حيثُ انتَهْيت من الهِجرانِ بي فقِفِ
للشاعر ناصح الدين الأرجاني
1
حـيـثُ انـتَهْـيـت مـن الهِـجـرانِ بـي فـقِفِ
ومــن وراء دَمــي سُــمْــرُ القَــنــا فـخَـفِ
2
يــا عــبـاثـاً بِـعِـداتِ الوَصْـلِ يُـخـلِفُهـا
حــتّـى إذا جـاء مـيـعـادُ الفـراقِ يَـفـي
3
اِعْــدِلْ كــفــاتــنِ قَــدٍّ مــنــك مُــعْــتَــدلٍ
واعْــطِــفْ كــســائلِ صُــدْغٍ مـنـك مُـنْـعَـطِـف
4
ويــا عَــذولي ومَــن يُــصْــغــي إلى عَــذَلٍ
إذا رنــا أحــورُ العَــيْــنَـيْـنِ ذو هَـيـف
5
تَـــلومُ قـــلبـــيَ أن أَصـــمــاهُ نــاظــرهُ
فــيـمَ اعـتـراضُـك بـيـنَ السَّهـْم والهَـدَف
6
سَــــلُوا عَـــقـــائلَ هـــذا الحـــيِّ أيَّ دمٍ
للأعــيُـنِ النُّجـْلِ عـنـد الأعـيُـنِ الذُّرُف
7
يَــســتــوصِــفــونَ لســانـي عـن مَـحـبّـتِهـمْ
وأنــت أصــدَقُ يــا دَمــعــي لهــمْ فــصِــف
8
ليــســتْ دمــوعـي لنـارِ الشّـوقِ مُـطـفِـئةً
وكــيــف والمــاءُ بــادٍ والحـريـقُ خَـفـي
9
لم أنــسَ يــومَ رحــيـلِ الحـيِّ مَـوقـفَـنـا
والعــيــسُ تَــطــلُعُ أُولاهــا عــلى شَــرَف
10
والعَـيـنُ مـن لَفْـتـةِ الغَـيرانِ ما حَظِيتْ
والدَّمْـعُ مـن رِقْـبـةِ الواشِـيـنَ لم يَـكِـف
11
وفـــي الحُـــدوجِ الغَــوادي كُــلُّ آنــســةٍ
إن يَــنـكَـشـفْ سِـجْـفُهـا للشّـمـسِ تـنـكـسِـف
12
تُــبِــيــنُ عــن مِــعْـصَـمٍ بـالوَهْـمِ مُـلْتَـزَمٍ
مــنــهـا وعـن مَـبْـسِـمٍ بـاللّحْـظِ مُـرَتـشَـف
13
فــــي ذمّــــةِ اللهِ ذاك الرَّكـــبُ إنّهـــمُ
سـاروا وفـيـهـمْ حـيـاةُ المُـغْـرَمِ الدَّنِف
14
فـإن أَعِـشْ بـعـدَهـمْ فَـرداً فـيـمـا عـجَبي
وإن أَمُــتْ هــكــذا وَجـداً فـيـمـا أسَـفـي
15
قـــلْ للّذيـــنَ رمَــتْ بــي عــن دِيــارِهــمُ
أيـدي الخُـطـوبِ إلى هـذا النّوى القٌذُف
16
إن أبـقَ أَرجِـعْ إلى العهدِ القديمِ وإنْ
أَلْقَ الوزيـــرَ مـــنَ الأيّــامِ أَنــتــصِــف
17
مَـــلْكٌ تَـــطــوفُ البــرايــا حَــولَ سُــدَّتِه
ومَــن يَــجِــدْ للأمــانــي كَــعــبــةً يَـطُـف
18
ظِــــلٌّ مــــنَ اللهِ مَــــمــــدودٌ سُــــرادِقُه
مَــدّاً مــن الطّــرَفِ الأقْـصَـى إلى الطَّرَف
19
تُــطــيــعُه الشُّهــْبُ فـي الأفـلاكِ دائرةً
والبِيضُ في الهامِ والأقلامُ في الصُّحُف
20
تَــلوحُ بــيــن بَــنــي الدُّنـيـا فَـضـائلُه
كــمــا تَــبــرَّجَــتِ الأقــمـارُ فـي السُّدَف
21
بــــادي التَّواضــــعِ للزُّوّارِ مـــن كَـــرمٍ
إنَّ التَــواضــعَ أقــصَــى غــايــةِ الشّــرَف
22
فـــي كـــفّهِ قَــلمٌ يَــعــنــو الزّمــانُ له
