كان المُنَى إذ تَقَضَّى ما عَهِدْناهُ
للشاعر ناصح الدين الأرجاني
1
كـان المُـنَـى إذ تَـقَـضَّى مـا عَهِدْناهُ
لو كــنـتَ تَـذكُـرُهُ أو كـنـتَ تَـنْـسـاهُ
2
فـــلو تَـــذكَّرتَه نــاجَــيْــتَ صــاحــبَه
ولو تَــنــاسَــيْــتَه مــا ذُقـتَ بَـلْواهُ
3
وكـيـف يَـنْـسى هوَى الأحبابِ ذو كَلَفٍ
لم يَـطْـرِفِ العَـيْـنَ إلاّ هـاجَ ذِكْـراه
4
مُـغـرَى الجـفـونِ بطَيْفِ الغادرين به
فــلو ســلا قَـلْبُه لم تَـسْـلُ عَـيْـنـاه
5
هــو الخـيـالُ الّذي يَـسْـري لمـوعـدِه
فــيُـقْـمـرُ اللّيـلُ للسّـاري بـمَـسْـراه
6
فـي البِـيِـد بُـعْدٌ وفي أحبابِنا بَخَلٌ
فــمَــن هَــداهُ ومَـن يـا قـومُ أهْـداه
7
سَــرَى إلى ســرِّ ليــلٍ فــي جَــوانـحـه
إذا ابـتـغَـتْهُ عُـيـونُ القـوم أخْفاه
8
أمـالَهُ النّـوم فـي ثِـنْـيَـيْ حـمـائلهِ
ووسَّدَتْه يــــداً إحْـــدى مَـــطـــايـــاه
9
مــن بَــعْــدِ كُـلِّ يَـمـانٍ كـان يَـشْهَـرهُ
بـمـا يـشـاءُ مَـن بـعَـيْـنَـيْه ويُـمْناه
10
وقَــلَّ فــي حَـرْبِ مَـنْ تَـلْقـاهُ فـكْـرتُه
فـيـمـا بـه مـن هـوَى مَن ليس يَلْقاه
11
لو كان بالدَّهرِ ما بيَ منه أعجَزَني
حــتّــى تَــسُـدَّ بـه الأسـمـاعَ شَـكْـواه
12
وإنّــمــا مـن رزايـا الدَّهـرِ واحـدةٌ
أنْ يـأنـفِ الحُـرُّ مـن شَـكْـوى رزاياه
13
لعـلّ أُخْـرَى اللّيـالي أن تُـسـاعِـفَنا
فــليــس كُــلُّ صُــبــابِ النَّيــْل أُولاه
14
إنَّ الزّمـانَ عـلى مـا فـيـهِ مـن نُوَبٍ
تَــمُــرُّ مَــرّاً عـلى الإنـسـانِ حـالاه
15
فـكـم يَـخـافُ الفـتـى مَن كان يَأْملُه
وكـم يُـرجّـي الفـتَـى مَـن كان يَخْشاه
16
مـا فـاتَـنـي قَطُّ أَدْنَى الأمرِ أَقْصدُه
إلاّ وأَدركــتُ بــعـدَ الصّـبْـرِ أَعْـلاه
17
مَـخـائلُ المـجـدِ فـيـمـا سـرْتُ أَطْلُبُه
بـهـا سـلا القـلْبُ عـمّـا بِـتُّ أَهْـواه
18
وبــالأمــيــرِ ولَثْــمــي للعُـلا يَـدَهُ
عــن الحــبـيـبِ ولَثْـمـي للهـوَى فـاه
19
لم يُـبْـقِ في القلبِ تَقْبيلي أَناملَه
هَــوًى لثَــغْــرٍ وإن طــابَـتْ ثَـنـايـاه
20
ذاك البَـنـانُ الّذي أدنَـى مَـواهِـبـه
يُـطـبِّقـُ الدّيـنَ والدُّنـيـا بـنُـعْـمـاه
21
لثَــمْــتُه ونــظَــمْــتُ القــولَ أَمــدَحُه
ولم أَكـــنْ لأُجـــيــدَ المَــدْحَ لَولاه
22
وإنّــمــا هـو بـحـرٌ غـاصَ فـيـه فَـمـي
فــجــاء بــالدُّرِّ مــنــه ثُــمَّ أَهْــداه
23
للهِ أَنــت بــهــاءَ المُــلْكِ مِـن مَـلكٍ
له مــن الفــخــرِ أَقْــصــاهُ وأَدْنــاه
24
لو لم يَــرِثْ كُـلَّ هـذا المـجـدِ أَوَّلُه
كَــفــاه مــن ذاك مـا نـالَتْه كَـفّـاه
25
واليُــمــنُ أَجـمَـعُ مـوصـولٌ بـيُـمْـنـاهُ
واليُــســرُ أَجــمَـعُ مـأمـولٌ بـيُـسْـراه
26
والدّهــرُ ثُــلْمــتُه فــي أَخْــذِ مُــدَّتِه
والمُــلْكُ مَــفْــخــرُه فـي خَـطِّ طُـغْـراه
27
يــأتــي الكـتـابُ بـه والعِـزُّ طَـيَّبـَه
حـــتّـــى كــأنَّ الّذي أَمــلاهُ أَعْــداه
