تَرامى اللَيلُ كَالهَمِّ الثَقيلِ
للشاعر الياس أبو شبكة
1
تَـرامـى اللَيـلُ كَـالهَمِّ الثَقيلِ
يَــجُـرُّ ذُيـولَ مِـعـطَـفـهِ الطَـويـلِ
2
وَيُــبـرِزُ فـي مَـشـارِفـهِ نُـجـومـاً
بِـــلَونٍ بُـــرتُـــقـــالِيٍّ ضَـــئيـــلِ
3
وَكـانَـت زوق مـيـكـائيـل تُـصـغي
الى هَـمـسِ النَياسم في الحُقولِ
4
فَـتَـبـسِـمُ عَن كَواكِبها النَحيلَه
وَتَـحـلمُ فـي جَـواذِبِها الجَميلَة
5
بِـعَهـدٍ مَـرَّ فـي الدُنـيـا جَـمـيلِ
6
وَكـانَـت قُـبَّةـُ الجَـرَس المُـقيمَه
عَـلى عَـمَـدَي كَـنيسَتُها القَديمَه
7
تَـقَـطَّعـُ فـي السَماءِ وَقد تَرامى
عَـلَيـهـا النـورُ أَفلاذاً سَقيمَه
8
كَـطَـيـفٍ يَـخـفـر الأَمـواتِ لَيـلاً
وَيَـبـقـى سـاهِـراً سَهَـرَ الأُمومه
9
وَكـانَ اللَيـلُ مُـنـفَـطِـرَ الشُعورِ
أَحَــسَّ لَهــيــبَ سُــكّــانِ القُـبـورِ
10
فَــلَطَّفــَ فــي مَـعـابِـرِهِ نَـسـيـمَه
11
وَكـانَـت أَغـصُـنُ الدَوح القَـديـمِ
يَهــزُّ رُؤوسَهــا مَــرُّ النَــســيــمِ
12
فَـيُـسـمَـع في الدُجى مِنها حَفيفٌ
كَــصَـوتِ الوَخـزِ فـي قَـلبٍ أَثـيـمِ
13
وَفــي الاِكــواخِ أَقـبـاسٌ ضِـعـافٌ
كَـأَخـيِـلَةِ الكَـواكِبِ في الأَديمِ
14
تُـصَـعِّدُ فـي نَـوافِـذهـا الصَغيرَه
زَفـيـراً مـن أَشـعَّتـهـا الحَقيرَه
15
كَــأَنَّ بـزيـتـهـا بَـعـضَ الهُـمـومِ
16
وَفي الأَبعادِ كان يُرى الخَليجُ
تَــمــجُّ مِــيــاهُهُ نــوراً يَــمــوجُ
17
كَـــلَوحٍ أَســـوَدٍ مُــلقــىً عَــلَيــهِ
إِطــارٌ فــيــهِ مــن ذَهَـبٍ نَـسـيـجُ
18
تُـــدبِّجـــهُ مَـــصـــابــيــحٌ وَزُهــرٌ
لَها في الماءِ مَنظَرُها البَهيجُ
19
وَأَضواءُ النُجوم عَلى الشَواطِىءُ
إِذا اِمتَزَجَت بِأَضواءِ المرافىء
20
يَـكـونُ مِـنَ الخَـيـالِ بِهـا مَزيجُ
21
دَعِ الأَبعادَ في اللَيلِ الجَميلِ
تَـنَـم سَـكـرى مَعَ النورِ الضَئيلِ
22
وَخَـلِّ أَنـامِـلَ النَـسَـمـاتِ تَـلعَـب
كَــمــا شـاءَت بِـأَوراقِ الحُـقـولِ
23
وَدَع قَطرَ النَدى المَخمورَ يَسقُط
عَـلى جَـسَـد الجَـنـائِنِ وَالطـلولِ
24
وَهَـيّـا بـي نَـلِج قَـصـراً صَـغـيرا
تَـرى المِـصـبـاحَ يَملاُوه شُعورا
25
رَسـا فـي الزَوق مـن عَهـدِ طَويلِ
26
فَـتُـبـصِـرَ إِن وَلَجـتَ فَـتىً كَئيبا
مِـنَ الإِحـسـاسِ يـوشِكُ أَن يَذوبا
27
إِذا أَمـعَـنـتَ فـيـه رَأَيـتَ جِسماً
يَــفــور كَــأَنَّ فـي دَمِهِ لَهـيـبـا
28
لَهُ قَـــلبٌ يُـــرى فــي كُــلِّ قَــلبٍ
كَــــأَنَّ اللَهَ ذَرَّ بِهِ قُــــلوبــــا
29
فَـتـىً كَـالفَـجـرِ أَلوانـاً وَعُمرا
إِذا أَبــصَــرتَه أَبــصَــرتَ فَـجـرا
