هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

بنور تجلى وجه قدسك دهشتي

للشاعر أبو حامد الغزالي

1
بــنــور تــجــلى وجــه قــدســك دهــشـتـي
وفــيــك عــلى أن لا خـفـا بـك حـيـرتـي
2
فــيــا أقــرب الأشـيـاء مـن كـل نـظـرة
لأبـــعـــد شــيــء أنــت عــن كــل رؤيــة
3
ظـــهـــرت فــلمــا أن بــهــرت تــجــليــا
بــطــنــت بــطـونـاً كـاد يـقـضـي بـردتـي
4
فـأوقـعـت بـيـن العـقـل والحـس عـنـدما
خــفــيــت خــلافــا لا يــزول بــصــلحــه
5
إذا مــا أدعــى عــقــل وجـودك مـنـكـراً
عـلى الحـس مـا يـنـفـيـه قـال له أثبت
6
فــمــن هــا هــنـا مـنـشـأ الخـلاف ويـص
عـب الوفـاق بـخـلف في اقتضاء الجبلة
7
فــإنــت قـلت لم أبـصـرك فـي كـل صـورة
أراهــا أحــالت ذاك عــيــن بــصــيـرتـي
8
وإن قـــلت أنـــي مــبــصــر لك أنــكــرت
مــقــالي ولم تــشــهــد بــذلك مــقـلتـي
9
تــجــليــت مــنــي فــي حــتــى ظـهـرت لي
خـــفـــيــت خــفــاء دق عــن كــل فــكــرة
10
عـــلى أنـــه لم يـــبـــق لي جــبــل رأى
تــــجـــليـــك لي ألا ودك بـــصـــعـــقـــة
11
ونـاجـيـتـنـي فـي السـر مـنـي فـأصـبـحت
وقـــد طـــويــت عــمــا ســواك طــويــتــي
12
فــمــا فـي فـضـل عـنـك يـخـطـر فـيـه لي
ســواك فــوقــتــي فــيــك غــيــر مــوقــت
13
وديـــعـــة روح القــدس نــفــســك ردهــا
فــمــن واجــبــات العـقـل رد الوديـعـة
14
ومــا ردهــا إلا بــتــكــمــيـلهـا بـمـا
يــليــق بــهــا مــن كــســب كـل فـضـيـلة
15
فــمــهــمــا تــجــلت مــن كـدورات عـالم
الطــبــيــعــة شــفــت جــوهــراً وتــجــلت
16
نــصــحــتـك جـهـدي أن قـبـلت فـلا تـكـن
عــلى حــكــم غــشــى حــامــلاً لنـصـيـحـة
17
وعـــابـــة مـــقـــدوري فــقــلت وإنــمــا
قــبــولك مـمـا ليـس فـي وسـعـد قـدرتـي
18
وهــل مــمـكـن إسـعـاد مـن كـل قـد جـرى
له قــلم فــي اللوح يــومــاً بــشــقــوة
19
يــظــن الفــتــى لذات دنــيــاه نــعـمـة
ومــا هــي إلا نــقــمـة فـي الحـقـيـقـة
20
ويــبــلغ مـنـه الجـهـل مـا ليـس يـبـلغ
العــدو بـحـد السـيـف عـنـد الحـضـيـضـة
21
ونــفــسـك فـاحـفـظـهـا وصـنـهـا فـإنـمـا
ســعــادتــهــا فــي فــعــل كــل مــشــقــة
22
وخــالف هــواهــا مــا اسـتـطـعـت فـأنـه
عــدو لهــا يــبــغــي لهــا كــل نــكـبـة
23
لعــمــري لقــد أنــذرت إنــذار مــشـفـق
وجــاوزت فــي الإيــضــاح حــد الوصـيـة
24
فـقـم واسع وانهض واجتهد وابغ مطلقاً
بــداك عــلى مــا فــيــك شــر صــنــيـعـة
25
فــإنــك مــن نــور مــضــيــء وكــظــلمــة
بــمــا فــيـك مـن جـسـم ونـفـس نـفـيـسـة
26
تــســوس الحـيـاة الجـسـم وهـي مـسـوسـة
بــمــا فــيــك مـن أسـرار عـلم مـصـونـة
27
فــشــيــطــان رجــم أنــت أو مــلك بـمـا
تــعــانــيــه مــن فــعــل قــبـيـح وعـفـة
28
ألا أن لي بــالنــفــس مــنــي شــاغــلاً
بـــه تـــم لي مــا دمــع مــن مــلكــيــة
29
جــلت شــبــهــة الأعـراض عـنـي بـديـهـة
تــوقــد كــالمــصــبــاح فــي جـوهـريـتـي
30
رأيــت بــهــا النــور الإلهــي لائحــاً
وراء ســــتــــور للأمــــور دقــــيـــقـــة
31
فــحــقـقـت مـا قـد كـنـت فـيـه مـشـكـكـاً
وعــايـنـت مـا قـد كـان فـي سـر خـفـيـة
32
وأدركـت مـا المـقـصـود مـن بدأتي وما
المــراد بــإحــيـائي ومـوتـي ورجـعـتـي
33
بـــمـــرآة نـــفـــس لاح فــي صــقــالهــا
المــقــابــل للكــونــيــن كــل حـقـيـقـة
34
ولم يـبـق عـنـدي ريبة في الذي استرا
ب مـــنـــه أنــاس فــي أمــور كــثــيــرة
35
فـألقـت عـصـاهـا النـفـس مـنـي وأيـقنت
بــأن ســفــرت عـن وجـه نـجـعـي سـفـرتـي
36
يــدل عــلى مــا قــلتــه حــالة الكــرى
إذا ركـــد الإحـــســاس مــنــك بــرقــدةٍ
37
فــمــا شــفــيــت نــفـس أطـاعـتـه رهـبـة
ومــا ســعــدت نــفــس عــصــتــه لرغــبــة
38
ولكـــن بـــنـــور العـــلم تــســلم هــذه
وتــعــطــب جــهــلاً تــيـك أقـبـح عـطـبـه
39
فــيــا عــجــبــاً مــمــن يــروم لنــفـسـه
خــلاصــاً ولم يــرغـب بـهـا عـن جـريـرة
40
ومــــن تــــائب مــــن ذلة لا تــــرى له
دمــوع كــأفــواه الغــمــام المــكــبــة
41
ومــن مــخــبــر لا يــعــجـز اللَه قـدره
عــليــه ولا يــخــشــى بــوادر نــقــمــة
42
ومـــن أشـــرقــت أنــوار مــرآة عــقــله
عــلى ظــلمــات الطــبــع مــنــه تــجــلت
43
وثـبـت غـرس العـقـل فـي القـلب مـثمراً
لبـاغـي الحـيـا اسـتـقـبـاح كـل رذيـلة
44
