يا رَبّةَ البيْتِ المُمَنَّعِ جارُهُ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب
1
يــا رَبّــةَ البـيْـتِ المُـمَـنَّعـِ جـارُهُ
ورَبــيّــةَ الشّــرَفِ العَــليِّ مَــنــارُهُ
2
مــا بــالُ قــلْبِــكَ لا يـرِقُّ لِهـائِمٍ
أمّـــا لِقَـــلبــي لا يَــقَــرُّ قَــرارُهُ
3
بـاعَـدْتِ بـيْـنِ جُـفـونِ صـبِّكـَ والكَرى
حـــتّـــى تَـــســـاوَى ليْــلُهُ ونَهــارُهُ
4
وحَــمَـيْـتِ طـيْـرَ النّـوْمِ وِرْدَ شـؤونِهِ
فـالنّـومُ لا يـرِدُ الجُـفـونَ غِـرارُهُ
5
إنْ كُـنْـتَ تُـنْـكِرُ ما بقَلْبي منْ جَوىً
يــلْتــاحُ فــي طــيِّ الضَّلــوعِ أوارُهُ
6
فـاسْـتَشهِدي الدّمْعَ السَّفوحَ بوَجْنَتي
واسْـتَـخْـبِـري الطّيْفَ النّزوحَ قَرارُهُ
7
وحَـذارِ مـنْ شَـرَرِ الحَـشا أنْ تَسْألي
فــإذا قــدَحْـتِ الزّنْـدَ طـارَ شَـرارُهُ
8
تـعِـسَ العَـذولُ أمَـا دَرى أنّ الهَوى
خَـــفـــيَــتْ عــلى أرْبــابِهِ أسْــرارُهُ
9
إنْ كــانَ أبْــطَــرَهُ السُّلـُوُّ فـإنّـمـا
سُــلْوانُ مِــثْــلي فـي هَـواكِ تَـبـارُهُ
10
مــا للسُّلــُوِّ وللمَــشــوقِ أيَـنْـثَـنـي
مَــــنْ قَــــلْبُهُ بِــــغَـــرامِهِ زَخّـــارُهُ
11
يـا كَـعْـبَـةَ الحُـسْـنِ الذي قَلْبي لهُ
مـرْمـى الجِـمـارِ وأضْـلُعـي أسْـتـارُهُ
12
مُــنّــي بــأيْــسَـرِ نـائِلٍ تُـحْـيـي بـهِ
قـلْبـاً تـقـسَّمـَ فـي الهَـوى أعْـشارُهُ
13
قـالتْ وقـد حـذِرَتْ حِـبـالَ مَـطـامِـعي
لا يُــنْـكَـرَنّ عـلى الغَـزالِ نِـفـارُهُ
14
لا تُــخْــدَعَــنّ فــإنّــنــي إنْــســيّــةٌ
والحُــسْــنُ يــلعَـبُ بـالنُّهـى غَـرّارُهُ
15
أوَ ما تَرى الملِكَ ابْنَ نصْرٍ يوسُفاً
أسَــداً وأنْــصــارُ النّــبــيِّ نِـجـارُهُ
16
مـلِكٌ إذا دَهَـمَ الرّدى تـرَكَ العِـدى
جَــزَراً تُــجَــرَّرُ بــالفَــلا أكْـسـارُهُ
17
نـصَـرَ الجـزيـرَةَ حـيـثُ لا مُـسْـتَصْرِخٌ
والبــأسُ دامــيـةُ الشَّبـا أظْـفـارُهُ
18
وكــفَــتْ شَـديـدَ حُـروبِهـا وجُـدوبِهـا
كــفّــا الجَــلالِ يَــمـيـنُهُ ويَـسـارُهُ
19
حـتّـى إذا لقِـحَـتْ حُـروبُ الجَـدْبِ عنْ
أزْلٍ وغـــالَ جَـــنـــابَهـــا إضْــرارُهُ
20
فــبِــكُــلِّ أفْــقٍ رائِدٌ لا يــلْتَــقــي
لَفَــظَــتْهُ عــنْ ســاحــاتِهـا أغْـوارُهُ
21
والضّـرْعُ أصْـبَـحَ مـنْهُ بـعْـدَ حُـفـولِهِ
جـــفّـــتْ غَــضــارَتُهُ وغــاضَ سَــحــارُهُ
22
عــادَتْ بــمُــصْــفَـرِّ القَـتـادِ لِقـاحُهُ
واسْـتَـرْفَـدَتْ عُـشْـرَ الفَـلاةِ عِـشـارُهُ
23
