ما أُغْمِدَ العَضْبُ حتّى جُرِّدَ الذكرُ
للشاعر ابن حمديس
1
مـا أُغْـمِـدَ العَـضْـبُ حـتّى جُرِّدَ الذكرُ
ولا اخـتـفَـى قَـمَـرٌ حـتـى بـدا قَـمَـرُ
2
قـد مـاتَ يـحـيَـى فـماتَ الناسُ كُلّهُمُ
حـتـى إذا مـا عـليٌّ جـاءهـم نُـشِـروا
3
إنْ يُــبْــعَـثُـوا بـسُـرورٍ مِـنْ تـمـلُّكـهِ
فَـمـنْ مَـنـيّـة يـحـيَـى بالأسَى قُبِروا
4
أَوفــى عــليٌّ فَــسِــنُّ المَـلكِ ضـاحِـكَـةٌ
وعــيــنُهُ مــن أبــيــه دَمْـعُهـا هَـمِـرُ
5
يـا يَـومَ وَلَّى عـنِ الدُّنـيا بِهِ طُمِسَتْ
بِـظُـلمَـةِ الرزءِ مِـن أَنـواركَ الغُـررَ
6
ومـادَتِ الأَرضُ مـن فُـقـدانِهـا جَـبلاً
يـنـابِـعُ الجـودِ مـن سـفـحَـيهِ تَنفَجِرُ
7
لَم تُـغْـنِ عَـنـهُ غِـيـاضٌ مِن قَناً وظُبىً
حـمـرُ الحماليق فيها أُسْدُها الهُصُرُ
8
يَــرَونَ زُرْقَ ذِئابٍ مــا ثَــعــالِبــهــا
إلَّا عَــوامِــلُ فــي أيـمـانـهـا سُـمُـرُ
9
ويَـتـرُكونَ إِذا جَيشَا الوَغى انتَظَما
سَــلخــاً كَــســاه حــديـداً حَـيّـةٌ ذَكـرُ
10
وديـعـةُ السّيلِ في البطحاءِ غَادرها
تـقـري الرِّماحِ بها الآصالُ والبكرُ
11
لَم يُــغْــنِـيَـا عَـنـهُ لا عِـزٌّ يُـدِلُّ بِهِ
مَـن كـانَ بِـالكِـبـرِ فـي عِرنِينِهِ أَشَرُ
12
ولا مــهــابَــةُ مــحــجــوبٍ تَــبَـرَّجَهـا
كَــأنّهُ عِــنــدَ أبــصــارِ الورى خَـفَـرُ
13
شُـقَّتـ جُـيـوبُ المعالي بالأسى وبكَتْ
فـي الخـافقَينِ عليه الأنجمُ الزُّهرُ
14
إِذِ السَّمـاءُ بِـصَـوتِ الرَّعـدِ صَـرْخـتُها
يـكـادُ مـنـهـا فـؤادُ الأرضِ يَـنـفَطِرُ
15
والجَــوُّ مُــتَّقــِدُ الأحــشـاءِ مُـكـتَـئِبٌ
كَـأَنَّمـا البـرقُ فـيـهـا لِلأَسـى سُـعُرُ
16
وقَــلَّ لابــنِ تَــمـيـمٍ حُـزْنُ مَـأتَـمِهـا
فَــكــلّ حُــزنٍ عــظـيـمٍ فـيـه مُـحـتَـقَـرُ
17
قـامَ الدّليـلُ ويَـحـيَـى لا حـياةَ لهُ
إِنَّ المــنِــيَّةــَ لا تُـبـقـي ولا تَـذرُ
18
أمـسـى دفـيـنـاً ولم تُـدْفَـنْ مـفاخرُهُ
كـالمِـسْـكِ يُـطـوى ونـشْـرٌ مِـنهُ يَنتَشرُ
19
قـد كـنـتُ أحـسـبُ أن أُعـطَى مُنايَ به
وأن يــطــولَ عــلى عــمــري لهُ عـمـرُ
20
وهـا أنـا اليـومَ أرثـيـهِ وكـنتُ لهُ
أُنَـقّـحُ المـدحَ والدنـيـا لهـا غِـيَـرُ
21
يــا وَيْــحَ طــارِقِ لَيــلٍ يَـسـتَـقِـلُّ بِهِ
سـامـي التليلِ براهُ الأيْنُ والضُّمُرُ
