أمّا الغزالُ الذي أَهوَى فقد هَجَرا
للشاعر ناصح الدين الأرجاني
1
أمّـا الغـزالُ الذي أَهـوَى فـقد هَجَرا
أنْ عـادَ رَوضُ شـبـابـي مُـبـدِيـاً زَهَـرا
2
فــهــل سَـمـعْـتُـمْ بـظَـبْـيٍ فـي مَـراتـعِه
إذا رأَى زَهَـــراً فـــي رَوضــةٍ نَــفَــرا
3
قـد كـنـتُ سـارِقَ عـيـشٍ غـيـرَ مُـفـتَـكِـرٍ
مـن تـحـت ليـلِ شـبـابٍ كـان مُـعـتَـكِرا
4
فــالآن أقـمَـرَ ذاك اللّيـلُ مـن كِـبَـرٍ
فَــعُــدْتُ عــن سَــرَقِ اللّذّاتِ مُــنـزَجِـرا
5
عُـــلُوُّ سِـــنٍّ ضــحــا رأســي له عَــجــلاً
والظِـلُّ مـهـمـا تـعـالَتْ شـمـسٌ انحَسَرا
6
نَـــضـــا رِداء ســـوادٍ كـــنــتُ لابِــسَه
فــانــظُــرْ بـأيِّ شـعـارٍ فُـجِّعـَ الشُّعـَرا
7
وشِـبْـتُ فـاحـتـجـبـتْ عـنّي الحسانُ قِلىً
وكــان مــنـهـنّ طَـرْفـي يَـجْـتـلي صُـوَرا
8
إذا بــيــاضٌ أفـاتَ المـرءَ رُؤيـةَ مَـنْ
يَهــوَى فـسِـيّـانِ شَـعْـراً حَـلَّ أو بَـصَـرا
9
عَــصْــرٌ أُجِــدُّ بــتَــذْكــاري له طَــرَبــاً
حـــتّـــى أُقــطِّعــُ أيــامــي بــه ذِكَــرا
10
يــا قــاتَـلَ اللهُ بـدراً لسـتُ أَذكـرُه
إلاّ تَـرقـرقَ دَمـعُ العَـيـنِ فـابـتَـدَرا
11
إلْفٌ أقــولُ قــيــاســاً عــنــد رُؤيــتِه
إذا بــدا وإذا مــا زار طــيـفُ كَـرى
12
مُــقــنَّعــٌ فــي جُــفــونـي كـلّمـا رقَـدَتْ
أم يُــوشَــعٌ فــي يــدَيْهِ كـلّمـا سَـفَـرا
13
بَــدْرٌ سِــدادُ طــريــقِ الدَمــعِ مَـطـلِعُه
فـي نـاظـري فـمـتـى ما غابَ عنه جَرى
14
لِثـــامُه مـــثْــلُ غَــيْــمٍ حَــشْــوه بَــرَدٌ
يَــشِــفُّ مــن بُــعُــدٍ عــنــه ومـا حُـدِرا
15
كـأنّـمـا سَـكِـرَ العَـيـنـانِ مـنـه بـمـا
تــقـولُ فـي فـيـهِ مـن أصـداغِه عُـصِـرا
16
تَـــمَّتـــْ مـــحـــاسِـــنُه إلاّ قَـــســاوتَه
عــلى الأنــام وإلاّ قَــتْــلَهـمْ هَـدَرا
17
كـــأنّه صـــنَـــمٌ أهـــدَى الحــيــاةَ له
رَبُّ العــبــادِ وأبــقَــى قــلبَه حَـجَـرا
18
لَيــلي وعَــيــنــيَ لا أدري لفُــرقــتِه
أجُــنــحُه طـالَ لي أم جَـفـنُهـا قَـصُـرا
19
كــأن جَــفْــنــيَّ طُــولَ اللّيـلِ مـن أرَقٍ
عــلى حَـجـاجَـيَّ بـالأهـدابِ قـد سُـمِـرا
20
أو الإمـام غـداة العَـرْضِ حـيـن غَـزا
تــقــاسَـمـتْ صُـبْـحَ ليـلي خَـيـلُه غُـرَرا
21
لمّــا تَــجــلّتْ مــن الزّوراء طــالعــةً
تـحـت الفـوارسِ مَـرْحَـى تَـنْقُضُ العُذَرا
22
