هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

زُر السجن في بغداد زورة راحم

للشاعر معروف الرصافي

1
زُر السـجـن فـي بـغـداد زورة راحـم
لتَــشــهَــد للأنــكـاد أفـجـع مـشـهـد
2
مـحـلّ بـه تـهـفـو القلوب من الأسى
فإن زرتَه فاربط على القلب باليد
3
مــربَّعــ ســور قــد أحــاط بــمــثــله
مـحـيـط بـأعـلى مـنـه شِـيـدَ بـقـرمـد
4
وقــد وصـلوا مـا بـيـن ثـان وثـالث
بــمــعــقـود سـقـف بـالصـخـور مُـشـيَّد
5
وفـي ثـالث الأسـوار تـشـجـيك ساحةٌ
تــمــور بـتـيّـار مـن الخـسـف مُـزبِـد
6
ومـن وسـط السـور الشَـمـاليّ تـنتهي
إليـهـا بـمـسـدود الرتـاجـيـن مُوصَد
7
هـي السـاحة النكراء فيها تلاعبَتْ
مـخـاريـق ضـيـم تـخـلِط الجِـدّ بالدَد
8
ثـلاثـون مـتـراً فـي جـدار يـحـيطها
بـسـمـكٍ زهـاءِ العشر في الجو مُصعِد
9
تــواصـلت الأحـزان فـي جـنـبـاتـهـا
بــحـيـث مـتـى يـبَـلَ الأسـى يَـتَـجـدَّد
10
تَـصَـعَّدَ مـن جـوف المـراحـيـض فـوقها
بـخـار إذا تَـمـرُرْ بـه الريـح تَفْسُد
11
هــنــاك يــودّ المـرء لوقـاءَ نـفـسَه
وأطــلقــهــا مــن أســر عـيـشٍ مُـنـكَّد
12
فـقـف وسـطـها وانظر حوالَيْك دائراً
إلى حُــجَــر قــامـت عـلى كـل مُـقْـعَـد
13
مـقـابـر بـالأحـيـاء غـصَّتـْ لُحُـودُهـا
بــخــمــس مــئيــن أنـفـس أو بـأزيـد
14
وقـد عَـمِـيَـتْ منها النوافذ والكُوى
فـلم تـكـتـحـل مـن ضـوء شـمس بمروَد
15
تــظــنّ إذا صــدرَ النـهـار دخـلتَهـا
كــأنّــك فـي قِـطـع مـن الليـل أسـود
16
فــلو كـان للعُـبّـاد فـيـهـا إقـامـةٌ
لصــلَّوا بـهـا ظـهـراً صـلاة التَهَـجُّد
17
يــزور هـبـوبُ الريـح إلاّ فـنـاءهـا
فـلم تَـحْـظَ مـن وصـل النـسيم بمَوْعد
18
تَـضـيـق بـهـا الأنـفـاس حـتى كأنما
عــلى كــل حــيــزوم صــفــائح جَـلْمَـد
19
وحــتــى كـأن القـوم شُـدَّتْ رقـابـهـم
بـحـبـل خِـنـاق مُـحـكَـم الفـتـل مُحصَد
20
بــهــا كــل مـخـطـوم الخـشـام مـذلّلٍ
مـتـى قِيد مجروراً إلى الضيم ينقد
21
يَــبــيــت بـهـا والهـمّ مـلءُ إهـابـه
بـليـلةِ مَـنْـبُـول الحـشـا غـير مُقصَد
22
يُــمــيــت بـمـكـذوب العـزاء نـهـاره
ويـحـيـي الليـالي غـيـرَ نـوم مُـشَرَّد
23
يَــنُــوءُ بــأعــبـاء الهـوان مـقـيَّداً
ويـكـفـيـه أن لو كـان غـيـر مـقـيّـد
24
وتَـقْـذِفـهـم تـلك القـبـور بـضـغـطها
عــليــهــم لحــرّ السـاحـة المـتـوقِّد
25
فــيــرفــع بــعـض مـن حـصـيـر ظـلالةً
ويــجــلس فــيـهـا جـلسـة المـتـعـبّـد
26
وليــس تــقــيــه الحــرّ إلا تَــعِــلّةً
لنـفـس خـلت مـن صـبـرهـا المـتـبـدّد
27
وبـالثـوب بـعـض يـسـتـظِـلُّ وبـعـضـهـم
بنسج لعاب الشمس في القَيْظ يرتدي
28
فـمـن كـان مـنـهـم بـالحـصير مُظَّللاً