ويَــسْــنَ الخــطْــبُ مــنــه وهْــو ذو عَـجَـف
23
الدّيــنُ والمُــلْكُ مــنــه كــوكــبـا أُفـقٍ
والجُـــودُ والبـــأسُ مــنــه دُرَّتــا صَــدَف
24
مـن بُـغْـضِ لا سـاعـةَ التّـوقـيـعِ في يَدِه
يـكـادُ فـي الطِّرْسِ لا يَـجْـري بـلامِ أَلِف
25
أضـفَـى على النّاسِ ظِلَّ الأمنِ فابتَهجوا
حــتّـى تَـنـاسَـوا زمـانَ الجَـورِ والجـنَـف
26
فـــكَـــفَّ كُـــلَّ يـــدٍ بــالظّــلمِ بــاســطــةٍ
وقَـــرَّ كُـــلَّ حـــشـــاً للخَـــوفِ مُـــرتــجِــف
27
وســـار فـــي كُــلِّ قــومٍ ســيــرةٍ وسَــطــاً
وقــــال لا شَــــرَفٌ للمَـــرْء فـــي السَّرَف
28
فــالله يَــجْــزيـكَ سـعْـدَ المُـلْكِ صـالحـةً
عــن ســالفٍ لكَ مــن نُــعْــمَــى ومُــؤتَـنَـف
29
إذْ أنــت فـي نُـصْـرةِ السُّلـطـانِ مُـنْـفَـرِدٌ
والقَـومُ مـن كُـلِّ ثـانـي العِـطْـفِ مُـنْحَرِف
30
إذا أظـــــلّتْه للأيّـــــامِ مُــــظْــــلِمــــةٌ
مــضَــيْــتَ مُــعــتــزِمـاً فـيـهـا ولم تَـقِـف
31
وكُـــلّمـــا أيــنــعَــتْ هــامــاتُ طــائفــةٍ
نـادَيْـتَ يـا سـيـفُ قُـمْ للمُـلْك فـاقْـتَـطِف
32
حـــتّـــى صـــفَـــتْ دَولةٌ كــانــتْ مــكَــدَّرةً
دَهْـــراً فـــقــلتُ له خُــذهــا ولا تَــخَــف
33
فــاليـومَ أضـحَـتْ غِـراسُ الأُنـسِ مُـثْـمـرةً
فــافــخَــرْ بـأسـلافِ عُـرْفٍ عـنـدَ مُـعْـتَـرِف
34
واسـعَـدْ بـإظْـلالِ عـيـدِ الفُرسِ واحْوِ بهِ
مــــنَ العُــــلا زُلفـــاً زُيـــدَتْ إلى زُلَف
35
فــقــد جَـلا المِهْـرَجـانُ السَّعـْدُ طـلْعـتَه
فــي صَــدْرِ يــومٍ بــنُــورٍ مــنـك مُـلْتَـحِـف
36
والأفْــقُ يَــسـتـرقِـصُ الجـوزاءَ مـن طَـرَبٍ
والأرضُ تَــســتـوقـفُ الأبـصـارَ مـن طُـرَف
37
مـا الشّـمـسُ فـي أوّلِ الميزانِ قام بها
وَزْنُ الزّمــانِ فــأضــحَــى غــيـرَ مُـخـتَـلِف
38
وإنّــمــا اعــتــلَّ هـذا الدَّهـرُ مـن جَـزَعٍ
لمّــا اعــتَـلَلْتَ فـلمّـا أن شُـفـيـتَ شُـفـي
39
يــا مَــن قَــدِمْــتُ عــلى مـأْنـوسِ حَـضْـرتِه
بـعـد المَـغـيـبِ وحُـرُّ المَـدْح مـن تُـحَـفي
40
لمّـــا هـــزَزْتَ إليّ العِـــطْـــفَ مــكــرمــةً
والحُـــرُّ مُـــقـــتـــنَــصٌ بــالوُدِّ واللُّطُــف
41
لثــمــتُ كــفَّكــ شِــكْــراً وهْــي طــامــيــةٌ
يُـروِي صـدَى الوَفـدِ مـنـهـا أعذَبُ النُّطَف
42
فــإن يــكــنْ مَــنْــطــقــي دُرّاً أفـوهُ بـه
فــقــد تَــرى أيَّ بــحــرٍ كــان مُـغْـتَـرَفـي
43
لو فَــرَّغ الدّهــرُ فِــكْــري مــن شَـواغـلِه
أطـلْتُ بـالمـجـلسِ المَـعْـمـورِ مُـعـتَـكَـفـي
