هُمْ نازلونَ بقلبي أيّةً سَلكوا
للشاعر ناصح الدين الأرجاني
1
هُــمْ نــازلونَ بــقــلبــي أيّــةً سَـلكـوا
لو أَنّهـمْ رفَـقُـوا يـومـاً بـمَـنْ مَـلَكوا
2
ساقوا فُؤادي وأبقَوا في الحَشا حُرَقاً
للهِ مــا أَخَــذوا مــنّــي ومــا تَـركـوا
3
لمّـا بـكَـوا لا بـكَـوا والرَّكْـبُ مُرتحلٌ
مـن لَوعـةٍ ضـحـكَ الواشـونَ لا ضَـحِـكـوا
4
زَمُّوا وقــد سَــفَـكـوا دَمـعـي ركـائبَهـمْ
فــكـدْتُ أُغـرِقُ مـا زمُّوا بـمـا سَـفَـكـوا
5
وراعَــنــي يــومَ تَــشْـيـيـعـي هَـوادجَهـمْ
والعـيـسُ مـن عَـجَـلِ فـي السّـيْـرِ تَبتَرِك
6
سِــتــرانِ سِـتْـرٌ عـنِ الأقـمـارِ مُـنـفَـرِجٌ
يُـــبـــدي وآخــرُ للعُــشّــاق مُــنــهَــتِــك
7
ثُــمّ انــثَـنَـيْـنـا ومـا مـن راحـلٍ أَثَـرُ
إلا خــيــالٌ بــرَحْـلي فـي الدُّجَـى سَـدِك
8
أَضُــمُّ جَــفــنــي عـليـه حـيـنَ يَـطْـرُقُـنُـي
كـــمـــا يُـــضَـــمُّ عــلى وَحــشــيَّةــٍ شَــرَك
9
مـا روضـةٌ أَضـحـكَـتْ صُـبـحـاً مـبَـاسِـمَهـا
دُمــوعُ قَـطْـرٍ عـليـهـا اللَّيـلَ تَـنـسـفِـك
10
فــالنّــرجِــسُ الغَــضّ عَـيـنٌ كـلُّهـا نَـظَـرٌ
والأُقـــحـــوانـــةُ ثَـــغــرٌ كُــلُّه ضَــحِــك
11
وللشّــــقــــائقِ زِيٌّ وسْــــطَهــــا عَـــجـــبٌ
إذا تـــمـــايَــلْنَ والأرواحُ تــأتَــفِــك
12
حُــمْــرُ الثِّيـِابِ تُـطـيـرُ الرّيـحُ شـائلةً
أَذْيــالَهــا وهْــيَ بــالأَزْرارِ تَـمـتَـسِـك
13
إذا الصَّبــا نَــبَّهــَتْ أحـداقَهـا سـحَـراً
حَــسِـبْـتَ مِـسْـكـاً عـلى الآفـاقِ يَـنْـفَـرِك
14
أَنَــمَّ طِــيــبــاً وحَـلْيـاً مـن تـرائِبـهـا
إذا اعـتَـنـقْـنـا وخَـيـلُ اللّيـلِ تَعتَرك
15
وللسّــمــاءِ نــطــاقٌ مــن كَــواكِــبــهــا
عُــقــدْنَ مــنــه عــلى أعـطـافـهـا حُـبُـك
16
قـد أشْـعَـلَ الشّـيْـبُ رأسـي للبِلى عَجِلاً
والشّـمـعُ عـنـد اشْـتـعالِ الرّأسِ يَنْسبك
17
فــإن يَــكُــنْ راعَهــا مــن لَونــهِ يَـقَـقٌ
فــطــالمــا راقَهــا مــن قَــبْــلِه حَــلَك
18
عَــرفْــتُ دهــري وأهــليــه بــبــادرتــي
مـن قَـبـلِ أن نَـجّـذَتْـنـي فِـيـهـمُ الحُنَك
19
فــلا حَــســائكَ فــي صَــدري عــلى أَحــدٍ