ومــا وصــلت نــفــس إلى عــالم الصـفـا
بــمــا دون تــحـصـيـل العـلوم الجـليـة
45
وتــمــيــيــزهــا عــن نـوعـهـا بـمـعـارف
يـــروجـــهـــا فـــي عـــالم البـــشــريــة
46
وقـــد يـــمـــلأ الأنـــاء فـــيـــمــتــلئ
بــه المــاء حــتــى لا مــزيــد لقـطـرة
47
فــأخــرجــتــنــي عــنـي بـإدخـال مـحـنـة
وأوحــشــتــنــي مــنــي بــأنــس مــحــبــة
48
وأســقــيــتــنــي مــن خـمـر حـبـك شـربـة
خــمــاري بـهـا بـاق إلى يـوم بـعـثـتـي
49
مــحـانـي بـهـا سـكـري واثـبـتـنـي مـعـاً
فــأعــجــب شــيــء أن مــا حــي مـثـبـتـي
50
وأقــربــتــنــي مـن رمـز طـرسـي أسـطـراً
فــتــمـت بـهـا تـفـصـيـل عـقـدك جـمـلتـي
51
وأقـــررتـــنـــي مـــنــي عــلى بــأنــنــي
صــحــيــفــة ســر طــيــهـا فـيـه نـشـرتـي
52
وأفــشــيــت بــي ســري إلي فــأصــبــحــت
وقـد أعـربـت إذ أفـصـحـت عـنـه عـجـمتي
53
وأفــهــمـتـنـي مـنـي بـأن ليـس مـوطـنـي
مــكــانـاً بـه فـي عـالم الحـس نـشـأتـي
54
فــأبــهــت مــا أفــهـمـت إذ ليـس مـدرك
لذلك إلا مـــن خـــصـــصـــت بـــحـــكــمــة
55
ومــن ذا الذي خــصــصــت مـنـك بـحـكـمـة
ولم تــك قــد عــمــمــت مــنــك بــرحـمـة
56
فــكـم أظـهـرت تـلك الإشـارات خـافـيـا
وإن عـــزبـــت عـــن فـــهــم قــومٍ ودقــت
57
ومــا لاح ذاك البــرق إلا ليــهــتــدي
بــه الركـب لكـن ظـلمـة الجـهـل أعـمـت
58
لقــد ســمــع الواعــي وقــل الذي وعــى
لســـكـــرٍ بــه أهــوى أصــمــت فــأصــمــت
59
وكـــم لك داع مـــنـــك فـــيــك مــبــصــر
لعـــقـــلك لكــن لســت تــصــغــي لدعــوة
60
وكــل مــريــض الجــســم يــمــكــن بــرؤه
ويــعــجــز أن يـشـفـى مـريـض البـديـهـة
61
ويــســتــبــعـد الجـهـال كـونـاً بـمـوطـن
إذ كــان لا فــي جــنــب مـنـبـت شـعـبـة
62
ولو عــلمـوا مـا عـالم العـقـل مـنـهـم
وأنـــهـــم بـــالحـــس فـــي دار غـــربــة
63
إذا ولد المـــولود ســـروا بـــفـــرحــة
ومــن حــقــه أن يــبــدلوهــا بــتــرحــة
64
ويــبــكــونــه عــنــد المــمــات جـهـالة
ومـــن حـــقـــه أطـــهـــار كـــل مـــســـرة
65
ولم يـــعـــلمـــوا أن الولادة غـــربــة
أبـــيـــحــت له عــن خــيــر دار وأســرة
66
ومــــوتـــتـــه عـــود له نـــحـــو أهـــله
وأوطـــانـــه الأصـــليـــة المــســتــلذة
67
وأعــجــم مــن هــذا مــقــال جــمـيـعـهـم
تــرى عــابــدي الأوثــان أجــهــل أمــة
68
ومــا عـظـم الأوثـان مـن كـان قـلبـهـم
كــتــعــظــيــم أجــســام لهــم مـضـمـحـلة
69
فـكـل غـدا مـعـبـوده الجـسـم فـاسـتووا
ولكــنــهــم لم يــســتــووا عــنــد نـيـة
70
لقــد وقــعــوا مـع عـلمـهـم فـي ظـلالة
إذا اعــتــبــرت أربــت عــلى كــل ضــلة
71
فـيـا ليـت شـعـري كـيـف صـمـت عـقـولهـم
وداعـيـك فـيـهـم مـسمع من كل كل فطنة
72
وكـــل فـــعـــال لم أكـــن مـــتـــقــربــاً
إلي بـــه أعـــظــمــت فــيــه خــطــيــتــي
73
فــقــربــي بــه بــعــد وربــحــي خـسـارة
وعــــزي بــــه ذل ونــــفـــعـــي مـــضـــري
74
لأنـــي فـــيـــه قـــمـــت غـــيــر مــوجــه
لدى فــعــله وجــهــي إلى وجـه وجـهـتـي
75
فــدنــت بــأمــر حــرمــتــه شــريــعــتــي
وأحــيـيـت حـكـمـاً قـد أمـاتـتـه سـنـتـي
76
فـكـانـت بـتـركـي فـي مـنـاهـيـه غـفلتي
نــهــايــة تــأديــبــي وفــرط عـقـوبـتـي
77
تــشــتــت عــقــلي فــيــك بــعــد تــجـمـع
كــمــا اجــتــمـعـت بـلواي بـعـد تـشـتـت
78
هــوىً فـيـك لي لا مـنـتـهـى لامـتـداده
لدي ولا مــــــنــــــه خــــــلاص بــــــلوة
79
أزيــد بــلىً إذ يــســتــجــد ولم يــكــن
بــتــجـديـد صـبـري فـيـه أبـىل بـليـتـي
80
ويــــــبــــــدي أولا مــــــنـــــه وآخـــــر
فــقــد شــف جــســمــي ســر عــودٍ وبــدأةٍ
81
ألا لا تــلمــنــي أن شــطــحــت فــإنــه
قــليــل لســكــر حـل بـي مـنـك شـطـحـتـي
82
ولا تـنـهـنـي أن تـهـت سـكـراً مـعـربداً
فـأنـت الذي اسـتـحـسـنـت فـيـك هـنيكتي
83
ولا تــلحــأن غــنــيــت فــيــك تــطـربـاً
فـــلو وجـــدت وجــدي الجــبــال لغــنــت
84
ومــن عــجــب حــمــل الجــبــال هـوى بـه
طــلعــت وعــن حــمــلي قــديــمــاً تـأبـت
85
فـمـن قـيـس ليـلى العـامرية في الهوى
ومــن قــيــس لبــنــى أو كــثــيــر عــزة
86
إذا تــــليــــت ذكــــري فــــقـــابـــل ال
مــجــنــون ذكــري بــالســجـود لحـرمـتـي
87
وأوجــب كــل مــنــهــم الوقــف عــنـدمـا