44
لكــنْ أبَــى ذاك صَــدْرٌ غــيــرُ مُــنــشَــرِح
لِمــــا أُلاقـــي وهَـــمٌّ غَـــيْـــرُ مُـــتَّصـــِف
45
وزادَنــي قُــرْبُ هــذا العِــيــدِ مَــوْجِــدَةً
عـــلى زَمـــانٍ بــمــا لا أَشــتَهــي كَــلِف
46
أُهــنِّئــُ النّــاسَ فــيــه مُــظـهِـراً فَـرَحـاً
واللهُ يَــعــلَمُ مــا أُخْــفــي مـن الأَسَـف
47
ومـــن ورائي أُصَـــيْـــحـــابٌ تَـــركـــتُهــمُ
فــي مــنــزلٍ بــخُــطـوبِ الدّهـرِ مُـكْـتَـنَـف
48
لاذوا بِــســتُــرٍ رقــيــقٍ مــن تَـجـمُّلـِهـمْ
إلاّ يــنَــلْهــمْ وشــيـكُ الغَـوثِ يَـنْـكَـشِـف
49
وقــد رأَوْنــي بــسَــعْــدِ الأرضِ مُــتَّصــِلاً
ويَــنْــظُــرونَ بــمــاذا عــنــه مُـنْـصَـرَفـي
50
ومــن عــجــائبِ مــا لاقَــيــتُ مــن زمــنٍ
مُــغْــرَى الحــوادِثِ بـالأحْـرارِ مُـعْـتَـسِـف
51
أنّ الطِّرازِيَّ أيــــضـــاً مـــعْ حَـــقـــارتِه
يَــمُــدٌُ نــحــوَ مــعــاشــي كَــفَّ مُــخْــتَـطِـف
52
ولو حــــلَفْـــتُ يَـــمـــيـــنـــاً أنَّ عِـــدَّتَه
مـن الحـمـيـرِ لَمـا اسـتَـثـنَيْتُ من حَلِفي
53
ومَــوضــعــي مَــوضــعـي مـن حُـسْـنِ رأيـكـمُ
فـــفـــيــمَ يَــطــمَــعُ لولا شِــدّةُ الخَــرَف
54
يُــذْري الدُّمــوعَ عــلى أرْجــانَ مـن سَـفَهٍ
إنّ الكـــلابَ لَحـــسّـــادٌ عـــلى الجِــيــف
55
هـــذا وأرْجـــانُ مــالي مــن فَــوائدِهــا
مــع الوِلايــةِ غــيــرُ الحَــمْــلِ للكُــلَف
56
إذا القُــضــاةُ تَـجـارَوْا فـي مـسَـائِلهـمْ
لم تَهْــذِ إلا بــذِكْــرِ البِـيـضِ والحَـجَـف
57
هــذي خـصـومـي وهـذا فـاعـجـبـوا عـمـلي
لقــد بُــليــتُ بــسُــوء الكَـيـلِ والحَـشَـف
58
فــاصــدَعْ بــأمْــرٍ هَــداكَ اللهُ مـن مَـلِكٍ
يُــمــيُّز اليــومَ بــيــنَ النُّكـْرِ والعُـرُف
59
وارفَــعْ مَــحــلّي بــلفــظٍ مـنـك مُـشـتـهِـرٍ
يَـثْـنـي الحـسـودَ بـمَـتْـنٍ مـنـه مُـنـقَـصِـف
60
وانــظُــرْ إلى خِــلّةٍ بــالحــالِ مُــزْريــةٍ
تَـبـدو وأَرْخِ عـليـهـا السّـتْـرَ مـن ظَلَفي
61
وابـسُـطْ يـمـيـنـاً كـصَـوْبِ المُـزْنِ مـاطرةً
واســمَـعْ ثَـنـاءً كـنَـشْـرِ الرَّوضَـةِ الأُنُـف
62
مــا فــي بــنــي زمــنــي إلاّك ذو كــرَمٍ
يــظَــلُّ يَــأْوي الفــتــى مـنـه إلى كَـنَـف
63
واســلَمْ فــفــيــكَ لنـا مِـمّـنْ مـضَـى خَـلَفٌ
وليــس عَــنــك فــلا نَــعــدَمْــكَ مـن خَـلَف
64
فــي ظــلِّ عُــمْــرٍ كَــعُـمْـرِ الدَّهـرِ مُـتّـصِـلٍ
وشَــمْــلِ مُــلْكٍ كــنَــظْــمِ العِـقْـد مُـؤتَـلِف
تعليقات القراء 0