يـــعـــدّونــه ربّ الطِــراف المــمــدّد
29
تـراهـم نـهـار الصـيـف سُفْعاً كأنهم
أثــافــيّ أصـلاهـا الطُهـاة بـمَـوْقِـد
30
وجــوه عــليــهــا للشُــحــوب مـلامـح
تـلوح كـباقي الوشم في ظاهر اليد
31
وقـد عـمّهـم قَـيـد التـعـاسـة مُوثَقاً
فــلم يــتــمــيّــز مُـطـلَق عـن مـقـيّـد
32
فــســيّــدهـم فـي عـيـشـه مـثـل خـادم
وخــادمــهــم فــي ذُلّةِ مــثــل ســيّــد
33
يـخـوضـون فـي مـسـتـنـقـع مـن روائح
خــبــائثَ مـهـمـا يَـزْدَدِ الحـرُّ تَـزْدَد
34
تـدور رؤس القـوم مـن شـمّ نَـتْـنـهـا
فـمَـن يـك مـنـهـم عـادم الشـمّ يُحسَد
35
تـراهـم سـكـارى في العذاب وما هم
ســكــارى ولكــن مــن عــذاب مُــشــدَّد
36
وتــحــســبَهــم دوداً يـعـيـش بـحـمـأة
ومــا هــو مــن دود بــهــا مــتــولِّد
37
ألا رب حــرّ شــاهـد الحـكـم جـائراً
يــقـود بـنـا قَـوْد الذَلول المـعـبَّد
38
فـقـال ولم يَـجـهَـر ونـحـن بـمـنـتدىً
بـه غـيـر مـأمـون الوشـايـة يـنتدى
39
عــلى أي حــكــم أن لأيــة حــكــمــة
بـبـغـداد ضـاع الحـقُّ مـن غير منشد
40
فـأدنـيـت للنـجـوى فـمـي نـحو سمعه
وقــلت لأن العــدل لم يــتــبــغــدد
41
رعـى الله حـيّـاً مـسـتـبـاحـاً كـأنـه
مـن الذُعـر أسـراب النَـعام المطرَّد
42
ومـا صـاحـب البـيت الحقير بناؤها
بــأفــزع مــن ربّ البّــلاط المـمـرَّد
43
ومـا ذاك إلاّ أنـهـم قـد تـخـاذلوا
ولم يـنـهـضـوا للخـصـم نـهـضة مُلِبد
44
فـنـامـوا عـن الجُـلَّى ونـمتُ كنومهم
ســوى نَــوْحــةٍ مــنــي بــشـعـر مـغـرِّد
45
وهـل أنـا إلا مـن أولئك أن مـشوا
مــشــيــت وأن يَــقـعُـد أولئك أقـعـد
46
وكـمُ رمـتُ أيـقـاظـاً فـأعيا هُبُوبُهم
وكــيــف وعــزم القـوم شـارب مُـرقِـد
47
نـهـوضـاً نـهوضاً أيها القوم للعلا
لتـبـنـوا لكـم بـنـيـان مـجـدٍ مُـوَطَّد
48
تــقــدمــنــا قــوم فــأبْـعَـدَ شـوطُهـم
وقـد كـان عـنـا شـوطـهـم غـيرَ مُبْعِد
49
وسـدّ عـليـنـا الاعـتـشـافُ طـريـقَـنا
فــأجــحــف بــالغَــوْريّ والمــتــنــجِّد
50
أفـي كـل يـوم يـزحـف الدهـر نحونا
بـجـنـدٍ مـن الخـطـب الجـليـل مـجـنَّد
51
فــيــا ربّ نَـفِّسـ مـن كـروب عـظـيـمـة
ويــا ربّ خــفّــف مــن عــذاب مــشــدَّد

عن القصيدة

«زُر السجن في بغداد زورة راحم» قصيدة للشاعر معروف الرصافي، أحد شعراء العصر الحديث، عدد أبياتها 51 بيتاً ، نُظمت على البحر الطويل ، وقافيتها على حرف الرويّ «د». مطلعها: «زُر السـجـن فـي بـغـداد زورة راحـم ... لتَــشــهَــد للأنــكـاد أفـجـع مـشـهـد». ولـمعروف الرصافي قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

قصائد أخرى من البحر الطويل

تعليقات القراء 0