجـايـا
طــاح والله مــن أســاه شــظـايـا
116
قاتل الله يا ابن أمّي المنايا
أنـا مـن قـبـلُ مذ حسبت الرزايا
117
لم يـكـنُ رزء مـوتـكـم فـي حسابي
118
أن ليـــلي ولســـت مــن راقــديــه
كـــلمـــا جـــاءنـــي وذكّـــرنـــيــه
119
قـــلت والدمـــع قـــائل لي أيـــه
يـا فـقـيـداً اعـاتـب المـوت فـيه
120
بــبُــكــائي وهــل يُـفـيـد عـتـابـي
121
رُحــت يــومــاً وقـد مـضـت سـنـتـان
أتـــمـــشـــى بـــشــارع المــيــدان
122
مَــشــيَ حــيــران خَــطــوُه مُــتــدان
أثــقَــلَتــه الحــيــاة بـالأحـزان
123
وســقَــتْه كــأســاً كــطــعـم الصـاب
124
بــيــنــمــا كــنـت هـكـذا أتـمـشّـى
عَــرَضَــتْ نــظــرة فـأبـصـرت نـعـشـا
125
بــاديــاً للعــيــون غــيـر مُـغَـشّـى
نـقـش الفـقـر فـيـه للحـزن نَـقْشا
126
فـــبـــدا لوح أبْـــؤسٍ واكـــتــئاب
127
قــلت ســرّاً والنـعـش يـقـرُب مـنّـي
أيّهـا النـعـش أنـت أنـعـشتَ حزني
128
للأسَــى فــيــك حـالة نـاسـبـتـنـي
أن بـدا اليـوم فـيـك حـزن فـإني
129
أنـا للحـزن دائمـاً ذو انْـتـسـاب
130
رحـــت أســـعَــى وراء مــذ تــعــدّى
مـسـرعـاً فـي خـطـايَ لم آل جـهـدا
131
مــع رجــال كـأنـجـم النـعـش عـدا
هـــم بـــه ائرون ســيــراً مُــجــدّاً
132
فـــتـــراه يـــمـــرّ مــرّ الســحــاب
133
مـذ لحـدنـا ذاك الدفـيـن وعُـدنا
قــلت والدمــع بــلَّ مــنّــي ردنــا
134
أن هــذا هــو الذي قــدُ وعِــدنــا
فـأبـيـنـوا مـن الذي قـد لحَـدْنـا
135
فــتــصّــدَى مــنـهـم فـتـىً لجـوابـي
136
قــال أن الدفــيــن أخــت بــشـيـر
أخـت ذاك المـسـكـين ذاك الفقير
137
بَــقِــيَــت بــعــده بــعــيـش عـسـيـر
وبـــطـــرف بـــاك وقـــلب كــســيــر
138
وقـــضـــت مــثــله بــداء القُــلاب
139
قـلت أقـصـر عـن الكـلام فـحَـسْـبي
مــنــك هــذا فــقـد تـزلزل قـلبـي
140
ثــم نــاجــيــت والضـراعـة ثـوبـي
ربّ رُحـــمـــاك ربّ رحـــمـــاك ربــي
141
ربّ رشـــداً إلى طـــريــق الصــواب
142
ربّ إن العـــبـــاد أضــعــف أن لا
يــجــدوا مـنـك ربّ عـفـواً وفـضـلاً
143
فـاعـفُ عـن أخـذهم وأن كان عَدْلاً
أنـت يـا ربّ أنـت بـالعـفـو أولى
144
مـنـك بـالأخـذ والجـزا والعـقاب
145
قــد وردنـا والأرض للعـيـش حَـوْض
واحــد كــلنــا لنــا فــيــه خَــوض
146
فـــلمـــاذا بـــه مَـــشُــوب ومَــحْــض
عَــظُــمــت حــكــمــة الاله فــبَـعْـض
147
فــي نــعــيـمـوبـعـضـنـا فـي عـذاب
148
أيـهـا الأغـنـيـاء كـم قد ظَلَمْتم
نِـعَـم الله حـيـث مـا إن رحِـمْـتـم
149
ســهِـر البـائسـون جـوعـاً ونِـمـتـم
بـهـنـاءٍ مـن بـعـد مـا قـد طَعِمْتم
150
مــــن طــــعــــام مُــــنَّوع وشــــراب
151
كـم بـذلتم أموالكم في الملاهي
وركــبــتــم بـهـا مُـتـون السَـفـاه
152
وبــخِــلتــم مــنــهــا بــحــق الله
أيـهـا المُـوسِـرون بـعـض انـتـباه
153
أفـــتـــدرون أنــكــم فــي تَــبــاب
تعليقات القراء 0