لقيتها ليتني ما كنت القاها
للشاعر معروف الرصافي
1
لقـيـتـهـا ليـتـنـي مـا كنت القاها
تـمـشـي وقـد أثقل الأملاق ممشاها
2
أثــوابــهــا رثّــةٌ والرجـل حـافـيـة
والدمـع تـذرفـه فـي الخـدّ عـيناها
3
بـكـت مـن الفـقـر فـاحمرّت مدامعها
واصـفـرّ كـالورس مـن جـوع مـحـيّـاها
4
مـات الذي كـان يـحـمـيـها ويسعدها
فـالدهـر مـن بـعده بالفقر أشقاها
5
المـوت أفـجـعـهـا والفـقـر أوجـعها
والهــمّ أنــحـلهـا والغـمّ أضـنـاهـا
6
فـمـنـظـر الحـزن مـشـهـود بـمـنظرها
والبــؤس مــرآه مــقــرون بــمـرآهـا
7
كـرّ الجـديـديـن قـد ابـلى عباءتها
فـانـشـقّ أسـفـلهـا وانـشـق أعـلاهـا
8
ومـزّق الدهـر ويـل الدهـر مـئزرهـا
حـتـى بـدا مـن شقوق الثوب جنباها
9
تـمـشـي بـأطـمـارها والبرد يلسعها
كــأنــه عــقــرب شــالت زبــانــاهــا
10
حـتـى غـدا جـسـمـها بالبرد مرتجفا
كالغصن في الريح واصطكّت ثناياها
11
تـمـشـي وتـحـمـل بـاليـسرى وليدتها
حـمـلاً على الصدر مدعوماً بيمناها
12
قــد قــمّــطــتــهـا بـأهـدام مـمـزّقـة
فـي العـيـن مـنثرها سمبحٌ ومطواها
13
مـا أنـس لا أنـس أنـيّ كنت أسمعها
تـشـكـو إلى ربّهـا أوصـاب دنـيـاهـا
14
تــقـول يـا ربّ لا تـتـرك بـلا لبـن
هـذي الرضـيـعـة وارحـمـنـي وإيـاها
15
مـا تـصـنـع الأم في تربيب طفلتها
أن مـسّهـا الضـرّ حـتـى جـفّ ثـديـاها
16
يـا ربّ مـا حـيـلتي فيها وقد ذبلت
كـزهـرة الروض فـقـد الغيث أظماها
17
مـا بـالهـا وهـي طول الليل باكية
والأم ســاهــرة تــبـكـي لمـبـكـاهـا
18
يـكـاد يـنـقـدّ قـلبـي حـيـن أنـظرها
تـبـكـي وتـفـتـح لي من جوعها فاها
19
ويــلمّهــا طــفــلة بــاتــت مــروّعــةً
وبـتّ مـن حـولهـا في الليل ارعاها
20
تــبـكـي لتـشـكـوَ مـن داءٍ ألم بـهـا
ولسـت أفـهـم مـنـهـا كـنـه شـكـواها
21
قد فاتها النطق كالعجماء أرحمها
ولســـت أعـــلم أيّ الســقــم آذاهــا
22
ويـح ابـنـتـي أن ريب الدهر روّعها
بـالفـقـر واليـتـم آهـا منهما آها
23
كـانـت مـصـيـبـتـهـا بـالفـقر واحدة
ومــوت والدهــا بــاليــتـم ثـنّـاهـا
24
هـذا الذي فـي طـريـقـي كـنت أسمعه
مـنـهـا فـأثـرّ فـي نـفـسـي وأشـجاها
25
حــتــى دنَــوت إليـهـا وهـي مـاشـيـة
وادمـعـي أوسـعـت فـي الخـد مجراها
26
وقــلت يــا أخـت مـهـلاً أنـنـي رجـل
أشـارك النـاس طـرّاً فـي بـلا يـاها
27
سـمـعـت يـا أخـت شـكوىً تهمسين بها
فـي قـالة أوجـعـت قـلبـي بـفـحواها
28
هـل تـسـمـح الأخت لي أني أشاطرها
ما في يدي الآن استرضي به اللها
29
ثـم اجـتـذبـت لهـا مـن جيب ملحفتي
دراهـمـاً كـنـت اسـتـبـقـي بـقـاياها
30
وقـلت يـا أخـت أرجـو مـنـك تكرِمتي
بــأخــذهــا دون مــا مــنٍّ تـغـشـاهـا
31
فــأرســلت نــظــرةً رعــشــاءَ راجـفـةً
تـرمـي السـهـام وقلبي من رماياها
32
وأخــرجــت زفــرات مــن جــوانــحـهـا
كـالنـار تـصـعـد مـن أعماق أحشاها
33
وأجــشــهــت ثـم قـالت وهـي بـاكـيـة
واهــاً لمــثــلك مــن ذي رقـة واهـا
34
لو عـمّ فـي الناس حسَنٌ مثل حسّك لي
مـاتـاه فـي فـلوات الفقر من تاها
35
أو كـان فـي النـاس انـصاف ومرحمة
لم تـشـك أرمـلة ضـنـكـاً بـدنـيـاهـا
36
هــذي حــكــايــة حـال جـئت أذكـرهـا
وليـس يـخـفـي على الأحرار مغزاها
37
أولى الأنـام بـعـطـف الناس أرملةٌ
وأشرف الناس من في المال واساها
تعليقات القراء 0