ســودٌ بُــنــوداً وبـيـضٌ أوجـهـاً طـلَبـتْ
عِـداً لِتَـخْـضِـبَ حُـمْـراً مـنـهُـمُ السُّمـُرا
23
تَــحُــفُّ أرْوعَ مَــيْــمــونــاً نــقــيـبـتُه
مــهـمـا أشـار بـهـا لم يَـعْـدُه أشِـرا
24
مَــلْكٌ يــقــودُ جــنــوداً مــن مـلائكـةٍ
فـي طـاعـةِ اللهِ لا يَـعصُونَ ما أَمَرا
25
وآخَـــرِيـــنَ طِـــلاعَ الأرض مـــن بُهَــمٍ
تَهُــزُ أيـمـانُهـا الهِـنـديّـةَ البُـتُـرا
26
قـومٌ إذا غَـرسُـوا بـيـن الضـلوعِ قناً
عـادتْ حَـوامِـلَ مـن هـامِ العِـدا ثَمَرا
27
لم يَـبـقَ في الأرضِ لا ظُلْمٌ ولا ظُلَمٌ
إلاّ طُــوِي بِــيَـدِ العـدلِ الّذي نُـشِـرا
28
وقــام مــســتــرشِــداً بــاللهِ أَرشَــدَه
فــمـا يـطـيـشُ له سَهـمٌ إذا افـتـكَـرا
29
فـإن دعـا كـان جُـودُ الغَـيـثِ مُـتَّصـلاً
وإن سَـخـا كـان غَـيْـثُ الجُـودِ مُنَهمِرا
30
لا يَــعـجَـبِ القـومُ إنْ أَبـدَى تَـجَـرُّدَهُ
فــإنــمّــا هــو سـيـفُ اللهِ قـد شُهِـرا
31
هم أغضبوا اللّهَ فاجتاحَ العُداةَ به
لا غَــرو حـيـن وتَـرْتَ اللّهَ إن ثَـأرا
32
لمّــا أطــالَ الطُّلــَى قــومٌ إلى فِـتَـنٍ
لم يُـمْهِـل السّـيـفُ حـتّـى قَصَّر القَصَرا
33
ضَـرْبـاً إلى الأرضِ للتـقـبـيـلِ راغمةً
تَـلقَـى الثُـغـورَ وطَعْناً يَنِظمُ الثغَرا
34
ورَشْــقــةً تَــخــطِــفُ الأرواحَ صــائبــةً
مِــمّــا تُــطــايـرُهُ نـارُ الوغَـى شَـرَرا
35
للمـارِقـيـنَ مـن الدّيـنِ الّذيـن طغَوْا
بـالمـارقاتِ من النَبْعِ الّذي انْأطَرا
36
تَــجــنَّحــوا بــســهــامٍ فــي جُــنـوبِهـمُ
لولا وَشـيـكُ الرّدى طَاروا بِها حَذَرا
37
لم يـأكـلِ النّـسْـرُ قَـتْـلاهـم مُـشاكلَةً
لمّـا عـلا شِـلْوَهـم مَـن ريـشُهُ اشتَكَرا
38
قـد أضـحـتِ الأرضُ تُـحِكي تحتهم وضَماً
مِـمّـا قـتـلْتَ فـلمَ تَـعـدَمْ بـهـمْ وضَـرا
39
فـلو غَـسـلْتَ الثَـرى مـن وَطـء أرجُلِهم
بـغـيـرِ مـاءِ الطُّلـى مـنهمْ لمَا طَهُرا
40
فـحـاطَـكَ اللهُ مَـلْكـاً ثـار مُـمـتَـعِـضاً
للدِيـنِ حـتّـى جَـلا عـن وَجْهِهَ القَـتَرا
41
لو لم تُــكَــسَّرْ رمــاحُ الخَــطِّ شـاجـرةً
إذَنْ لكــانَ لكَـسْـرِ الدّيـنِ مـا جَـبَـرا
42
نُصْحاً لكم يا ملوكَ الأرضِ فانتَصِحوا
كــفَــى بــرائعِ مــا بُــلّغــتُــمُ خَـبَـرا
43
هـو ابْـنُ مَـن بـعـجَ اللهُ الغـمامَ له
حـتّـى تَـرهْـيا فأحيا البَدْوَ والحَضَرا
44
فـحـاذِروا مَـن إذا مـا شـاء مُـنتقماً