والقـــوتُ قُـــلِّصَ للنّــفــادِ ظِــلالُهُ
والأزْلُ قـدْ شـمَـلَ النّـفـوسَ حِـصارُهُ
24
والمُــرْجِــفــونَ يــلبِّدونَ عَــجــاجــةً
رَجْــمــاً بــغــيْــثٍ أُخْـفِـيَـتْ أقْـدارُهُ
25
حــتّــى إذا قــالوا تــســعَّرَ ثـاقِـبٌ
عــمَّ السّـمـاءَ بـلَفْـحِهِ اسْـتِـسْـعـارُهُ
26
أذْكــى شُـعـاعَ الشّـمْـسِ نـارُ قِـرانِهِ
وهُــــــوَ الذي رُصِــــــدَتْ لهُ أدْوارُهُ
27
واحْــتَــلّ بــيْـتَ اللّيْـثِ فـي آثـارِهِ
زُحَــلٌ وليْــثُ الغــابِ يُــرْهَــبُ زارُهُ
28
والعِـــلْمُ عِـــلْمُ اللهِ جــلّ جَــلالُهُ
والعَــبْــدُ إدْراكُ القُـصـورِ قُـصـارُهُ
29
وإذا الفَـتـى خـفِـيَـتْ عـليْهِ مسالِكٌ
مــنْهُ فــكــيْــفَ لغَــيْــرِهِ إبْــصــارُهُ
30
بَـيْـنـا النّـجومُ تَشُبُّها ريحُ الصَّبا
واللّيـلُ يـنـهَـبُ بـالنّـسـيـمِ صِوارُهُ
31
والصُّبــْحُ قِــطْــعٌ فـي فِـجـاجِ شُـروقِهِ
والأرضُ قُــطْــرٌ أُحْــمِــيَــتْ أقْـطـارُهُ
32
إذْ أقْـبـلَتْ سُـحُـبُ الغَـمـامِ حَوافِلاً
فـحَـثـا يُـجَـلْجِـلُ في الثّرى مِدْرارُهُ
33
وأنــارَ شــيْـبَ البَـرْقِ عـارضُ عـارِضٍ
تُــحْــدى بــأصْـواتِ الرّعـودِ قِـطـارُهُ
34
فــغــزَتْ عـدوَّ المَـحْـلِ فـي أحْـجـارِهِ
حــتّــى إذا طُــفِــيَــتْ بـهِـنّ جِـمـارُهُ
35
أخـــذَتْ عـــليْهِ شِــعــابَهُ ونِــقــابَهُ
جَــونُ الغَــمــامِ فــعُــفّــيـتْ آثـارُهُ
36
فـاهْـتـزّ نـبْـتُ الأرضِ بـعْـدَ سُـكونِهِ
نــشّــاً وفُــكَّ مــنَ الرُّغــامِ إســارُهُ
37
واسْـتـأنَـفَ الرّوْضُ اقْـتِـبـالَ شَبابِهِ
فــأطَـلّ مـنْ بـعْـدِ المَـشـيـبِ عِـذارُهُ
38
وتــســرْبَــلَ الرَّيْــحـانُ حُـلّة سُـنْـدُسٍ
رقَــمــتْ جَــنــوبَ جُـيـوبِهـا أزْهـارُهُ
39
وتـــتـــوّجَــتْ زَهْــراً مَــفــارِقُ دوْحِهِ
وتـــدرّجَـــتْ فــي حُــجْــرِهِ أبْــكــارُهُ
40
لوْلا مَـــقـــامٌ للضّــراعَــةِ قُــمْــتَهُ
فـمَـحـا خـطِـيّـاتِ الوَرى اسْـتِـغْفارُهُ
41
مـا كـانَ هـذا الخَـطْـبُ مـمّا ينْقَضي
ولَلَجّ فــــي آفـــاقِهـــا إعْـــصـــارُهُ
42
يــا أيُّهـا المـلِكُ المُـرَجّـى والذي
شــهِــدَتْ بــتَــقْــوى ربِّهــِ أخْــبــارُهُ
43
كــمْ مــوْقِــفٍ لك والقُــلوبُ خَـوافِـقٌ
يــهْــفـو بـأجْـرامِ الجِـبـالِ وَقـارُهُ
44
فــي جَــحْــفَــل لجــبٍ تــلاطَـمَ مـوْجُهُ
وطَــمــا بــأثْــبــاجِ الظُّبـا زَخّـارُهُ
45
شُـغِـفَتْ به بيضُ الصّوارم في الطُّلا
ووَفَـــتْ بـــأوْكــارِ الرّدى أوْتــارُهُ
46