وســـلم أن لا قـــصـــة مـــثــل قــصــتــي
88
فـمـن فـضـل كـاسـي شـرب غـيري ولم يكن
يــقــاس بــســكــري سـكـر شـارب فـضـلتـي
89
يـــبـــلبــل بــالي لا لنــوح حــمــامــة
ويــنــهــل دمــعــي لا لإيــمــاض بـرقـة
90
لو كــنــت مــحــتــاجـاً للتـنـمـم بـاعـث
يــحــرك أشــجــانــي لبــانـت نـقـيـصـتـي
91
ولكــــنــــنـــي مـــنـــي وفـــي نـــواعـــش
تـــحـــركـــنـــي فـــي كـــل ســرٍ وجــهــرة
92
فـــلا رقـــدة تـــغـــدو عــلي بــفــتــرةٍ
ولا يـــقـــظــة تــغــدو عــلي بــغــفــلة
93
فــمــن يــشـك يـومـاً فـي هـواه فـإنـنـي
لي الشـكـر أولى فـي الهـوى من شكيتي
94
تــســتــرت جــهــدي فــي هـواك وطـاقـتـي
فـلمـا مـنـعـت الصـبـر أبـديـت صـفـحـتي
95
فــأعــلنـت مـا أسـررت فـيـك فـلم يـكـن
بــقــول ولا فــعــل ســواك فــضــيــحـتـي
96
فـمـا لاشـتـيـاقـي فـي افـتـضـاحي مدخل
ولا لدمـــوع فـــيـــك لي مـــســـتـــهــلة
97
وقد كان لي في الصبر ستر على الهوى
بـهـتـكـك سـتـر الصـبـر أظـهـرت عـورتـي
98
فــلا تـذهـب فـي الحـب يـشـبـه مـذهـبـي
ولا مـــلة فـــيـــه تـــقـــاس بـــمــلتــي
99
بــكــل لســانــي عــن صــفــاتــي وإنـمـا
يـــعـــبـــر عـــنـــي أنـــنــي ذات وحــدة
100
فـــكـــل نـــعـــيـــم دون وصـــلي شــقــوة
وكــــل مــــلذ مــــؤلم عــــنــــد لذتــــي
101
وكــل ســبــيــل ليــس يــفــضــي ســلوكــه
إلي فـــقـــد أفــضــى إلى كــل خــيــبــة
102
ولالا هــوىً لي فــيــك يــحـمـلنـي عـلى
حـــنـــوي لم أعـــهـــد إليــك بــلفــظــة
103
وكــنــت إذا زلت بــك النــعــل هـاويـاً
أقــول ألا فــاذهــب إلى حــيــث ألقــت
104
ولكــن مــا يــنــجــيــك يـنـجـي هـويـتـي
كــمــا أن مــا يــؤذيــك نــفــس أذيـتـي
105
وهـــل أنـــا إلا أنـــت ذاتـــاً ووحــدة
وهــل أنــت إلا نــفــس عــيــن هــويـتـي
106
ولولا اعـتـبـار الجـسم بالنسبة التي
إليـــه له مـــا صـــح عـــنــي ســيــرتــي
107
ولســـت بـــذي شــكــل فــيــوجــب كــثــرة
لذاتــي ولا جــزءاً فــتــمـكـن قـسـمـتـي
108
ويــقــع مــا بــيــنــي وبــيــنـك نـسـبـة
يــظــن بــهــا غــيــري لمــوضــع شــبـهـة
109
وإنــي لم أهــبــط إلى الأرض يـبـتـغـي
بــذلك وضــعــي بــل هــبــوطـي ورفـعـتـي
110
وتــقــريــر هــذا أن دعــيــت خــليــفــة
ومــا كــنــت أدعــى قـبـل ذا بـخـليـفـة
111
وصــيــر مــلكــي عــالم الجــسـم مـحـنـة
لغــايــة تــدبــيــري ومــبــلغ حــلمـتـي
112
فــإن أنــا أحــسـنـت الولايـة أحـسـنـت
إلى العــالم العــلوي عــودي وعـزلتـي
113
وعــايــنــت مـا لا عـايـنـت مـقـلة ولا
أحـــاطـــت بــه أذن وعــت حــس ســمــعــة
114
وآثــــرت لذاتــــي ونــــيــــل مـــآربـــي
واتــبــعــت نــفــســي كــل شــيــءٍ أحـبـت
115
ســددت عــلى نــفــســي ســبــيـل تـخـلصـي
إلى المـلأ الأعـلى الذي هـو نـزهـتـي
116
وأوقـعـتـهـا فـي أسـر مـن لا يـرى لها
مــكـانـاً ولا يـحـنـو عـليـهـا بـعـطـفـة
117
فـــلا نـــدم يــجــزي ولا حــســرة يــرى
بـــهـــا فـــرج يـــرجـــى لكـــشــف لشــدة
118
فــيــا ويــح نــفــس آثــرت طــيــب زائل
عـــلى طـــيـــب بـــاق لا يــحــد بــمــدة
119
يـمـوت الفـتـى بـالجـهـل مـن قبل موته
ويـحـيـى بـروح العـلم مـن بـعـد مـيـتة
120
فـمـا مـات حـي العـلم يـومـاً ولم يـكن
بــحــي مــمــات الجــهــل مـقـدار لحـظـة
121
وانـــظـــر أحــوال الرجــال وقــوفــهــم
عـــلى بـــرزخ مــا بــيــن نــار وجــنــة
122
فـــأمـــا إلى آلام نـــفـــس خـــبـــيــئة
وأمـــا إلى لذات نـــفـــس نـــفـــيـــســة
123
فــآلام تــلك التــرك فــي دار غــربــة
ولذات هــذا العــود مــن بــعــد غـربـة
124
وهــل حــســرة فــي النـفـس أعـظـم غـصـة
مــن البــعــد عــن أهــل ودار وجــيــرة
125
كـــمـــا أنـــه لا شـــيـــء أعـــظــم لذة
لذي غــربــة مــن مــلتـقـى بـعـد فـرقـة
126
كـــأنـــي لم أحــجــب بــهــا وكــأنــمــا
هـي احـتـجـبت بي فازدهى الناس عشقتي
127
وغـودرت لا يـثـنـي عـلى حـسن فعلي ال
جــمــيـل ولا يـلوي عـلى حـسـن طـلعـتـي
128
ولو قـايـسـوا بـالحـسـن بـيـني وبينها
لكــانــت لديــهــم لا تــســام بــحــبــة
129
وشــق القــلب الجــاهــلات التــي بـهـا
مــحــبــتــهــا قـالت بـهـم عـن مـحـبـتـي
130
ومــا ذاك شــيـء يـسـقـط العـذر لامـرئ
أطــاع الهــوى وانـقـاد عـبـداً لشـهـوةٍ
131
وهـــل نـــافـــع شـــق الفــؤاد نــدامــة