عَـدَّ الحـديـدَ غـمـامـاً والدَّمَ المَطَرا
45
فـيـئوا إلى كُـتْـبِه واخـشَـوْا كتائبَهُ
قـد أصـحَـر اليـومَ ليـثٌ طـالما خَدَرا
46
نــافٍ غِــرارَيْهِ مـن جَـفْـنَـيـهِ ذو حَـدَبٍ
يُـواصِـلُ الضَـرْبَ دون الدِّيـنِ والسّهَرا
47
فِـــداؤكـــم آلَ عــبّــاسٍ وإنْ صَــغَــروا
مـن العـدا مَـن أسـرَّ الخُلْفَ أو جَهَرا
48
حُـكْـمٌ مـنَ الله فـي الدُّنيا لدولتِكم
ألاّ يُــغــادِرَ حَــيّــاً مَـن بـهـا غَـدَرا
49
مـا اسـتوطأ الظّهرَ مِن عَصيانِكم أحدٌ
إلاّ وقــالتْ له الأيّــامُ ســوف تَــرى
50
مـا جَـرَّد السَّيـفَ بـاغٍ حَـرْبَـكـم فـرأى
لذلكِ الســـيـــفِ إلاّ نـــفـــسَه جَــزرا
51
لقــد رأى اللّهُ مــا أَبَـدى خـليـفـتُه
ومـا أعـادَ مِـنَ العـدْلِ الذي اشتَهرا
52
خــلافــةٌ رشّــحــتْهُ السّــابــقـونَ لهـا
وِراثـةً قـد نَـفَـوا عن صَفْوِها الكَدَرا
53
ودَرَّجــــتْه إليــــهــــا أوّلونَ دَعَــــوا
للمــؤمــنــيـنَ فـذادوا عـنـهـمُ أُمَـرا
54
سَـفّـاحُهـم بَـعْـدَهُ المـنصورُ يَتْبَعُه ال
مَهـديُّ واقـتـفَـر الهـادي له الأَثـرا
55
ثُـــمّ الرّشـــيــدُ وأبــنــاءٌ له نُــجُــبٌ
ثــلاثــةٌ للهُــدَى أَعــزِزْ بـهِـم نَـفَـرا
56
أمــيــنُ مُــلْكٍ ومــأمــونٌ ومُــعــتَــصِــمٌ
وواثــقٌ وكــفَــى فَــخْــراً لِمَــنْ فَـخَـرا
57
ومَــن تَــوَّكــل فــيــمــا قــد تَــقــلَّدَه
ومَــن دَعَــوه لديــنِ اللّه مُــنْــتَـصِـرا
58
والمُــســتـعـيـنُ له المُـعـتَـزُّ مُـرتَـدفٌ
والمُهـتـدي بـالإلهِ المُـرتَـضَـى سِيَرا
59
وقــام مُــعــتَــمِــدٌ يَــتــلوهُ مُـعـتَـضِـدٌ
ومُــكْــتَــفٍ مُــعْــقِــبٌ للمُـلْكِ مُـقْـتَـدِرا
60
والقـاهـرُ العَـدْلُ والرّاضـي ومُـتّـقِياً
فـاذْكـرْ ومُـسـتَكْفياً من بَعْدِ مَنْ ذُكِرا
61
ثُـمّ المُـطـيـعُ يَـليـهِ الطّائعُ اختُتِمَتْ
عُـلْيـاهُ بالقادرِ الكافي إذِ اقتدرا
62
وقــائمٌ قــد تَــلاهُ مُــقْــتَــدٍ سَــبَـقـا
أيّــامَ مُــســتَــظْهِـرٍ بـاللّهِ قـد ظَهَـرا
63
خــلائفٌ نُــظِــمــوا فــي سِــلْكِ دَهْـرِهـمُ
ونـورُ وَجْهِـك مـنـهـم فـي المنونِ سَرى
64
فــمــا عــدا وهْــو سِــرُّ اللّهِ أَضـمَـرَه
بــيــومِ إظْهــارِه أن بَــشَّرَ البَــشَــرا
65
وَثـــــمَّ عِـــــدّةُ أمـــــلاكٍ ذَوي شَـــــرَفٍ
تَــقَــدَّمــوه وكــانــوا أنـجُـمـاً زُهُـرا
66
