الحمد للَه على ماق ضى
للشاعر صالح الشرنوبي
1
الحـــمـــد للَه عـــلى مـــاق ضــى
والشـــكـــر للَه عــلى مــا أمــر
2
فــمــا أظــنّ الأرض تـحـوى فـتـى
وجــوده قــد كـان إحـدى الكـبَـر
3
مــثــل فــتــى يــدعـونـه شـاعـرا
ومـا بـغـيـر المـوت يـومـاً شـعر
4
حـــيـــاتــه ليــل دمــيــمُ الرؤى
مــروّع الأشــبـاح كـابـى الصـوَر
5
تــــفـــتـــرس الأحـــداث آمـــاله
وتــرتـوى مـن دمـهـا المـنـهـمـر
6
أحـمـق مـنـه وهـو يـبـنـى المنى
تـلك المـنـى إذ تـتـحـدّى القدر
7
أتــى فــلم يــفــرح بــمــيــلاده
إلا نــديــمـاه الأسـى والفـكـر
8
حــيــران لا يــعــرف عـن نـفـسـه
إلا كــمــا يــعـرف هـذا الحـجـر
9
يــبــكــى بــلا دمـع وفـي قـلبـه
ما يغرق الدنيا إذا ما انفجر
10
وربّــــمــــا زان له ضــــعــــفــــه
أن يــشــتــكــى آلامــه للبــشــر
11
لكـــنّه يـــخــشــى مــواســاتــهــم
فـي مـحـنـةٍ الصـبـر فيها انتحر
12
فــيــنــطــوى والله أدرى بــمــا
يــثــور فــي بــركـانـه مـن شـرر
13
لا يـــعـــرف الصـــبـــر ولكــنــه
لمّـا رأى طـول الظـلام اصـطـبـر
14
بــيــن أمــانــيــه وبـيـن الردى
عـهـد قـديـم العهد باقي الأثر
15
فــــكــــلمـــا رفّ عـــلى أفـــقـــه
ضــيــاؤُهــا عــاجــله فــانــدثــر
16
وكـــل يـــوم مـــدّ مـــن عـــمـــره
مــقــبــرة فــي صــحــراء العـمـر
17
أجـداثـهـا المـلقـاة فـي جوفها
أحــلامــه المــحـتـرقـات الزهـر
18
وكـــل حـــيـــنٍ عـــنـــده مـــأتــم
لمــيــت فــي قــلبــه يــحــتــضــر
19
يـمـضـى كـمـا يـأتـي فـلا نـأمـة
يــبــكــى لهـا أو نـغـمـة تـدّكـر
20
يـهـفـو إلى النـسـيـان في عالم
ليــس مــن الأحــزان فـيـه مـفـر
21
أخــلاقــه البــيــضـاء مـيـراثـه
عــن الكــرام الوالديـن الغـرر
22
فـهـي الثـراء الضـخـم إن فـاقةٌ
حـــلّت بـــه ومـــجـــده إن فــخــر
23
وفـــي حـــنــايــا صــدره خــافــقٌ
دقّـــاتـــه ثـــرثـــارة لا تــقــر
24
تــدقّ بــاب القــبــر مــجــنـونـة
وتــؤذن الثــاوى بـقـرب السـفـر
25
كـــم عـــاش للنــاس بــأحــلامــه
وآب لم يــحــمــد ولم يــفــتـكـر
26
يـرثـى لكـل النـاس فـي حـزنـهـم
ويــحــتــفــى بـعـرسـهـم إن عـبـر
27
حــتــى غـدا فـي مـوجـهـم ذائبـا
كـــأنـــه ســمــع لهــم أو بــصــر
28
لكــنــهــم والطــيــن مـعـبـودهـم
وأمـــهـــم أم الخــنــا والدفَــر
29
هــدّوا عــليــه مــا بــنـاه لهـم
ولم يـراعـوا قـلبـه المـنـكـسـر
30
هـــذا يـــهـــوذاه الذي بـــاعــه
وذاك بــيــلاطــســه المــحــتـقـر
31
فــي عـمـره حـقـل فـسـيـح المـدى
لم يــدر ســاقـيـن ولا مـن بـذر
32
حــقــل مـن الأوهـام تـنـمـو بـه
أشــجــارهــا مـخـتـلفـات الثـمـر
33
المــوت فــي زقّــومــهــا كــامــنٌ
والجـنـة الحـمـراء فـيـهـا سـقر
34
نــهــاره قــزمٌ ســريــع الخــطــى
مــعــذب الآصــال داجــى البُـكَـر
35
والليـــل وحـــشٌ فــوقــه جــاثــم
مــشــوّه الخــلقـة دامـى الظُـفُـر
36
يــظــل يــســقــيــه بــلا رحــمــة
ويـــقـــرع الكــاس له إن فــتــر
37
فـــإن غـــفــا مــدّ له مــســرحــا
حــدوده فــوق مــرامــى النــظــر
38
تــمــثــل الأحــلام فــي ســجـنـه
روايـة المـاضـي الذي قـد غـبـر
39
روايــة المــاضـي وفـي بـعـثـهـا
بــعـثٌ لتـاريـخ الأسـى والسـهـر
40
قــال وقــد ضــاقــت بــه نــفـسـه
وعــاودتــه الذكــريــات النـكـر
41
ربّــــاه هــــذا زورقــــي حــــائر
مــعــطّــل المـجـداف لا يـسـتـقـر
42
كــأن هــذا البــحــر فــي جـوفـه
مــعــربــد الأمــواج طــاغٍ عـكـر
43
ظــلت ريــاح الدهــر تــلهـو بـه
وهــو لهــا مــســتـسـلم لم يـثـر
44
لا يــبــلغ القــاع وإيــمــانــه
بـالسـطـح لا يـدفـع عـنه الخطر
45
أرثـــى لنـــفـــســـي وله كــلّمــا
شــارفــت مـنـجـاةً هـوى وانـحـدر
46
وكــــلمــــا حــــنّ إلى شـــاطـــىءٍ
صـاحـت بـه الأعـمـاق لا تـنتظر
47
ربّـــاه هـــذا أنــا فــي زورقــي
عـبـدك فـاصـفـح إن لسـانـي عـثر
48
أفـرغـت كـأسـي مـن رحـيق المنى
فـقـد وجـدت اليـأس عـيـن الظفر
49
كـانـت لنـفـسـي مـثـل غـيري منى
يــتــيــمــة عــذراء مـثـل الدرر
50
أفــنــيــت عــمــري أتـغـنـى لهـا
مـا تـلهـم الشـمس ويوحى القمر
51
حــتــى جــرى مــا أنـت أدرى بـه
اســتـغـفـر الله وأشـكـو القـدر
52
فــعــدت والحــســرة فــي أضـلعـي
مـــحـــطّـــمَ العـــود عــيّ الوَتــر
53
ألتـــهـــم اليــأس وأحــشــو بــه
فــم النـصـيـح الفـدم إمّـا هـذر
54
وكــــلمــــا ســـاءَلنـــي صـــاحـــب
مـاذا تـرجـى فـي الغد المنتظر
55
أقــول مــا يـرضـيـك يـا خـالقـي
ويـسـحـق الوهـم ويـفـنـى الضـجر
56
الحـــمـــد لله عــلى مــا قــضــى
والشـــكـــر للَه عــلى مــا أمــر
تعليقات القراء 0