أصبحت أعذل نوّاباً وأعيانا
للشاعر معروف الرصافي
1
أصــبــحــت أعــذل نــوّابـاً وأعـيـانـا
عــذلاً كــنــارٍ تـلظّـت فـي شـراغـانـا
2
قـصـر أطـلّ عـلى البـسـفـور مـرتـفـعاً
إليـه يـشـخـص طـرف العـقـل حـيـرانـا
3
ذو زخـرف يـبـهـج العـيـن التي نظرت
حــتــى تــراه لهــا نـوراً وإنـسـانـا
4
راقــت مـبـانـيـه اتـقـانـاً وهـنـدسـةً
مـسـتـوقـفـاً صـنـعـهـا مـن مرّ عجلانا
5
كــل القــصــور عــبـيـد وهـو سـيّـدهـا
إذ كـان أكـرمـهـا صـنـعـاً وبـنـيـانا
6
يـمـشـي المـهـنـدس فـيـه وهـو يـنظره
مـشـي المـقـيّـد يـسـتـقـصـيـه امـعانا
7
يــضــمّ كــفّــيـه للإبـطَـيـن مـنـبـهـراً
مـقـلّبـاً فـي الأعـالي مـنـه أجـفانا
8
عـرش بـه تـعـرف النـاس الجـلالة إذ
لاح الجــمـال عـلى مـبـنـاه ألوانـا
9
لو كـان عـرشـاً لبـلقـيـس لمـا خـضعت
للأمـر حـيـن أتـاهـا مـن سـليـمـانـا
10
فــيـه الحـوادث أمـسـت وهـي نـاطـقـة
بــألسٍ دلعــتــهــا فــيــه نــيــرانــا
11
فــلو رأيــت وقــد شــبّ الحــريـق بـه
والريــح دلعــتــهــا فــيـه نـيـرانـا
12
فــلو رأيــت وقــد شــبّ الحــريـق بـه
والريــح تــصــفـق للنـيـران أردانـا
13
رأيــت مـلكـاً كـبـيـراً ثـمّ مـحـتـرقـاً
يـديـب مـنـه لهـيـب النـار عـقـيـانا
14
طــالت بــه ألســن للنــار تــلحــســه
لحـسـاً يـدكّ قـوى البـنـيـان إيـهانا
15
يـا درة فـي ضـفـاف البـحـر ضـيّـعـهـا
قـوم وكـان بـهـا البـسـفـور مـزدانا
16
كـم قـد أضـاءت بـوجـه البـحر مشرقة
ورصّــعـت مـن رءوس الهـضـب تـيـجـانـا
17
يـا أيـهـا القـصر مذ أمسيت محترقاً
أبـكـيـت فـي البحر أسماكاً وحيتانا
18
لم يـبـق مـنـك لهـيـب النـار بـاقية
ولا لدي القـوم أبـقـى عـنك سلوانا
19
مــعــاول مــن شــواط النــار هـادمـةٌ
يــا للعــجــائب كـالأطـواد جـدرانـا
20
قــمــنــا أمــامـك والنـيـران صـائلة
تــدكّ مــنــك عـلى الأركـان أركـانـا
21
كــم هـدة لك بـيـن النـار تُـفـزِعـنـا
حــتـى نـخـالك مـنـهـا صـرت بـركـانـا
22
يــهــتــزّ فــيـك لهـيـب حـيـن نُـبـصـره
نــهــتـزّ بـالحـزن أرواحـاً وأبـدانـا
23
فــأنــت تــمــلأ صــدر الجــوّ أدخـنـةً
ونــحــن نــمـلأ صـدر الأرض أحـزانـا
24
مـا أشـرف القـوم لو كـانت مدامعهم
مـطـافـئاً لك تـجـري الدمـع غـدرانـا
25
ويــل لمــرتــئسٍ قــد قــام مـجـتـهـداً
يــســعــى بــجــعـلك للنـواب ديـوانـا
26
حــتــى إذا كـنـت للنـواب مـجـتـمَـعـاً
بـانـت عـواقـب ذاك السـعـي خـسـرانا
27
للنــار فــيــك حـسـيـس كـنـت أحـسـبـه
صـحـكـاً عـلى مَن بسوء الرأي أبكانا
28
أشـكـو إلى الله قـلبـاً لا يطاوعني
أن لا أكـون عـلى الأوطـان غـيرانا
29
يــا قــوم أن بـصـدر الشـعـر مـوجـدةً
لا يـسـتـطـيـع لهـا سـتـراً وكـتـمانا
30
مـا بـال نـوابـنـا أمـسـوا نـوائبنا
إذ لا يــبـالون مـكـروهـاً تـغـشّـانـا
31
أمـا كـفـى أنـهـم لم يـعـمـلوا عملاً
حـتـى أرادوا اجـتـماعاً في شراغانا
32
هـم يـطـلُبـون قـصـوراً يـنـعـمـون بها
ونــحــن نــطــلب للأوطــان عــمـرانـا
33
ليـس الجـلوس بـبـهـو القـصـر مـفخرةً
لمـن هـم اليوم أشقى الناس أوطانا
34
قـد ضـيّـعـوا الحزم حتى أنهم ندموا
عـلى الذي كـان مـنـهم بعد ما كانا
35
يـعـيـش ذو الحـزم مـسـروراً ومغتبطاً
وتــارك الحــزم لا يـنـفـكّ نـدمـانـا
36
وأحــزم النـاس مـن أن نـام بـات له
طــرف عـلى حـدثـان الدهـر يـقـظـانـا
37
أيـن الطـريـق إلى العـلياء نسلُكها
فـإنـنـا لم نـزل يـا قـوم عـمـيـانـا
38
لا الشـعـب يخلع أثواب الخمول ولا
نــوّابــه يـلبـسـون الصـدق قـمـصـانـا
39
النـاس تـسـعـى لديـنـا نـحـن نهملها
ما أسعد الناس في الدنيا وأشقانا
تعليقات القراء 0