عِــشـرونَ يَـتْـبَـعُهـا مـنـهـم ثـمـانـيـةٌ
كـانـوا المنازلَ والمسترشدُ القَمَرا
67
إنِ اســـتَـــسَــرَّ وراءَ الحُــجْــبِ آوِنــةً
فـقـد شـفَـى العـيـنَ إهْـلالٌ له بَـدَرا
68
فـارقَـبْ نَـمـاءَ مـنَ الإقـبـالِ مُـتَّصِلاً
ودوْلةً ســوف تُــفْــنــي دَهْـرَهـا عُـمُـرا
69
يـا بـحـرَ عـلمٍ نَـمـاهُ الحَـبْـرُ والدُه
مَـجْـداً ويـا بَـدْرَ تِـمّ يَـمـطُـرُ الدُّررا
70
أنــعِــمْ عــليَّ بــخَــطٍّ مــا حَـظِـيـتُ بـه
وكــم مَـددْتُ إليـه العـيـنَ مُـنـتَـظِـرا
71
شــمـسُ الهـدى طـلعَـتْ للخَـلْقِ مُـشـرِقـةً
ومــا رُزِقْــتُ إلى أنــوارِهــا نَــظَــرا
72
والبـيـتُ من دونِه الأستارُ قد رُفِعَتْ
ولم أكـنْ أنـا فـيـمـنْ حَـجَّ واعـتَـمرا
73
فــمــا أرى أنّـنـي أهـدَيْـتُ مُـمـتـدِحـاً
شِــعْــرِي ولكــنّــنـي أهـدَيْـتُ مُـعـتَـذِرا
74
وقَــلَّ سُــؤْراً لكــم مــنّــا قــصـائدُنـا
حِــيــاضُ مَــدْحِــكُــمُ قَـدْ أُتـرِعَـتْ سُـؤَرا
75
كـــلٌّ مـــن البــحــرِ مُــمــتــارٌ لدرّتِه
ولي إلى البـحـرِ راوٍ يَـحـمِلُ الدُّررا
76
وواعـدي بـالغـنـى فَـقْـرِي إليـك وقـد
نـالَ الغـنى مَن إلى إنعامِك افتقَرا
77
خــليــفــةَ اللهِ جَـلَّلْتَ الورى نِـعَـمـاً
ألا فــلا لَقِــيَــتْ أيّــامُــك الغِـيَـرا
78
هَـبْ للثَّرى نـظْـرةً تَـرمـي بـهـا لتَـرَى
هـامَ الرُّبـا بـرِداء النَّورِ مُـعـتَـجِرا
79
قـد زَيَّنـَ الأرضَ شُـكـراً أنْ بَقيتَ لها
والوعْـدُ أنْ سـيـزيـد اللهُ مَـن شَـكَرا
80
لمّــا تــبــاشَــر إصـبـاحـاً شـقـائقُهـا
بــأنْ نُــصِـرتَ وكـانـتْ قُـمْـصُهـا حُـمُـرا
81
رَدَّتْ عـلى الأرؤسِ الأذيـالَ مـن طَـرَبٍ
لخَــلْعِهــنّ عــلى مَــن بَــلّغَ الخَــبَــرا
82
لقـد بَـلغْـتَ أمـيـرَ المـؤمـنـيـن مَـدىً
عـنـه السُّهـا قـاصِـرٌ لو كُـنتَ مُقتصِرا
83
مَـن فَـرّ مـنـك يَـجـوبُ الأرضَ مُـنـهزماً
يَـــزدادُ وِزْراً ولكـــنْ لا يَــرى وَزَرا
84
في الشّرقِ والغَربِ لا يُفْضي إلى سَعَةٍ
ذو الذَّنْـبِ إلاّ إذا مـا كنتَ مُغتَفِرا
85
ألا فَـنَـوْرِزْ مُـطـاعَ الأمـرِ مُـبـتـهِجاً
مُـقـسِّمـاً فـي الأنامِ النّفْعَ والضّرَرا
86
ودُمْ لنــا ووَلِيِّ العَهْــدِ مُــحــتــفِـظـاً
مــنــه بــأنــفَــسِ ذُخْــرٍ للورَى ذُخِــرا
87
فــي دولةٍ مــن صُــروفِ الدَّهْــرِ آمـنـةٍ
وعــيــشــةٍ لا تَـرَى عـن وِرْدِهـا صَـدَرا
تعليقات القراء 0