مــنــهــم ولا لَهـمُ فـي مَـضْـجَـعـي حَـسَـك
20
ولا أُغَـــرُّ بـــبِـــشـــرٍ فـــي وجُـــوهِهــمُ
وربّـــمـــا غَـــرَّ حَـــبٍّ تـــحـــتــه شَــبَــك
21
ســارتْ مــطـايـا رجـائي فـيـهـمُ فـغـدَتْ
رَزْحَـي مـن اليـأسِ حـتّـى مـا بـهـا حَرَك
22
أُنــيــخُهــا ضَــلّةً مــنــهــمْ إلى عُــصَــبٍ
حاشا الكرامَ إذا سِيلو النّدى وَعِكوا
23
ويَـــتـــركُ الحِــلْمُ مــنّــا لُدَّ ألسِــنــةٍ
وهُــنّ كــاللُّجـمِ فـي الأفـواهِ تَـنـعـلِك
24
ورُبَّ طــائفــةٍ لم يــكــظِــمـوا فـشـكَـوْا
أقـلَّ شـيـءٍ كـمـا لم يـكْـرُمـوا فَـشُـكُوا
25
إلاّ تــكُــنْ مُــســكــةٌ للمــالِ مُـقـنـعـةٌ
فـالعـقـلُ والصّـبـرُ عـنـدي مـنهما مُسَك
26
حــتّــى مــتَـى وإلى كـم يـا زمـانُ أَرى
مـنـك الخـطـوبَ بـجَـنْـبـي وهْـي تَـنـعـرِك
27
أَبــعْـدَ عـدلِ نـظـامِ المُـلكِ تَـحـمِـلُ لي
ذَحْـــلاً وخـــلْفَــك مــنــه ثــائرٌ مَــحِــك
28
أَغَــرُّ لا مَــجــدُه المَــحــسـودُ مُـشـتَـرَكٌ
كَــلاّ ولا مــالُه فــي الجـودِ مُـشـتـرَك
29
فَـــمـــجــدُه خــالصــاً دونَ الأنــامِ له
ومـــالُه خـــالصـــاً للوَفْـــدِ مُــمْــتَــلَك
30
يــا مُـتـعِـبـاً نـفـسَه فـي أن يُـسـاجِـلَه
أيــنَ السّــمــاكُ إذا قـايَـسْـتَ والسَّمـك
31
دَعُـوا الوِزارةَ عـنـكـمْ تَـربَـحوا نَصَباً
فـالحَـبـلُ فـي الدُّرّ مِـمّـا ليـس يَـنْسَلِك
32
وَرِثْــتُــمُ يــا بَـنـي إسـحـاقَ مَـنْـصـبَهـا
فــمــا لغَــيــرِكــمُ فــي إرثِــكــم شِــرَك
33
أنـتـمْ فَـرازيـنُ هـذا الدَّسْـت نَـعـلَمُكُمْ
وهـــمْ بَـــيـــاذِقُه إن صُـــفَّ مُـــعـــتَــرَك
34
فــمــا تَــفــرْزنَ مــنــهـم بَـيـذَقٌ أبـداً
إلاّ غــدا رأسُه فــي التُّرْبِ يَــنــمَـعِـك
35
كــم رامَ أن يــتَــعــاطـى ذاك غـيُـركـمُ
فــخــاضَه تــائهٌ فــي الغَــىِّ مُــنــهَـمِـك
36
وقـــام بـــالأمــرِ لكــنْ قــائمٌ عــجَــبٌ
كــمــا تُــريــكَ خـيـالَ القـائمِ البِـرَك
37
حـــتّـــى أُعــيــدَتْ إلى ذي مِــرَّةٍ يَــقِــظٍ
مــن الّذيـن إذا هَـمّـوا بـهـا فَـتـكـوا
38
أمـا تَـرى مـا رأى السُّلـطـانُ مُـرتَضياً
