هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

رمت مسمعي ليلاً بأنّه مؤلَم

للشاعر معروف الرصافي

1
رمــت مــســمــعـي ليـلاً بـأنّه مـؤلَم
فـألقـت فـؤادي بـيـن أنـيـاب ضـيغم
2
وبـاتـت تـوالي فـي الظلام أنينها
وبــتّ لهــا مُــرمــىً بــنـهـشـة أرقـم
3
فـيـهـفـو بـقـلبي صوتها مثلما هفت
بــقــلب فــقــيـر القـوم رنّـةُ درهـم
4
إذا بـــعـــثــت لي أنّــةّ عــن تَــوَجُّع
بــعــثــت إليــهــا أنّــةً عــن تــرحُّم
5
تـقـطـع فـي الليـل الأنـيـن كـأنّها
تــقــطّــع أحــشــائي بــســيــف مُـثَـلَّم
6
يـهُـزّ نـيـاطَ القـلب بـالحزن صوتُها
إذا اهـتـزّ في جوف الظلام المخيّم
7
تــردّده والصــمـت فـي الليـل سـائد
بــلحــن ضـئيـل فـي الدُجُـنَّةـ مُـبـهَـم
8
كـأنّ نـجـوم الليـل عـنـد ارتجافها
تُـصـيـخ غـلى ذاك الأنـيـن المُجَمْجَم
9
فـمـا خـفـقـان النـجـمِ إلاّ لأجـلها
وما الشهب إلاّ أدمع النجم ترتمي
10
لقـد تـركـتـنـي مُـوجَعَ القلب ساهراً
أخـــا مَـــدمَـــع جـــار ورأس مــهــوَم
11
أرى فـحـمـة الظـلمـاء عـند أنينها
فــأعــجــب مـنـهـا كـيـف لم تـتـضـرّم
12
فـأصـبـحـتُ ظمآن الجفون إلى الكرى
وإن كـنـت ريّـان الحـشـا مـن تألُّمي
13
وأصـبـح قـلبـي وهو كالشعر لم تدع
له شـــعـــراء القــوم مــن مُــتَــرَدَّم
14
وبـيـت بـكـت فـيـه الحـيـاة نـحـوسةً
ولاحــت بــوجــه العـابـس المُـتَـجَهِّم
15
بـه ألقـت الأيـامُ أثـقـالَ بـؤسـهـا
فـهـاجـت بـه الأحـزان فـاغِرة الفم
16
كـأنّـي أرى البـنـيـان فـيـه مـهدَّماً
ومــا هـو بـالخـاوي ولا المـتـهـدّم
17
ولكـــنّ زلزال الخـــطــوب هــوى بــه
إلى قـعـر مـهـواة الشـقـاء المجسَّم
18
دخـلتُ بـه عـنـد الصـبـاح على التي
سـقـاني بكاها في الجدى كأس علقم
19
فــألقــيـتُ وجـهـاً خـدّد الدمـعُ خـدَّه
ومــحــمــرَّ جَــفـن بـالبـكـار مُـتَـورَمَّ
20
وجـسـمـاً نـحـيـفـاً أنـهـكـتـه هـمومُه
فــكــادت تـراه العـيـنُ بـعـضَ تَـوَهُّم
21
لقـد جَـشَـمـتْ فـوق التـرابِ وحـولهـا
صــغــرٌ لهــا يـرنـو بـعـيـنـيْ مُـيَـتَّم
22
تـراه ومـا أن جـاوز الخـمـسَ عـمرُهُ
يُــديــر لحــاظ اليــافـع المـتـفّهِـم
23
بـكـى حـولهـا جـوعـاً فغذّته بالبكا
وليــس البــكــا إلاّ تَــعِــلَّةَ مُـعـدِم
24
وأكبر ما يدعو القلوبَ إلى الأسى
بـــكـــاءُ يــتــيــم جــائع حــول أيِّم
25
وقــفــتُ وقــد شـاهـدت ذلك مـنـهـمـا
لمــريـم أبـكـى رحـمـةً وابـن مـريـم
26
وقـفـت لديـهـا والأسـى فـي عيونها
يــكــلمــنــي عــنــهــا ولم تــتـكـلّم
27
وسـاءلتـهـا عـنـهـا وعـنـه فـأجـهَشَتْ
بـكـاءً وقـالت أيـهـا الدمـع تـرجِـم