لذي قـــــدمٍ زلت ولم تـــــتـــــشـــــبــــت
132
فــكــيــف يــليــق الوصــل مـنـي لمـؤثـر
عــلى طــيـب وصـل وصـل مـن هـي عـبـدتـي
133
إذا رضــيــت عــنــه يــهــون عــليـه فـي
رضــاهــا وأدنــى ذاك تــســهــيــل غـصـة
134
عـــلى أنـــهــا أعــدى عــداه تــرتــبــت
له حــيــلة مــنــهــا لا مــكــان فـرصـة
135
فــهــام بــهــا عــشــقــاً وآثــر وصـلهـا
فـــزل فـــنـــادمـــتــه إلى ألف لعــنــة
136
ولولا الشـقـا والجـهـل ما آثر العدى
رضــاهــا وجــانــب طــيـب وصـل الأحـبـة
137
وهــل أمــنــي بــالفـضـل مـثـلي وإنـمـا
بــمــثــل طــبـاع السـوء نـحـو الدنـيـة
138
وتـأبـى الطـبـاع الفـاضـلات ارتكابها
الأمــور التــي تـفـضـي إلى حـط رتـبـة
139
فــكــم حــســرات فــي نــفــوس يـثـيـرهـا
بــعــادي إذا مـا العـيـس للبـيـن ذمـت
140
وكـــم عـــبــرة تــجــري عــلي تــأســفــاً
وقــد فــات مــا لا يــســتــرد بــعـبـرة
141
وكــــم قـــارع ســـنـــاً عـــلي نـــدامـــة
وآخـــر مـــكـــوي بـــنـــيـــران حـــســـرة
142
وكــــم أنــــةٍ تــــغــــدو عــــلي ورنــــة
بـروح إذا مـا اسـتـشـعـر القوم فرقتي
143
وهــل هــاجــري وجــداً بــغــيــري بــالغ
رضـــــاي لصـــــب طــــالب دار هــــجــــرة
144
لشــتــان مــن بـيـن المـقـامـيـن إنـمـا
المــبــرز مــن لاهــمــه غــيـر عـشـرتـي
145
ألم تــر أنــي مــنـتـهـي قـصـد مـبـدعـي
ولم تــبــدع الأشــيــاء إلا لخــدمـتـي
146
وإن لإكــرامــي وتــعــظــيــم حــرمــتــي
أشــار إلى الأمــلاك نــحــوي بــسـجـدة
147
وصـــيـــر مــا فــي عــالم الكــون كــله
بـــحـــكــم إراداتــي وطــوع مــشــيــتــي
148
فــإن كــنـت فـي وصـل دعـيـت فـلا تـمـل
إلى وصـل غـيـري واغـتـنـم وصـل صـحبتي
149
وخــذ جــانــبــاً مــن رفـقـة بـك وكـلوا
بــبــعــدك عــن وصـلي وإثـبـات جـفـوتـي
150
فـعـنـد ارتـفـاع الحـجب ما بيننا ترى
مــحــاســن وجــه الغــانـيـات وبـهـجـتـي
151
ولا عــجــنــت إلا بــحــبــك طــيــنــتــي
ولا لهـــجـــت إلا بـــكـــذرك لهــجــتــي
152
وردت ورود الهــيــم فــيــك مـن الهـوى
شـــريـــعـــة حـــب هـــيـــجــت لي غــلتــي
153
ولا عــــجــــب إن هــــيــــجـــت لي غـــلة
فـــمـــا تـــمـــلك مــنــك أولا مــحــنــة
154
إذا كــان بــي أمــر أرى فـيـه لي أذى
رضــاك فــمــا أحــلاه فــي قــلب ذلتــي
155
لذاك مـــا أرضـــاك مـــنـــي فـــعـــلتــه
ولو غــضــبــت مــنــه كــرام عــشــيـرتـي
156
ومــا بــعـت فـيـك النـفـس إلا لعـل أن
أفــوز بــوصــلٍ مــنــك تــربــح صـفـقـتـي
157
فـإن أنـت أمـضـيـت التـبـايـع بـيـنـنـا
فــبــعـت وإن لم تـمـض أكـسـدت سـلعـتـي
158
ومــا قــدر نــفــس لي لديــك حــقــيــرة
فـــأجـــعـــلهـــا مــهــراً لأشــرف وصــلة
159
ولكـــن مـــقـــل بـــادل فـــيـــك جــهــده
أحـــق بـــوصـــل مـــن أخـــي كـــل ثــروة
160
تــوحــشـت مـن أبـنـاء نـوعـي ولم يـكـن
لشــيــء ســوى أنــســي بـقـربـك وحـشـتـي
161
تـــغـــربــت عــن أهــلي إليــك وإنــنــي
ليــعــذب لي فــي طــيـب أنـسـك غـربـتـي
162
فــكــم خــلوة قــد فـزت فـيـهـا بـجـلوة
خــرجــت بــهــا عــنــي إليــك بــفــرحــة
163
وطــلقــت فــيــهــا عــالم الحــس بــتــة
لتـــعـــلم أنـــي لا أقـــول بـــرجـــعــة
164
وفــارقــت أوطــانــي وأهــل وجــيــرتــي
لتــعــلم أنــي بــاذل فــيــك مــهــجـتـي
165
ولولا دخــولي فــي رضـاك بـكـل مـا أس
تــطــعــت لعــزت فــيــك عــنــي خــرجـتـي
166
وكـــان بـــودي لو قـــبـــلت تـــقـــربــي
إليـــك ولكـــن لســـت أهـــلاً لقـــربـــة
167
وهـــل أنـــا ألا نــطــفــة مــن ســلالة
لطــيــن ومــا مــقــدار قــيــمـة نـطـفـة
168
لعــمــري لقــد حــاولت أمــراً مــرامــه
عـــزيـــز ولكــن أنــت أهــل العــطــيــة
169
وليـس اعـتـرافـي بـاتـضـاعـي بـمـانـعـي
ســؤالك أمــراً دونــه قــدر قــيــمــتــي
170
وليـــس عـــلى قـــدر ســـؤال فـــإنـــنــي
أرى أن قــــــدري دون مـــــقـــــدار ذرة
171
ولكــن عــلى مــقــدار إحــســانــك الذي
عــمــمـت بـه تـخـصـيـص كـونـي بـخـلقـتـي
172
ولا أنــا مــمــا يـخـجـل الطـرد وجـهـه
فـــيـــأنــف مــن عــود مــخــافــة طــردة
173
عــــلى كـــل ليـــس لي عـــنـــك مـــذهـــب
فــيــصــرفـنـي عـن جـعـل بـابـك قـبـلتـي
174
فـمـا شـئت فـاصـنـع وارض عـنـي فـإنـني