فـــي مُـــلكِه كُــلُّ مــا يــأتــي وَيــتَّرك
39
ألقَــى إليــك الّذي ألقَــى أبــوه إلى
أبـيـكَ فـي المُـلْكِ والأحـوالُ تَـشـتَـرِك
40
فــلا يَــزلْ مُــمْــتَــعــاً كُــلٌّ بــصـاحـبِه
ولا تَــزلْ هــذه الأنــســابُ تَــشــتَـبِـك
41
فــلم يُــصــادِفْ وزيــرٌ مــثــلَه مَــلِكــاً
ولم يُـــصـــادِفْ وزيـــراً مـــثــلَه مَــلِك
42
فـــي دَسْـــتِه قَـــمـــرٌ فــي دِرعــهِ أَســد
فـــي حَـــفْـــلِه مَـــلِكٌ فـــي ســـرِّه مَــلَك
43
إذا عَــددْنــا سِــنــيــهِ فـهْـو مُـقـتَـبِـلٌ
وإنْ ذكــرْنــا حِــجــاهُ فــهْــو مُـحـتَـنِـك
44
تَــظــلُّ فــي كَــفّه الأقــلامُ مــن كَــرَمٍ
للنّــاسِ أسـخَـى مـنَ الأحـلامِ تَـنـشـبِـك
45
تَـسـعَـى له مـثْـلمـا يَسعَى الزّمانُ لها
كُــــلٌّ بــــهــــامَـــتـــه مـــاشٍ له حَـــرِك
46
جَـذْلانُ يَـرْمـي العِـدا بـالخـيلِ عاديةً
مُــشــيــحـةً فـوقَهـا الأبـطـالُ والشِّكـَك
47
يَــظــلُّ يَــنــفَــحُ مــن أعــراضِهــم عَـبَـقٌ
وللحـــديـــدِ عـــلى أثـــوابِهـــم سَهَـــك
48
كــــأنّ أوجُهَهـــمْ والرَّوعُ يَـــبـــذُلُهـــا
عِــزّاً دَنــانـيـرُ لم تُـنـقَـشْ لهـا سِـكَـك
49
مــن كُــلِّ أَزْهـرَ مـثْـل النّـجـمِ يَـحـمـلُه
طَــودٌ له اللّيــلُ مِــسْـكٌ والضُّحـَى مَـسَـكُ
50
حــتّــى رأَوْهــا أُســوداً مــا بِهـا عَـزَلٌ
تُــزيــرُ فــوق جــبــالٍ مــا بـهـا صَـكَـك
51
طــرَقْــنَ حــيَّ العــدا فـي عُـقْـرِ دارِهـمُ
والنّـومُ مْـلء ُجُـفـونِ القَومِ لو تُرِكوا
52
والطَّعـنُ يَـنـسِـجُ أشـطـانَ القـنـا ظُلَلاً
تُـلقَـى عـلى فُـرَجِ الحُـجْـبِ الّتي هَتَكوا
53
إلى ذُراكَ قِــوامَ الدِّيــنِ ســارَ بــنــا
خُـوصٌ كـمـا اصـطَـفَّ مـن نَخْلِ القُرَى سِكَك
54
مُـدَّتْ عـلى اسْـمِـكَ أطـرافُ الحـبالِ لها
وأُغْــشِــيَــتْ أُخْــريَــاتُ الأرحُــلِ الوُرك
55
وثَـــوَّروهُـــنّ أدْنَـــى خَـــطْــوِهــا سَــفَــرٌ
شَــوقــاً إليــك وأبــطــا مَــرِّهــا رَتَــك
56
تَــسْــري طَــوالبَ أيــديــهـا بـأرْجُـلِهـا
مَـــدَّ اللّيـــالي فـــلا فَـــوْتٌ ولا دَرَك
57
حــتّــى تَــرى مَــلِكــاً تَــشْـفَـى بـرَؤْيـتِه