30
يَــمُــدُّ جَــمــالُهُ ظِــلّا غَــريـبـا
31
وَإِن أَصــغَــيــتَ تَــسـمَـعُهُ يَـقـولُ
لِوالِدَةٍ أَلَمَّ بِهــــا النُـــحـــولُ
32
لِأُمٍّ فــارَقَــت زوجــاً حَــبــيـبـاً
طَــواهُ مــن الرَدى لَيـلٌ ثَـقـيـلُ
33
أُحِـسُّ لَهـا اِضـطِّرابـاً في فُؤادي
وَدَمــعــاً فــي حَــنـايـاهُ يَـجـولُ
34
وَمـا أَحـسَـسـتُ امـسِ بِـمِـثـلِ هذا
فَــاِمـسـي كـان لا ادري لِمـاذا
35
جَــمــيـلاً كُـلُّ مـا فـيـهِ جَـمـيـلُ
36
أَجـل يـا أُمِّ صِـرتُ فَـتـىً شَـقـيّـا
يَـكـادُ اليَـأسُ يُـطـفـىءُ مُقلَتَيّا
37
فَــأَيــنَ مَـضَـت لَيـالِيَّ الخَـوالي
وَقَـلبٌ كـان فـي المـاضـي خَـلِيّا
38
أَرى غَـلواءَ تُـعـرِضُ عـن هُـيـامي
وَيَــكــتُــمُ قَـلبُهـا سِـرّاً خَـفِـيّـا
39
وَتَــســمَــعُهـا تَـقـولُ لَهُ شَـفـيـقُ
بُــنَــيَّ لَقَــد أَضــلَّتــكَ الطَـريـقَ
40
فَهَــل نَـبَّهـت قَـلبَـكَ يـا بُـنَـيّـا
41
جَــمـيـلٌ يـا وَحـيـدي أَن تُـحـبّـا
وَتَـرفَـعَ لِلهَـوى عَـيـنـاً وَقَـلبـا
42
وَتَـسـمَـعَ مِـنـهُ أَنـغـامـاً عِذاباً
وَتَـشـرَب من يَدَيهِ الماءَ عَذباء
43
لَقَـد أَحـسَـسـتُ قَـبـلَكَ بِـاِضـطِرابٍ
وَقـاسَـيـتُ الهَـوى سَهـلا وَصَـعبا
44
وَلكِــن لَيــسَ يَــنـدَمُ مَـن تَـأَنّـى
فَـغـلوا يا اِبنِ أَكبَرُ مِنكَ سِنّا
45
اِذا رَضِـيَ الهَـوى فَالعُمرُ يَأبى
46
تَــأَنَّ فَــسَــوفَ تَهـوى مَـن تُـريـدُ
وَتَهــــواكَ العَــــذارى وَالوُرودُ
47
فَــمِــثــلُكَ لا يُــجــاوِرُهُ قُـنـوطٌ
وَمِــلءُ شَــبــابِهِ عَــقــلٌ رَشــيــدُ
48
أَمـامـك يـا اِبـن أَعـوامٌ طِـوالٌ
وَمــن زَهَــرِ الهَـوى عَـدَدٌ عَـديـدُ
49
تَـأَنَّ فَـسَـوفَ تَـقـطِـفُ مِـنـهُ زَهرَه
تَــكـونُ أَشَـدَّ مـن غَـلواءَ نُـضـرَه
50
يُـبـارِكُ عِـطـرَها العَهدُ الجَديدُ
51
فَـيُـطـلِقُ زَفـرَةَ التَـمِـسِ الكَئيبِ
وَيَــغــرَقُ فـي دُجـى فِـكـرٍ غَـريـبِ
52
وَيَــذهَـبُ لا يُـجـيـبُ وَفـي هَـواهُ
لَظــى شَــكٍّ أَشَــدُّ مِــنَ اللَهــيــبِ
53
وَكَـيـفَ يُـجـيـبُ أُمّـا جَـفَّ فـيـهـا
عُـصـارُ الحُـبِّ فـي عَهـد الغُـروبِ
54
أَيا أُمي اِصرِفي ذي الكَأسَ عَنّي
فَــمـا فـي الحُـبِّ شَـأنٌ لِلتَـأَنّـي
55
وَمـا لِلعُـمـر شَـأنٌ فـي القُـلوبِ
56
وَيَــذهـبُ لا يُـجـيـبُ وَفـي هَـواهُ
مـن الاِشـجـانِ مـا يُـضـني قِواهُ
57
دَعـي يـا أُمِّ زَهـرَ النـاسَ يَبسِم
وَيَـنـشَـق فـي الوَرى غَيري شَذاهُ
58
فَــلي فــي جَـنَّةـِ الاِشـواكِ زَهـرٌ
غَــريــبُ اللَونِ لا أَرضـى سِـواهُ
تعليقات القراء 0