أرى كــل صــنــع مــنــك إســبـاغ نـعـمـة
175
كــــفــــانــــي اعــــتــــرافــــي تـــوبـــة
وحــســبــي رضــاً عــلى قــبـولك تـوبـتـي
176
وهــل أنــا إلا دوحــة قــد غــرســتـهـا
فــإن لم يــصــبــهــا وابــل مـنـك جـفـت
177
إذا حــصــلت لي كــيـف مـا كـان نـسـبـة
إليــك فــلا أخــشـى ضـيـاعـاً لنـسـبـتـي
178
فـيـا حـيـرتـي كـم حـيـرة فـيـك لي غدت
مــخــصــصــة بــي مــا بــه مــنــك عــمــت
179
وكــم نــعــمــة أسـبـغـت مـن سـر حـكـمـة
أنــرت بــهــا مــن نــاطــق كـل ظـلمـتـي
180
وأحــبــبــت مـنـي مـا أمـاتـت جـهـالتـي
حـــــيـــــاةً مــــحــــال بــــمــــوتــــتــــي
181
ومـن حـيـيـت مـن مـوتـة الجـهـل نـفـسـه
بــعــلم نــجــت مــن قــطــع كــل مــنـيـة
182
وكــم مــرجــة مــن بـحـر عـلم أثـرتـهـا
لدي بــريــح مــنــك أجــرت ســفــيــنـتـي
183
فــمــرت تــشــق الكــون حــيــن مـهـبـهـا
مـــلحـــحـــة حـــتــى أفــادت مــعــيــتــي
184
وأدركـــت مـــعــنــى آخــراً دق فــهــمــه
أريـــد بـــوضـــع الصـــورة الألفـــيـــة
185
ومــن لم يــحـط عـلمـاً بـمـعـنـى وصـورة
له فــبـصـيـر العـيـن أعـمـى البـصـيـرة
186
فـــزرع ولكـــن لم يــفــد حــصــد حــبــه
ومــخــض ولكــن لم يــفــد مــخــض زبــدة
187
إذا جــهــل الإنــســان تــحـقـيـق أمـره
فــكــيـف بـتـحـقـيـق الأمـور الغـريـبـة
188
فــيــا عــجــبــاً للمــرء يـجـهـل نـفـسـه
ويـطـمـع فـي فـهـم المـعـانـي البـعيدة
189
ومــا نــاهــض بــالنــفـس يـزداد رتـبـة
مــن العــلم تــســمــيــهـا كـوان مـقـوت
190
ومــا مــوقــظ مـن رقـدة الجـهـل عـقـله
لتــحــصــيــله تــكــمــيـلهـا مـثـل مـيـت
191
إذا كـمـلت نـفـس الفـتـى بـصـفـاتـه ال
جـــمـــيـــلة مـــن قــول وفــعــل تــرقــت
192
وأصــبــح يــدعـي عـالم العـقـل عـالمـاً
لهـــا وتـــخـــطـــت نــفــســه كــل خــطــة
193
وبـالعـلم بـالنـفـس النـفيسة يدرك ال
مــــحـــصـــل فـــهـــم العـــلة الأوليـــة
194
ومــن لم يــحــط عــلمــاً بــذاك فــإنــه
وإن كــان حــيــا حــكــمــه حــكــم مـيـت
195
ومـا الحـي عـن العـقـل مـن كان غالباً
عــلى نــفــســه حـكـم القـوى البـدنـيـة
196
ولكــــنـــه مـــن شـــرفـــت قـــدره عـــلى
بـــنـــي نــوعــه أوصــاف نــفــس زكــيــة
197
فــفــي العــالم العــلوي ذا مــلك وذا
لدى العــالم الســفــلي شــيـطـان جـنـة
198
ومـا اخـتـلفـا بـالنـوع حـتـى يـظـن ما
بــه اخــتــلفـا فـعـلاً لخـلق الغـريـزة
199
وكـــــــل أبـــــــوه آدم ويــــــخــــــص ذا
لذا خــص ذا مــن ســر مــعـنـى النـبـوة
200
ومــن أعــجــب الأشــيـاء فـرعـاً أرومـة
ومــا اتــحـدا بـالطـبـع فـي الثـمـريـة
201
بــأي لســان أوثــر الشــكــر مــثــنـيـاً
عــليــك بــمــا أوليــتــنــي مــن فـضـلة
202
وأكــمــلت مــن عـقـلي ووصـفـي وصـورتـي
وفــهــمــي وأحــشــائي وحــولي وقــوتــي
203
وصــفــحــك عــنــي أن عــصــيــت تــكـرمـاً
ووعــدك لي عــن طــاعــتــي بـالمـثـوبـة
204
وهـــل مـــمــكــن إحــصــاء ذرات كــلمــا
عــلى الأرض مـن كـثـبـان رمـل مـهـيـلة
205
وأحـصـاء مـا فـي البـحـر مـن كـل قطرة
بـحـيـث يـحـيـط المـحـصـي مـنـهـا بـعـدة
206
وذلك أمـــر مـــســتــحــيــل وكــلمــا اس
تـــحـــال فــمــنــفــي لحــكــم الضــرورة
207
ومــا كــل هــذا لو أتــيــت بــضــعــفــه
مــن الشــكــر أدنــى شـكـر أصـغـر حـبـة
208
فـــكـــيــف بــشــكــري كــل عــضــو وقــوة
جــعـلت لنـفـعـي عـنـد تـأليـف بـنـيـتـي
209
وشــكــر التــي قــد حـجـبـت بـي وأنـهـا
لأظـــهـــر لي مــن نــور شــمــس تــبــدت
210
بـــعـــيــدة أطــلال الديــار قــريــبــة
وأعـــجـــب شــيــء بــعــد دار قــريــبــة
211
بـهـا مـثـل مـا بـي مـن هـواها وعندها
مــــن الود مــــا ليــــس دون مـــودتـــي
212
وقـــد أدركـــتــهــا رقــة لي أطــمــعــت
بــنـيـل المـنـى لولا مـخـافـة وفـقـتـي
213
وقـــلت لهـــا مـــنـــي عـــلي بـــنــظــرة
أنــا بــهــا مــن حـسـن وجـهـك مـنـيـتـي
214
ألم تـعـلمـي مـا حـل بـي مـنـك من جوى
وكـــابـــدت مــن أشــجــان قــلب ولوعــة
215
فـــإن الجـــبـــال الشـــم وهــي رواســخ
لو احــتــمــلت بــعــض الذي بــي لدكــت
216
فــأحــزان قــلبــي لا تــجــود بــســلوة
وأجــفــان عــيــنــي لا تــســح بــدمـعـة
217
ولولا حـــنـــيــنــي لم تــحــن مــطــيــة
ولولا نــواحــي لم تــنــح ورق أيــكــة