28
إذا بـدا مـن بَـعـيـدٍ فـالخُـطـا قُبَلٌ
إليـه فـي الأرضِ والأقـدامُ أَفـواه
29
لابُــدَّ مِـن أَن تَـخِـرَّ الهـامُ سـاجـدةً
إن لم تـكُـنْ مِـن مُـطـيـعـيـهِ فقَتْلاه
30
لمّـا دُعـيـتَ بـهـاءَ المُـلْكِ كـنـتَ له
فَــخْــراً عـلى كُـلِّ مَـلْكٍ كـان بـاهـاه
31
ومُـذْ دُعـيـتَ ظـهـيـرَ الدّينِ صار حِمىً
إذا تَـــعـــرَّضَ للبــاغــي تَــحــاشــاه
32
ومُـذْ دُعـيـتَ كـمـالَ الدّولةِ اعـتدلَتْ
بـرَأْيـكَ المُـنْـتَضَى في الخَطْبِ سَيْفاه
33
ومُـذْ دُعـيـتَ جـمـالَ المـلّةِ ابْـتَهَـجَتْ
بـــوَجْهِـــك المُــدَّعــي للبَــدْرِ مَــرْآه
34
أَلقـابُ مَـجـدٍ كـسَـتْ عُـليـاكَ مَـنْطقَها
صــدْقــاً فــجــاء كــأَنَّ اللهَ أَوْحــاه
35
وحُـسْـنُ لَفْـظٍ عـلى مـا لا خـفـاءَ بـه
لكــنَّ أَحــســنَ مــنــه حُــسْـنُ مَـعْـنـاه
36
لقــد حــلَلْتَ مــن السُّلـطـانِ مَـنـزلةً
تَـنـاولتْ مـن رفـيـعِ المَـجْـدِ أَقْـصاه
37
حــمَــيْــتَ دولتَه فــاعــتـزَّ جـانـبُهـا
وذُدْتَ عــن مُــلْكــه فــاشـتـدَّ رُكْـنـاه
38
وبَــركَــيــارُقُ فـيـك اليـومَ مُـلْتَـمِـسٌ
مـا فـي أَبـيـكَ رأَى قِـدْمـاً مَـلِكْـشاه
39
فـدُمْـتُـمـا مـثـلمـا دامـا عـلى نَـسَقٍ
ولا تَــزولا كــمــا زالا بـعُـقْـبـاه
40
ولا سـعَـى فـيـكـمـا بالبَغْيِ ذو حَسدٍ
إلاّ وردَّ عـــليـــه اللهُ مَـــسْـــعــاه
41
ولا عـدا المَـرْقَـدَ المَـغْبوطَ ساكنُه
مُــضــاعــفٌ مــن صَـلاةِ اللهِ يَـغْـشـاه
42
وأَنــت أحــيَــيْـتَ مـن أَخـلاقِ سُـؤْدَدِه
وقـد مـضَـى مـا على التَّحقيقِ أَحْياه
43
لقــد فــقَــدْنـاهُ مَـعْـدومـاً مُـقـارِنُه
وجــئْتَــنــا فــكــأنّــا مـا فَـقـدْنـاه
44
نـازعْـتَه الشَّبـْهَ فـي خَـلْقٍ وفـي خُلُقٍ
حــتّــى لَمـا زِدْتَـنـا لو كـنـتَ إيّـاه
45
ولا يُـعَـدُّ نـظـامُ المُـلكِ مُـنْـقَـطِـعـاً
مـا دام مـثْـلُك فـيـنـا مـن بَـقاياه
46
خُــلقْــتَ بـيـنَ بَـنـيـهِ الغُـرِّ واسـطـةً
مـن حَـوْلها الدُّرُّ ملْءَ العِقْدِ يَزْهاه
47
كـلٌّ نَـفـيـسٌ فـليـس الفَـرقُ بـيـنـكما
إلاّ بـــأنّـــك فَـــرْدٌ وهْـــيَ أَشْــبــاه
48
ونَـسـألُ اللهَ جَـمْـعَ الشَّمـْلِ بـيـنـكمُ
فــذاك أَشْــرَفُ شَــمْــلٍ يَــجْــمَــعُ الله
49
فــزاد نــعــمـةَ مَـوْلانـا وضـاعـفَهـا
لديــنِ كُــلِّ فــتــىً مــنّــا ودُنْــيــاه
50
وَلْيَهْـنِه العِـيدُ أَعني الدّهْرَ أَجمعَهُ
وقـد تَـسـاوى بـه فـي الحُـسْن وَقْتاه
51
ولم نَـــخُـــصَّ له يــومــاً بــتَهْــنــئةٍ
أَيّـــامُه كـــلُّهـــا مِـــمّـــا نُهـــنّــاه
52
أَعـيـادُ عـامـكَ يا عبد الرّحيم أَتَتْ
بـعِـدَّةِ اسْـمِـك فـيـمـا قـد حَـسِـبْـنـاه
53
أَمّــا وقـد سَـعـدت عَـيْـنـي بـطَـلْعـتـهِ
وأدركَ القَــلْبُ مــنـهـا مـا تَـمـنّـاه
54
فــلا طــلبْــتَ ســواه بــعــدَ رُؤْيـتـه
لا يَـحْـسُـنُ العَـبْـدُ إلاّ عـند مَوْلاه
تعليقات القراء 0