رأينا عجيباً والزّمانُ عجيبُ
للشاعر ناصح الدين الأرجاني
1
رأيــنــا عــجــيـبـاً والزّمـانُ عـجـيـبُ
رجــــالاً ولكــــنْ مــــالَهُــــنَ قــــلوبُ
2
تَــمــاثـيـلُ فـي صَـخْـرٍ نَـحـيـتٍ كـأنّهـا
بـــنـــو زمــنٍ لم يُــلفَ فــيــه أريــب
3
نَـزْلنـا وُفـوداً فـي حِـمـاها ولم يكن
لنـا مـن قِـراهـا فـي الوفـود نَـصـيب
4
وَمَــنْ يــكُ مُــلْقَـى رَحْـلِهِ عـنـد سُـوقـةٍ
له وَرِقٌ للزّائريــــــــنَ رطـــــــيـــــــب
5
فــنــحــن لدى كِــسـرى أبَـرويـزَ غُـدوةً
نُــــزولٌ ولكــــنّ الفِـــنـــاءَ جَـــديـــب
6
بــظـاهـرِ قَـرمـيـسـيـنَ والرَّكـبُ مُـحـدقٌ
حَـــوالَيْهِ فـــيـــهـــم جَــيــئةٌ وذهُــوب
7
لدى مَـــلِكِ مـــن آلِ ســاســانَ مــاجــدٍ
وَقــورٍ عــليــه التّــاجُ وهْــو مَهــيــب
8
وقــد ظَــلّ بــيــنَ المُـوبـذان مـكـانَه
وشِــيــريــنَ للأبــصــارِ وهْــو قــريــب
9
مـكـانَ المُـنـاجـي مـن خليلَيْهِ واقفاً
وإن عّــزَّ مــنــهــم ســامــعٌ ومــجــيــب
10
يــرُونَــكَ مــن تـحـتِ الحـوادثِ أَوجُهـاً
بــهــا مــن تـصـاريـف الزمـان شُـحـوب
11
وقـامـوا عـلى الأقـدامِ لا يَعتَريهمُ
مَـدى الدهـرِ مـن طـول القـيـام لُغوب
12
عــليــهـم ثـيـابٌ لَسْـنَ مُـجـتـابَ لابـسٍ
ولكــنْ مــن الصَــخْــر الأصَــمِّ مَــجــوب
13
تُــعُــجِّبــَ مــنـهـا كـيـف جُـرَّ لِمـثْـلهـا
ذيـــولٌ لهـــم أم كـــيـــفَ زُرَّ جُــيــوب
14
وقــد شَــخَــصــتْ للنــاظِـريـن بَـواديـاً
صُــدورٌ لهــم مــن تــحــتــهــا وجـنُـوب
15
كــمـا تَـصِـفُ الأعـضـاءَ يـومـاً غـلائلٌ
إذا كــان فــيــهــا للريــاحِ هُــبــوب
16
ومــن تــحــتـه شَـبْـديـزُ نـاصِـبُ جِـيـدهِ
ومُــنــتَــفِـضٌ فـي الوجـهِ مـنـه سَـبـيـب
17
ومُــســبَــلُ ضــافٍ بــيـن حـاذَيْهِ مُـرسَـلٌ
له خُــــصَـــلٌ مـــالتْ بـــه وعَـــســـيـــب
18
ثـنـى سُـنْـبُـكـاً منه عنِ الأرض صافناً
وهــيــهــاتَ مــنــه أن يــكـونَ خـبـيـب
19
تُــؤُمّــلَ مــنــه كــيــف نــسْــجُ حِـزامـه
فـــيَـــصــعَــدُ فــيــه نــاظِــرٌ ويَــصــوب
20
وقــد بــان حــتّــى عِـرقُه تـحـت جِـلْدهِ
وإن لم تَــبِــنْ فــي صَـفْـحَـتْـيـهِ نُـدوب
21
تَــرى كــلَّ عُــضْــوٍ مـنـه أُكـمـلَ صُـنـعْهُ
فــلا شــيـءَ إلاّ الروحَ مـنـه تَـغـيـب
22
وفــــارِسُه شـــاكـــي الســـلاحِ مُـــدَرَّعٌ