218
ولولا خــطــابــي لم يـقـع عـيـن عـابـد
عـــلي لمـــا مــنــي الصــبــابــة أبــلت
219
فــلا مــاء إلا بــعــض فــيـض مـدامـعـي
ولا نـــار إلا دون أنـــفــاس زفــرتــي
220
فــقــالت بــعــيــنــي مــا لقــيـت وإنـه
ليـــؤلم قـــلبــي أن تــشــاك بــشــوكــة
221
وإنـــي عـــلى مــا فــي مــن صــلف لهــا
لراغــبــة فــي الوصــل أعــظــم رغــبــة
222
ولكــن وشــاة الســوء فــيــك كــثــيــرة
وليــســت مـع الواشـيـن تـمـكـن رؤيـتـي
223
وأنــت فــعــغــرى بــالحــســان وإنــنــي
لأكــره مــا بــي أن أرى وجــه ضــرتــي
224
ومــن لم يــصــنـي صـنـت وجـهـي بـبـرقـه
وصــــور فــــيـــه صـــورة دون صـــورتـــي
225
ليــمــتــحــن الخــطـاب لي إذ يـرونـهـا
أيــلهــون عـنـي أم يـتـمـنـون خـطـبـتـي
226
ومـــا هـــي إلا عـــبـــدة لي جــمــيــلة
تـــظـــن ومــا أفــعــالهــا بــجــمــيــلة
227
فـمـا كـان إلا أن رأى النـاس وجـهـها
فــهــامــوا بــهـا فـي فـج وجـه ووجـهـة
228
ويــعــلم مــا قـد كـان بـالأمـس والذي
يــكــون غــداً أو كــائن بــعــد بــرهــة
229
ويــخــبــر بـالأمـر المـغـيـب مـثـل مـا
يــخــبــر عــن مــا كــان مــنـك بـحـضـرة
230
ويــعــلم مــا مــفــهــوم مـعـنـى مـعـبـر
لســـامـــعـــة عـــنــه بــوحــي النــبــوة
231
ومــا الوحــي إلا خــلع نــفــس قــويــة
مــلابــس أحــســاس عــلى العــقــل غـطـت
232
وأنــى لهــا نــحــو المـحـيـط بـذاتـهـا
عــلى عــالم العــقــل الذي عـنـه شـبـت
233
وإدراك مــا يــلقـى إليـهـا هـنـاك مـن
إشـــارات رمـــز للعـــقـــول دقـــيـــقــة
234
وأفــهــام أفــهـام النـفـوس لطـائف ال
مــعــانــي التــي ذاتــهــا قــد تــهـيـت
235
ومـا أطـرب الأرواح مـنـا لدى الفـنـا
ســوى نــغــمــات أدركــتــهــا قــديــمــة
236
وذلك أن النـــفـــس قــبــل اتــصــالهــا
بــتــدبــيـرهـا الجـسـم الذي قـد تـولت
237
وعـى سـمـعـهـا مـن طـيـب ألحـان نـغـمـة
يـــنـــغـــمـــهــا الأفــلاك أعــظــم لذة
238
إذا أقــبــلت أجــرامــهـا بـأصـكـاكـهـا
يــرجــعــهــا فــي قــطــعــهــا كــل ذروة
239
وشـذت لبـعـد العـهـد عـنـهـا فـلم تـكن
تـــذكـــرهــا إلا بــتــجــديــد نــغــمــة
240
فــلمــا أحــســت بــالســمــاع بـمـثـلهـا
تـــذكـــرت العــهــد القــديــم فــحــنــت
241
وحــاولت التــجـريـد عـن عـالم الفـنـا
إلى العـالم البـاقـي الذي عـنـه شـذت
242
فــجــاذبــهـا الجـسـم الزمـام وأقـبـلت
تـــجـــاذب فـــاهـــتــزت لذاك بــرقــصــة
243
ولا شــك فــي أن العــقـول مـحـيـلة ال
ســــامــــع والأبــــصــــار للحـــس رنـــت
244
فـإن لم يـكـن فـي عالم العقل ما يرى
ويــســمــع كــانــت تــلك غــيـر مـفـيـدة
245
وذلك تـــعـــطـــيـــل وليـــس بـــحــكــمــة
يــــعــــطـــلهـــا عـــمـــاله قـــد أعـــدت
246
وقــد يــطــرب الدولاب عــنــد حـنـيـنـه
فــكــيــف حــنــيــن النـغـمـة الفـلكـيـة
247
ونــاهــيــك أن الطــفــل عــنــد بـكـائه
يــغــنــي فــيــغــشــاه ســكـيـنـة سـكـتـة
248
ويــذهــل عــمــا كــان فــيـه مـن الأذى
وتــبــدو لنــا مــنــه مــخــايــل طـربـة
249
ولولا إدكـار النـفـس مـنه لدى الغنى
عــهــوداً قــديــمــات لهـا مـا اسـتـلذت
250
وقـد تـطرب العجماء عند استماعها ال
غـــنـــاء وتــنــســى عــنــده كــل غــمــة
251
وإلا فـــمـــا بــال المــطــي إذا ونــت
عـن السـيـر هـيـجـت فـي الفـلاة بحدوة
252
فــتـصـغـي بـالحـادي بـأسـمـاعـهـا كـمـا
يــكــون اســتـمـاع العـاقـل المـتـنـصـت
253
وتــوســع مــد الخــطــو حــتــى كــأنـهـا
ســـفـــائن بـــحـــر مـــقـــلعــات بــلجــة
254
ويــرتــاح بــعـض الطـيـر عـنـد سـمـاعـه
تــــجــــاوب أوتــــار إذا هــــي خـــشـــت
255
ومـــا ذاك إلا أن أفـــلاكـــهـــا عــلى
مــراكــزهــا لمــا اســتــدارت فــعــنــت
256
فـصـارت بـحـكـم الطـبـع تـشـتـاق ما به
يـــخـــصـــصـــهـــا مـــن دون كــل مــصــوت
257
فــلا تــحــسـب الأشـيـاء مـهـمـلة كـمـا
تــوهــم أصــحــاب العــقــول الضـعـيـفـة
258
وللحـوت بـل للدود فـي العـود بل لما
ســـوى ذاك أفـــلاك عـــليـــهــا أديــرت
259
وفــيــهــا لهــا آفــاق جــو فــســيــحــة
عــليــهــا نـراهـا نـحـن غـيـر فـسـيـحـة
260
فــمــا خــص نــوع لا يــتــم ســواه مــن
مــــراكــــز أفـــلاك وأوضـــاع هـــيـــئة
261
وكــــــل له عـــــقـــــل يـــــســـــدده إلى