مـــن الزّمـــانِ صُــدوراً كــلُّهــا حَــسَــك
58
يَـــحُـــطُّ قــومــاً ويَــعــلو آخَــرونَ بــه
كــمــا يُــديــرُ نُـجـومَ اللّيـلةِ الفَـلَك
59
اليــومَ عــاش نــظــامُ المُـلْكِ ثـانـيـةً
وكـم مَـعـاشـر عـاشـوا بـعـدَ ما هَلَكوا
60
فـاللهَ نَـسـألُ أن يُـبـقـيـكَ مـا بَـقـيَتْ
آثــارُه فَهْــي حَــبْــلٌ ليــس يَــنْــبَــتِــك
61
وهــاكَهــا تُــوقــرُ الحُــسّـادَ مـن كَـمَـدٍ
كــأنّــمــا هــيَ فــي أســمــاعـهـمْ سِـكَـك
62
قَـــوافـــيــاً بــدويّــاتٍ ومــا بــعَــثَــتْ
بــهــا مــن البَــدْوِ لا عُــرْضٌ ولا أَرَك
63
جــاءتْ بــهـنّ يـدٌ بـيـضـاءُ فـانـتـظـمَـتْ
زُهْــراً تَــلقَّفــُ للأقــوامِ مــا أَفِـكـوا
64
زُفّـتْ إلى أحـمـدَ المـحـمـودِ واجـتـنَبتْ
قَـومـاً إذا خَـطَـبـوا أبـكـارَهـا فُرِكوا
65
يــا مُـدرِكـاً رُتَـبـاً مـا بـعـدَ ذِرْوتِهـا
إلاّ الدّوامُ فَــــدُمْ للمَــــجْـــدِ تَـــدَّرك
66
سِـحْـرٌ مـن الشِّعـْرِ أعـجَـزْتُ الفُـحـولَ به
وأعــجــزَتْــنــيَ حــتّــى بِـعْـتُهـا الرَّمَـك
67
لمّـــا دُفِـــعْــتُ إلى دَهْــرٍ تَــنــمّــرَ لي
بــرائعــاتٍ فــأَمْــرِي بــيــنــهــا لَبِــك
68
العَــقْــلُ فــيــه عِــقـالٌ والسُّدادُ سُـدىً
والفَــضْــلُ فــيــه فُـضـولٌ والنُّهـى نَهِـك
69
قـد بِـعْـتُ طِـرْفـي وهـذا مِـطْـرَفِـي وغـداً
أَبــــيـــعُه ولِطَـــرْفِـــي أدمُـــعٌ سُـــفُـــك
70
مَـدْحـي المـلوكَ وأكْـلي الكَـفَّ مُـقتنعاً
هــذا لعَــمــرُكَ فــي أيّــامــكــمْ هُــتَــك
71
فـاسـمَـعْ مـقـالي رعـاكَ اللهُ مـن مَـلكٍ
واعْــدِلْ فــعَــبْــدُك دهــري ظــالمٌ مَـعِـك
72
طــال المُــقـامُ ونـالَ الصّـبـرُ غـايـتَه
وتــاهَ فــي أمــره حَــيــرانُ مُــرتــبِــك
73
فـاعْـطِـفْ فـإنّ حِـمَـى العـليـاء مُـنْـتَهَبٌ
إن لم تُــغِـثْ وحَـريـمَ المـجـدِ مُـنْـتَهِـك
74
وأْمُــرْ بــهــا بِــدَراً يُـنـحَـرنَ تـامِـكـةً
كــمــا يُــقــرَّبُ عــنـد المَـوسـمِ النُّسـك
75
واعْــدُدْ بــكــفَّيــك أعــيــاداً مُـعـاودَةً
مـا دام جُـنـحُ الدُّجَـى بـالصُّبـحِ يَحتبِك
تعليقات القراء 0