عــلى الأرضِ للرُمْــحِ الأصــحِّ سَــحــوب
23
يُـــخَـــيّـــلُ للرائي زمـــانُ حــيــاتــه
فــيَــعــلَقُ مــنــه بــالفــؤادِ وَجــيــب
24
ومِــن حَــوْله مـن كـلِّ مـا اللهُ خـالقٌ
تَــمــاثــيــلُ مــا فـي نَـحْـتِهـنَّ عُـيـوب
25
سَــمــاءٌ ذُراهــا بــالنــجـومِ مُـنـيـرةٌ
وأرضٌ ثَـــراهـــا بــالرِيــاضِ خَــصــيــب
26
ومُـــقـــتَــنَــصٌ فــيــه الجــوارحُ سُــرَّبٌ
تَـــطـــيــر وتَــعــدو والوحــوشُ سُــروب
27
ومـــن كـــلِّ أَنــواع الأنــامِ مُــصــوَّرٌ
شـــبَـــابٌ وشُــمْــطٌ يَــمــرحــونَ وشِــيــب
28
ومَــجــلسُ أُنْــسٍ يُــفْـسِـحُ الطَـرفَ مِـلْؤه
قــــيـــانٌ تُـــغـــنِّيـــ وَسْـــطَهُ وشُـــروب
29
وصَــرْعَــى وقَـتْـلَى فـي قـتـالِ عـسـاكـرٍ
تَــــحــــولُ حــــصــــونٌ دُونَهــــم ودُروب
30
فــمِــن جــانــبٍ أَضــحــتْ تُـصَـبُّ مُـدامـةٌ
ومـــن جـــانــبٍ أَضــحَــتْ تُــشَــبُّ حــروب
31
خَـــليـــطــانِ هــذا للقــراعِ مُــعَــبَــسٌ
يَــــصــــولُ وهـــذا للسّـــمـــاع طَـــروب
32
وقـد حـقـقَّوا التـصـويـرَ حتّى وجوهُهم
يَــبــيــنُ لنــا بِــشْــرٌ بــهــا وقُـطـوب
33
وكـــلٌّ يُـــعــانــي شُــغْــلَه غــيــرَ أنّه
عــــلى فَـــمِه دونَ الكـــلام رَقـــيـــب
34
مَــلاعــبُ فـيـهـا المَـلْكُ رامٍ بـطَـرْفِه
وكــلُّ ابْــنِ دُنْــيــا إن نَــظـرْتَ لعـوب
35
وعــاشــوا طــويـلاً ثُـمَّ فّـرَّقَ شَـمْـلَهـم
زَمـــــانٌ أكـــــولٌ للأنـــــامِ شَـــــروب
36
فــلولا مَــكـانُ الدِيـنِ قَـلَّ لفَـقـدِهـم
بُــكــاءٌ لنــا فــي إثْــرهــم ونَــحـيـب
37
مُــلوك أقــامــوا مـا أقـامـوا أعـزّةً
وقــد شــعَــبــتْهــم بــعــد ذاكَ شَـعـوب
38
وُخـــيّـــل للرّائي ليــذكُــرَ عــهْــدَهــم
خــيــالٌ لعــمــري إن رأيــتَ عــجــيــب
39
خـــيـــالٌ لهــم يُهْــدَى إلى كُــلِّ أُمَــةٍ
لقـــصْـــد اعــتــبــارٍ إن رآه لَبــيــب
40
ومــا هـو بـالطّـاوي السُّهـوب وإنّـمـا
لكــي يُــجــتــلَى تُــطــوىَ إليـه سُهـوب
41
سَـيـبْـقَـى ويَـفْـنَـى النـاظِرون وتنقضي
قــبــائلُ حــتّــى يــنــقــضــي وشــعــوب
42
ولا بُــدّ يــومــاً مــن فَــنــاءٍ مُـقَـدّرٍ
سَـــنُـــدْعَــى إليــه دَعــوةً فَــنُــجــيــب
43
أُحِـــبُّكـــَ يــا كــســرى لعــدْلك وحــدَه