أطْـلَعْـتَ مـنْ شُهْـبِ الرِّمـاحِ ثَـواقِباً
فــي مــأزِقٍ أخْــفــى ذُكــاءَ غُـبـارُهُ
47
هـيْهـاتَ يـجْـحَـدُ فـضْـلَ مـجْـدِكَ جـاحِدٌ
إنّ العُـــلا عـــلَمٌ وفــخْــرُكَ نــارُهُ
48
وأدَرْتَ أفْـــلاكَ السِّيـــاسَــةِ فــوقَهُ
فـافْـتَـرّ فـي لَيْـلِ الخُـطـوبِ نـهارُهُ
49
إنْ أصْـبَـحَـتْ أرْضُ الخِـلافَـةِ مـعْدِنا
فــالنّــاسُ تُــرْبَــتُهُ وأنْــتَ نُـضـارُهُ
50
لا غَـرْوَ أنْ طـلَعَـتْ فَـعـالُكَ أنْـجُماً
إنّ الهُـــدى فـــلَكٌ عــليْــكَ مَــدارُهُ
51
حـــلّيْـــتَهُ وحَــمَــيْــتَ مــنْ أرْجــائِهِ
فـــلأنْـــتَ حـــقّـــاً ســورُهُ وسِــوارُهُ
52
أبـنـي عُـبـادَةَ إنّ فـخْـرَ قـديـمـكُـمْ
تُــلِيَــتْ بـفُـرْقـانِ الهُـدى أسْـطـارُهُ
53
النّـــصْـــرُ لفْـــظٌ أنْـــتُــمُ مــدْلولُهُ
والدِّيــــنُ روْضٌ أنْــــتــــمُ نَــــوّارُهُ
54
والحــلم لحــظ أنــتــم أجــفــانــه
والعـــلم قـــلب أنـــتـــم أنــواره
55
نــصْــرُ النّــبُــوّةِ فـيـكُـمْ مُـسْـتَـوْدَعٌ
فــهــوَ النّــسـيـمُ وأنْـتُـمُ أسْـحـارُهُ
56
القــوْمُ ظِــلُّ اللهِ بــيْــنَ عِــبــادِهِ
حــاطَ اليَـقـيـنُ بـهِـمْ فـعَـزَّ ذِمـارُهُ
57
آوَى لظِــلّهِــم الهُــدى ولَقَــبْــلُمــا
أرْدى الضّــلالَ بــعــزِّهِـمْ مُـخْـتـارُه
58
مَــنْ كــان أنْــصـارُ النّـبـيِّ جُـدودَهُ
فــمَـلائِكُ السّـبْـعِ العُـلا أنْـصـارُهُ
59
للّهِ فــي إنْــجــازِ نــصْــرِكَ مــوْعِــدٌ
قـــد آنَ مـــنْ إصْــبــاحِهِ إسْــفــارُهُ
60
دجَـتِ الخُـطـوبُ فـكُـنْـتَ نورَ ظَلامِها
خـفِـيَ الرّشـادُ فـكُـنْـتَ أنْـتَ مَـنارُهُ
61
فــجَـوارِحُ الإسْـلامِ أنْـتَ حَـيـاتُهـا
حــقّــاً وصــدْرُ الدّيــن أنـتَ صِـدارُهُ
62
فاهْزُزْ ظُبى النّصْرِ العَزيزِ فإنّ مَنْ
عــاداكَ مَــطـلولُ النّـجـيـعِ جُـبـارُهُ
63
قـد عـادَ ذو الإقْـدامِ مـنْكَ بسِلْمِهِ
ذُعْـــراً وأذْعَـــنَ رَهْـــبَـــةً جَــبّــارُهُ
64
ذخَــرَتْــكَ أحْــكــامُ الإلاهِ لنَـصْـرِهِ
ونـمَـتْـكَ مـنْ هَـذا الأنـامِ خِـيـارُهُ
65
فـارْفَـعْ شِعارَ الحَقِّ في علَمِ الهُدى
حــتّــى يَـقِـرَّ عـلى النّـجـومِ قَـرارُهُ
66
وانْـعَـمْ بـمُـقْـتَـبـلِ السُّعـودِ فإنّما
يـجْـري القـضـاءُ بـكـلِّ مـا تـخْتارُهُ
67
فـي مِـصْـرَ قـلْبـي مـنْ خَـزائِنِ يـوسُفٍ
حُــبٌّ وعــيــرُ مَــدائِحــي تــمْــتــارُهُ
68
حــلّيْــتُ شِــعْــري بــاسْــمِهِ فــكــأنّهُ
فـــي كـــلِّ قُـــطْـــرٍ حَــلَّه دِيــنــارُهُ
تعليقات القراء 0