مـــقـــاصـــد أفـــعـــال وتـــرك شــديــدة
262
ومـا النـحـل فـي أوضـاعـهـا لبـيـوتـها
مـــســـدســـة مـــن حـــكـــمـــة بـــخــيــلة
263
وقـد يـعـجـز المـرء المـهـنـدس وضـعـها
بــآلاتــه الحــكــمــيــة الهــنــدســيــة
264
وجــعــل لعــاب العـنـكـبـوت لصـيـده ال
ذبـــاب شـــبـــاكـــاً ليــس إلا لخــبــرة
265
ويــفــهــم بــعــض الذر مـقـصـود بـعـضـه
بـــــقـــــوة إدراك لنــــفــــس زكــــيــــة
266
وحــســبــك ألف النــوع بـالنـوع شـاهـد
بــمــعــرفــة فــي طــبــعــه مــســتــحـثـة
267
فــإن ازدواج الشـكـل بـالشـكـل مـشـعـر
بـــقـــوة تـــمـــيـــيـــز وصــحــة فــطــرة
268
ولو لم يــكــن ألا تــفــاهــمــهــا إذا
تــنــاغــت بــأصــوات لهــا أعــجــمــيــة
269
لكـــان لنـــا فـــيـــه دليـــل يـــدلنــا
عـــلى أن ذا لا عـــن نــفــوس بــليــدة
270
فــمــن ظــن شــيــئاً غــيــر هــذا فـإنـه
لتــقــصــيــره عــن فــكــرة مـسـتـقـيـمـة
271
وقــد شــهــد الذكــر الحـكـيـم بـأنـهـا
مـــســـبـــحـــة والذكـــر أعـــظــم حــجــة
272
وهـل يـصـدق التـسـبـيـح مـن غـيـر عاقل
ولكــن عــيــون الجــهــل غــيـر بـصـيـرة
273
تــأمــل صــلاة الشــمـس عـنـد وقـوفـهـا
لدى الظـهـر فـي وسـط السـمـاء بـخـشية
274
وإثــبــاتــهــا وقــت الزوال بــركــعــة
وإتــمــامــهــا عــنــد الغـروب بـسـجـدة
275
كــذا جــمــلة الأفــلاك راكــعــة بـمـا
جـــرت ســـجـــدة للَه فـــي كـــل طـــرفــة
276
ومــا الذي أعــمــى عــيــون قــلوبــهــم
ونــورك فــيــهــم مــســتــطـيـر الأشـعـة
277
لقــد عــظــمــت تــلك الرزيــة مــوقـعـاً
لدى كــــل ذي عــــقـــل ســـليـــم وجـــلت
278
أرى كــل ذي سـكـر سـيـصـحـو مـن الهـوى
ســواي فــصــحــوي فــيــك عــلة ســكـرتـي
279
فــمــا اتــفــقـت لي مـذ عـرفـتـك خـلوة
بــنــفــســي إلا هــمــت فــيــك بــجــلوة
280
ولا عـرضـت لي فـي دجـى الفـكـر هـجـمة
فــأغــفــيــت إلا فــزت فــيــك بـيـقـظـة
281
ولا اسـتـغـرقـتـنـي فـي المـحاسن بهتة
فــثــارت بـحـسـن غـيـر حـسـنـك بـهـتـتـي
282
ولا ســنــحـت فـي بـاطـن القـلب خـشـيـة
فــكــانــت لشـيـء غـيـر هـجـرك خـشـيـتـي
283
ولا خــضــعــت نــفــســي لأمــر تــرومــه
فــكــانـت لشـيـء غـيـر وصـالك خـضـعـتـي
284
ولا اسـتـقـبـلتـنـي مـن جـنـابـك نـفـحة
أســـرت حـــديـــثـــاً عـــنـــك إلا وســرت
285
وأصـغـي إلى تـحـصـيـله فـي مـسـامـع ال
مـــشـــاعـــر مـــن كــل مــنــبــت شــعــرة
286
وأحـسـسـت فـي نـفـسـي بـلطـف دبـيـب مـا
ســقــطـت مـن مـحـيـا الحـب لمـا تـمـشـت
287
وهــل شــارب كــأســاً مــن الحــب جـاهـل
بــمــا أحــدثــت فــي عــقـله حـيـن دبـت
288
فـقـد حـقـق الدعـوى القـيـاس وأيـن من
كــثــافــة جـسـم الخـمـر لطـف المـحـبـة
289
إذا غــبــت عــنــي كـنـت عـنـدك حـاضـراً
ومــن عــجـب أن غـيـبـتـي فـيـك حـضـرتـي
290
فــيــا بـا طـنـاً ألقـاه فـي كـل ظـاهـر
ويـــا أولا مـــا زال آخـــر فـــكــرتــي
291
تــشــابــه إعــلانــي وســري ومــشــهــدي
وغــيــبــي وســتـري فـي هـواك وشـهـرتـي
292
تـــجـــمـــع الأضـــداد فـــي ولم يـــكــن
بــمــسـتـغـرب لي فـي الهـوى كـل بـدعـة
293
فــنــوعــي فــي شــخــصـي لأنـي نـتـيـجـة
لشــكــل قــيــاس عــن ضــروب عــقــيــمــة
294
مــلأت جــهــاتـي السـت مـنـك فـأنـت لي
مــحــيــط وأيــضـاً أنـت مـركـز نـقـطـتـي
295
فــصــرت إذا وجــهــت وجــهــي مــصــليــاً
فــرايــض أوقــاتــي فــنــفـسـي كـعـبـتـي
296
فــصــار صــيـامـي لي ونـسـكـي وطـاعـتـي
ونــحــري وتــعــريــفـي وحـجـي وعـمـرتـي
297
وحـــولي طـــوافـــي واجـــب وخــلاله اس
تــلامــي لركــنــي مــن مـنـاسـك حـجـتـي
298
وذكــري وتــســبـيـحـي وحـمـدي وقـربـتـي
لنــفــســي وتــقــديــسـي وصـفـو سـيـرتـي
299
ولو هــم مــنــي خــاطــر بــالتــفــاتــة
لم كـــــان لي إلا ألي تـــــلفـــــتـــــي
300
ولو لم أود الفــــرض مــــنــــي ألي لم
يـــصـــح بــوجــه لي ولم تــبــر ذمــتــي
301
وكـــنـــت عـــلى أنـــي أوحـــد ظـــاهــراً
فــفــي بــاطــنــي قـد دنـت بـالثـنـويـة
302
كــذا مــن يــكــن قــد صــح عـقـد وداده
ولم يــتــهــم يــومــاً بــســقـم عـقـيـدة
303
ويـنـفـي اتـصـال النـفس بالعقل واقفاً
عــلى حــس مــا فــي عــالم الحـس أبـلت
304
فـإن قـهـرت فـيـه قـوى الجـسـم ألحـقـت
بـــعـــالمـــهـــا مــمــلوءة بــالمــســرة
