هيَ حانةٌ شتَّى عجائبها
للشاعر علي محمود طه
1
هـيَ حـانـةٌ شـتَّى عـجـائبـهـا
مـعـروشـةٌ بـالزّهْـرِ والقـصبِ
2
فــي ظُـلَّةٍ بـاتـت تُـداعـبُهـا
أنـفـاسُ ليْـلٍ مُـقـمِـرِ السُّحُبِ
3
وزَهَـتْ بـمـصـبـاحٍ جـوانـبُهـا
صـاف الزُّجـاجةِ راقصِ اللهَبِ
4
بـاخـوس فـيـها وهو صاحبُها
لم يـخْـلُ حين أفاق من عَجبِ
5
قـد ظـنَّهـا والسـحر قالبُها
شِـيـدَت من الياقوت والذهبِ
6
إبــريــقــهُ حَـلْيٌ مـن الدُّرَرِ
يُـزْهـى بـه قَـدَحٌ مـن المـاسِ
7
وكـأنَّ مـا حـوليـه مـن صُـورِ
مــتــحــركــاتٌ ذاتُ أنــفــاسِ
8
تـركـتْ مـواضـعها من الأُطُرِ
ومــشـتْ له فـي شِـبْهِ أعـراسِ
9
مــنــهــنَّ عـازفـةٌ عـلى وتَـرٍ
مُـــتَـــفَــجِّرٍ بــأرقِّ إحــســاسِ
10
وغــريــرةٌ حـوراءُ كـالقـمـرِ
تـحـنـو عـلى شفتيهِ بالكاسِ
11
أوَ تـلكَ حـانـتُهُ فـوا عجبا
أم صُــنْــعُ أحــلامٍ وأهــواءِ
12
ومَـنِ الخـيالُ أهلَّ واقتربا
فـيـنُـوس خـارجـةً مـن الماءِ
13
فـي مـوكـب يـتـمـثَّلُ الطَّرَبا
ويــمـيـلُ مـن سـحـرٍ وإغـراءِ
14
وبـكـلِّ نـاحـيـةٍ فـتـىً وثـبا
مــتــعـلقـاً بـذراعِ حـسـنـاءِ
15
يــتـوهـجـون صـبـابـةً وصِـبـا
يــتــمــثَّلـونَ غـريـبَ أزيـاءِ
16
حُـمْـرُ الثـيـابِ تخالُ أنهمو
يَــفِـدونَ مـن حـانـوت قـصّـابِ
17
جلسوا نشاوى مِثلما قُدِموا
يـتـرقـبـونَ مـنـافـذَ البـابِ
18
يـتـهـامـسـون وهـمـسُهُـمْ نغمُ
يــســري عــلى رنَّاـتِ أكـوابِ
19
إن تـسـألِ الخمَّارَ قال هُمُو
عُــــشــــاقُ فَـــنٍّ أهـــل آدابِ
20
لولا دُخـانُ التَّبـغ خلتَهمو
أنـــصـــافَ آلهـــةٍ وأربـــابِ
21
مـن كـلِّ مـرسِـل شَـعـرِهِ حِلَقا
وكــأنـهـا قِـطـعٌ مـن الحَـلَكِ
22
غـليـونـهُ يَـسـتـشرفُ الأُفُقا
ويـكـادُ يُـحـرقُ قُـبَّةـَ الفَلَكِ
23
أمـسـى يُـبـعـثـرُ حوله وَرقَا
فــكــأنـه فـي وسْـطِ مُـعْـتَـرَكِ
24
فـإذا أتـاهُ وحْـيُهُ انـطلقا
يُـجـري اليَـراعَ بـكفِّ مرتبكِ
25
ويـقـول شعراً كيفما اتفقا
يُـغـري ذوات الثُّكل بالضحكِ
26
بـاخـوسُ يـروي عـن غرائبهمْ
شــتــى أحــاديــثٍ وأنــبــاءِ
27
قـصـصٌ تـداوَلُ عـن صـواحـبهمْ
وعن الصبايا فِتنةِ الرائي
28
وعـن الخـطيئةِ في مذاهبهمْ
بـــدأتْ بـــآدمَ أم بــحــوَّاءِ
29
والمُـلْهِـمَـأتُ إلى جـوانبهمْ
يُـكـثـرْنَ مـن غـمـزٍ وإيـمـاءِ
30
يَعجبنَ من فعل الشرابِ بهم
ويَــلذْنَ مــن سـأمٍ بـإغـفـاءِ
31
وتــلفـتـوا لمـا بـدا شَـبَـحُ
فــنــانـةٌ دَلَفَـتْ مـن البـابِ
32
ســمــراءُ بـالأزهـار تـتَّشـحُ
ألقــتْ غُـلالتـهـا بـإعـجـابِ
33
ومـشـت تُراقصهم فما لمحوا
إلَّا خُـــطـــى روحٍ وأعــصــابِ
34
وسـرى بـسـرِّ رحـيـقـهِ القدَحُ
في صوتِ شاجي اللحنِ مِطرابِ
35
وشـدا بـجـوِّ الحـانةِ الفرَحُ
لإلهـــةٍ فـــرَّتْ مــن الغــابِ
36
هــي رقــصــةٌ وكـأنـهـا حُـلُمُ
وإذا بــفـيـنـوس تـمـدُّ يـدا
37
الكـأسُ فـيـهـا وهـي تـضطرمُ
قــلبٌ يـهـزُّ نـداؤه الأبـدا
38
زنـجـيـةٌ فـي الفـنِّ تـحـتـكمُ
قـد ضـاع فنُّ الخالدين سُدى
39
فـأجـابـت السـمـراءُ تـبتسمُ
الفـنُّ روحـاً كـان أم جـسدا
40
يـا أيـهـا الشـعراءُ ويحَكُمُ
الليـلُ ولَّى والنـهـارُ بـدا
تعليقات القراء 0