22
فـي سـرجـه مـن طُـيـورِ الخيلِ مُبتْدِرٌ
ومـا جـنـاحـاهُ إلّا العُـنـقُ والخَصِرُ
23
يــطـوي الضَّمـيـرَ عـلى سِـرٍّ يُـكِـنُّ بـه
بُـشْـرَى ونَـعْـيٍ حَـيـارَى منهما البَشَرُ
24
لَولا حَــديــثُ عَــلِيٍّ قــلتُ مــن أسَــفٍ
بِـفـيكَ يا مَن نَعى يَحيَى لَنا العَفَرُ
25
إِن هُــدَّ طَــوْدٌ فــذا طَــوْدٌ يُــعَــادِلُهُ
ظِــلٌّ تُــؤَمَّنــُ فــي أفــيــائِهِ الجــدُرُ
26
أَو غـيـضَ بَـحـرٌ فَـذا بَـحـرٌ بِـمَـوضِـعِهِ
لِوارِديـــهِ نَـــمـــيـــرٌ مــاؤُهُ خَــصِــرُ
27
يـا واحِـداً جُـمِـعَتْ فيهِ الكرامُ ومَنْ
بِــسَــيــفـه مِـلَّةٌ التَّوحـيـدِ تَـنـتَـصِـرُ
28
أوجَــفْــتَ طِــرْفَـكَ والإِيـجـافُ عـادتُهُ
والصُّبـحُ مُـحـتَـجِـبٌ واللَّيـلُ مُـعـتَـكِـرُ
29
لَمّــا سَــرَيــتَ بِــجَـيـشٍ كُـنـتَ جُـمـلَتَهُ
ومـا رَفـيـقـاكَ إلّا النَّصـرُ والظَّفـَرُ
30
طــوى له اللَّه سَهــبــاً بِــتَّ قـاطِـعَهُ
كــأنّــمــا بُـعْـدُهُ بـالقُـرْبِ يُـخْـتَـصِـرُ
31
وَقَـصَّرَ السَّعـدُ لَيـلاً فـالتَـقـى عَجلاً
مِـنـهُ العِـشـاءُ عـلى كَـفَّيـكَ والسَّحـَرُ
32
وفــي ضُــلوعِــكَ قَــلبٌ حَــشــوُهُ هِــمَــمٌ
وبَــيــنَ عَــيــنَــيـكَ عَـزمٌ نَـوْمُهُ سَهَـرُ
33
حَــتّــى كَــسَـوْتَ حـيـاةً جِـسْـمَ مَـمـلكـةٍ
بِــرَدّ روحٍ إليــهِ مــنــكَ يَــنْــتَــظــرُ
34
هـنـئتَ بـالمـلكِ إذْ عُـزّيـتَ فـي مـلكٍ
لِمَــوْتــهِ كــانَ مـنـكَ العـيـش يـذَّخِـرُ
35
جَلَستَ في الدستِ بالتَّوفيقِ وابتَهَجَتْ
بِــكَ المَــنـابِـرُ وَالتِّيـجـانُ والسُّرُرُ
36
أَضـحَـتْ عُـلاكَ عـلى التَّمـكـينِ ثابِتَةً
فَـطـيـبُ ذِكـرِكَ فـي الدُّنـيـا له سَـفَرُ
37
تــنــاوَلَ القَـوْسَ بـاريـهـا فـأسْهُـمُهُ
نَـوافِـذٌ فـي العـدى أَغراضُها الثُّغَرُ
38
وقـامَ بـالأمـرِ سـهْـمٌ مـنـكَ مُـعْـتَـزِمٌ
يـجـري مـنَ اللَّه فـي إِسعادِهِ القَدَرُ
39
وأصــبَــحَــتْ هِــمَــمُ الآمـالِ سـانِـيـةً
عَـنِ العَـطايا الَّتي عُنوانُها البِدَرُ
40
وَأَنــتَ سَــمـحٌ بِـطَـبـعٍ غَـيـرِ مُـنـتَـقِـلٍ
سِيّانِ في المحلِ مِنكَ الجَوْدُ وَالمَطَرُ
41
واسـلَمْ لِعِـزِّ بني الإِسلامِ ما سَجَعَتْ
سَـوامِـرُ الطَّيـرِ وانـآدت بِها السَّمُرُ
تعليقات القراء 0