305
وتـبـقـى كـمـا قـد جـاء تـهـوى وليـتها
هــوت مــا هــوت ثــم ارعـوت واسـتـقـرت
306
ولكــنــهــا تـبـقـى بـنـيـران حـسـرة ال
بــعــاد تــقــاســي ضــيـق أغـلال كـريـة
307
مــذبــذبــة لا عــالم العــقــل أدركــت
ولا عــالم الأجــســام فــيــه تــبــقــت
308
فـتـرجـع إلى أحـدى الحـنـيـن حـنـيـنها
إلى عــالم العــقــل الذي عــنــه صــدت
309
وهــيــهـات أن يـطـوي لسـيـر حـنـيـنـهـا
إلي الذي قــد حــال مــن بــعــد شــقــة
310
وأنــى لهــا والحــس قـد حـال بـيـنـهـا
وبـــيـــن حــمــاه أن تــفــوز بــنــظــرة
311
إذا ذكــــرتــــه هــــز هــــامـــس طـــائف
مـــن الشـــوق لو هــز الجــبــال لهــدت
312
ومــا ذاك بــالمــدنـي إليـه ولا الذي
إذا لم يــكــن يــدنــي فــربـح بـوقـفـة
313
أســى كـلمـا قـيـل انـقـضـت مـنـه لوعـة
أعــيــدت بــأخــرى مــثــلهـا مـسـتـحـثـة
314
تــزول الجــبــال الشــم وهــي مـقـيـمـة
عـــلى حـــالة مــنــكــوســة مــســتــمــرة
315
وذلك أمــــر نــــســـأل اللَه عـــصـــمـــة
مـــنـــجـــيـــة مــنــه ومــن كــل حــيــرة
316
ألم يـــك فـــيـــمـــا نــال آدم عــبــرة
ومـــتـــعـــظ للعـــاقـــل المـــتـــثـــبــت
317
عـــلى قـــربــه مــن ربــه واصــطــفــائه
ومـــنـــحـــتـــه إيــاه أعــظــم مــنــحــة
318
وإبــــعــــاده مـــن بـــعـــد ذاك وصـــده
وتـــجـــريـــعـــه إيـــاه أعـــظــم غــصــة
319
ولم يــأت ذنــبــاً عــامــداً غــيـر أنـه
بــــأول حــــكـــم اللَه طـــالب رخـــصـــة
320
فـأخـطـأ فـي التـأويـل جـهـلاً فـحـطـمـه
إلى الأرض مـن أعـلى الجنان المنيفة
321
ولم يـخـف مـا لا قـى إذا انحط هابطاً
إلى الأرض مـن هـول الأمـور العـظيمة
322
ومــا زال يــدعــو اللَه ســراً وجــهــرةً
وحــاول مــنــه العــفــو عــنـه بـتـوبـة
323
وكــيــف بــمــن يــأتـي ذنـوبـاً كـثـيـرةً
ويــقــضــي ومــا وافــى بـتـوبـة مـخـبـت
324
وكـــم جـــاهــل لم يــزدجــر الذي جــرى
عـــلى آدم مـــن فـــعـــله كـــل خـــزيــة
325
لقــد شــمــل الخــيــر الوجــود بـأسـره
فــمــا كــان مــن نــشــر فــذاك لنــدرة
326
ولم يــكــن المــقــصـود بـالذات إنـمـا
أتــى بــطــريــق الضــمــن والتــبــعـيـة
327
ألم أن الغـــــيـــــث خـــــيـــــر وأنــــه
ليــحــصــل مــنــه وكــف بــعــض الأكـنـة
328
وإن لهــيــب النــار المــثــوب مــحــرق
ويــحــصــل مــنــه نــضــج كــل مــعــيـشـة
329
فـقـد يـتـبـع الخـير الكثير الذي نرى
لنــا فــيــهــمــا شــر يــسـيـر المـضـرة
330
ولو روعــي الضــر الذي فــيـهـمـا لنـا
ولم يـخـلقـنـا لاخـتـل نـظـم الخـليـقة
331
وكــان هــلاك الحــرث والنـسـل عـاجـلاً
وذاك بـــلا شـــك خـــراب البـــســيــطــة
332
ولم يــــك إلا عــــالم الأمـــر وحـــده
ولم يـخـف مـا فـي ذاك مـن نـقـص خـلقة
333
وفــي الحــشــرات الســاقــطـات مـنـافـع
يــحـيـط بـهـا أهـل العـقـول السـليـمـة
334
ولو لم تـكـن مـا عـاش من نوعنا امرؤ
لفــضــل بــخــارات الهــيــولي الرديــة
335
فـــمـــن ذلك الفــضــل الردي تــكــونــت
وفــي مــدخـل الأوسـاخ فـي الأرض حـلت
336
وغــودر مــا نــلقــيــه مــنــا غـذاؤنـا
لصـــفـــو الهــوى مــن شــوب كــل أذيــة
337
لتــنــتــعــش الأرواح مــنــا بــطــيـبـة
ويــصــفــو لنـا ورد الحـيـاة الهـنـيـة
338
وقــد ركــب الأجــســام مــنــا وكـل مـا
تـــركـــب مـــنـــحــل ولو بــعــد بــرهــة
339
وألبـــس مـــنـــا كـــل جـــزء بـــحـــيـــز
لأركــانــنــا الذاتــيــة العــنــصـريـة
340
ومــا جـمـعـنـا بـعـد افـتـراق بـمـعـجـز
وهــــل آخــــر يـــخـــلو عـــن الأوليـــة
341
وإن مــعــاد الشــيــء بــعـد انـعـدامـه
لأســهــل مــن إنــشــاء إنــشــاء بــدأة
342
ومـطـلع شـمـس النـفـس مـن مـشرق الخلا
ســيــطــلعــهــا مــن مــغــرب العــدمـيـة
343
ســبــحــان مــن يــحــيـى بـقـدرتـه الذي
يـــمـــيـــت كـــمـــا أحـــيــاه أول مــرة

عن القصيدة

«بنور تجلى وجه قدسك دهشتي» قصيدة للشاعر أبو حامد الغزالي، أحد شعراء العصر الفاطمي، عدد أبياتها 343 بيتاً ، نُظمت على البحر الطويل ، وقافيتها على حرف الرويّ «ت». مطلعها: «بــنــور تــجــلى وجــه قــدســك دهــشـتـي ... وفــيــك عــلى أن لا خـفـا بـك حـيـرتـي». ولـأبو حامد الغزالي قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

قصائد أخرى من البحر الطويل

تعليقات القراء 0