وديـــنُـــكَ مَـــشـــنـــوءٌ إلى مَـــعــيــب
44
ومَــعْــبــودُكــم نــارٌ ومَــورِدُكـم غـداً
فــســوفَ تَــرَى العُــبّـادَ كـيـف تُـنـيـب
45
ونـحـن سَـبـقْـنـا الأعـجَـمـيِـنَ بمُلكها
ومــا كــان مــنــهــم للبــلادِ وثُــوب
46
بَـدأنـا وعُـدْنـا فـانـتـزَعْـناهُ ثانياً
فــللمُــلْكِ فــيــنــا ســابِــقٌ وجَــنـيـب
47
مُلوكٌ من العُرْب الكرامِ إذا انتموا
تَـــبـــلّجَ مـــنـــهـــم مـــالِكٌ وعَــريــب
48
ومـا فـي بـنـى مـاءِ السـمـاء أُشـابَةٌ
تُــعَــدُّ وهــل مــاءُ السّــمــاءِ مَــشــوب
49
فـلاحـظْ غـداةَ الافـتـخـارِ نـصـابَـنـا
أمــن مــثــلِه للأعــجَــمــيــن نَــصـيـب
50
هُـمُ عَـمـروا الدُنـيـا ولاديـن عندهم
زمــانــاً وإهــمــال الديــانــة حــوب
51
ونـحـن عـمـرنـا الديـن أوَّل مـا بـدا
ولم تــــكُ دُنْـــيـــا للرِّجـــالِ خَـــلوب
52
وذا زَمَــنٌ مــا مـنـهـمـا فـيـه عـامـرٌ
فــصْــبــراً وغــيَــري يـا أُمـيـمَ كـذوب
53
فـإن سـاءنـا ذا الأمـرُ إذ هو مُبْهَجٌ
فــقــد سَــرَّنــا مـا شـئْت وهْـو قَـشـيـب
54
عـسـى زمـنٌ يـثْـنِـي لنـا العِـطفَ مُنجِبٌ
فـمـا فـي بـنـي هـذا الزّمـانِ نَـجـيـب
55
تَـنـاهـى بـيَ الإيـحـاشُ مـنـهم فكلُّهم
وإن أظــهــر الودَّ الكــثــيــر مُـريـب
56
وآنَــســنــي نَــحـتٌ مـن الصْـخـرِ مـاثـلٌ
مُــقــيــمٌ عــن الأبـصـار ليـس يَـغـيـب
57
عَـديـمُ الأذى طَـبْـعاً ولا عيشَ للفتى
بــقُــرْبِ امــرىءٍ يُـخـشَـى أذاه يَـطـيـب
58
غَـدا قـائمـاً يَـقـري الرّجـالَ تـأسّـياً
إذا ضـــافَه نـــائي الدّيــارِ غَــريــب
59
فـلولا الذي خـلْفَ النّـوى مـن علائقٍ
أقـــمـــتُ لديــه مــا أقــام عَــســيــب
60
وهـل مُـنْـكِـرٌ إن كـان بـالنّـاس قـاسه
أخــو نَــظْــرةٍ يــرْمــي بـهـا فَـيُـصـيـب
61
وأبـنـاءُ هـذا العـصـرِ أيـضـاً جـلامدٌ
تُـــريـــك جـــســـومــاً مــالهــنَّ قــلوب
62
وقـد مُـسِخوا فاسَتحْجَروا حين أصبحوا
عُــصــاةَ المــعــالي والعِــقـابُ ضُـروب
63
فـإن خُـلِقـوا فـي الخيرِ صَخْراً فإنّهم
إلى الشــرِّ سَــيــلٌ إن أهــابَ مُهــيــب
64
وأســعَــدُ عــنـد العـقـلِ شَـخْـصٌ مُـمَـثّـلٌ
وكُــلٌّ إلى عُــقْــبَــى الفَــنــاء يَــؤوب
65
أقـــامَ خـــليّــاً مــا أقــامَ مُــعــمَّراً
ومَـــرَّ ولم تُـــكْـــتَـــبْ عــليــه ذُنــوب
تعليقات القراء 0