28
ولمـا تـنـاهـتْ فـي البـكاء تضاحكت
مـن اليـأس ضـحـك الهـازئ المـتهكّم
29
ولكـن دمـوع العـيـن أثـنـاء ضحكها
هـواطـل مـهـمـا يـسـجـم الضحك تسجم
30
فـقـد جـمـعتْ ثغراً من الضحك مُفعَماً
إلى مَـحْـجِـر بـاك مـن الدمـع مـفـعم
31
فـتُـذرىِ دمـوعـاً كـالجـمـان تـناثرت
وتـضـحـك عـن مـثـل الجـمـان المنظَّم
32
فـلم أرَ عـيـنـاً قـبـلها سال دمعها
بــكــاءً وفــيـهـا نـظـرة المـتـبـسّـم
33
فـقـلت وفـي قـلبـي مـن الوجد رعشةٌ
أمــجــنــونــة يـا ربّ فـارحـم وسـلّم
34
ومـذ عـرضـت للإبـن مـنـها الْتِفاتةٌ
أشــارت إليــه بــامــدامــع أن قْــم
35
فـقـام إليـهـا خائر الجسم فانثنت
عــليــه فــضــمّــتــه بــكــفّ ومِــعـصـم
36
وظــلّت له تــرنــو بــعــيــنِ تـجـوده
بــفَــذّ مــن الدمـع الغـزيـر وتَـوْءَم
37
فــقــال لهــا لمــا رآنــيَ واقــفــاً
اردِّد فـــيـــه نـــظـــرةٍ المـــتـــوسِّم
38
سلى ذا الفتى يا أم أين مضى أبي
وهـل هـو يـأتـيـنـا مـسـاءً بـمَـطْـعَـم
39
فـقـالت له والعـيـن تـجـري غروبها
وأنــفـاسـهـا يَـقـذِفـنَ شـعـلة مُـضـرَم
40
أبــوك تــرامــت فــيـه سـفـرة راحـل
إلى المـوت لا يـرجى له يومُ مَقْدَم
41
مـشـى أرمـنـيّاً في المعاهد فارتمتْ
بـه فـي مـهـاوى المـوت ضـربةُ مسلم
42
عــلى حــيــنَ ثــارت للنـوائب ثـورةٌ
أتـت عـن حزازات إلى الدين تنتمي
43
فـقـامـت بـهـا بـيـن الديـار مذابح
تــخـوَّض مـنـهـا الأرمـنـيّـون بـالدم
44
ولولاك لاخــتـرت الحِـمـام تـخـلّصـاً
بــنــفــســيَ مـن أتـعـاب عـيـش مـذمَّم
45
فــأنــت الذي أخّــرت أمــك مــريـمـاً
عــن المـوت أن يـودي بـامـك مـريـم
46
أمـريـم مـهـلاً بـعـضَ مـا تـذكـريـنه
فــإنــك تــرمــيــن الفـؤاد بـأسـهـم
47
أمـــريـــم أن اللّه لا شــك نــاقــمٌ
مـن القـوم في قتل النفوس المحرَّم
48
أمــريــم فـيـمـا تـحـكـمـيـن تـبـصَّري
فـإن أنـت أدركـتِ الحـقيقة فاحكمي
49
فــليــس بــديــن كـلُّ مـا يـفـعـلونـه
ولكــــنّه جــــهــــل وســــوء تـــفـــهُّم
50
لئن مـلؤوا الأرض الفـضاء جرائماً
فـهـم أجـرمـوا والديـن ليـس بمجرم
51
ولكـنـهـم فـي جِـنـح ليـل مـن العمى
تـمـشّـوا بـمـطـمـوس العـلائم مـبـهَم
52
وقـد سـلكـوا تَـيْهاء من أمر دينهم
فـكـم مُـنـجِـدٍ فـي المـخـزيات ومُتْهِم
53
ولمـا رأيـت اللَوم لؤمـاً تـجـاهـها
ســـكـــتُّ فــلم أنــبِــسْ ولم أتــبــرَّم
54
وأطـرقـتُ نـحـو الأرض أطـلب عـفوها
ومـا أنـا بـالجـانـي ولا بـالمتيَّم
55
وظــلتُ لهــا أبـكـي بـعـيـن قـريـحـة
جـرت مـن أمـاقـيـهـا عـصـارةُ عـنـدم
56
بــكــيـت ومـا أدري أأبـكـي تـضَـجُّراً
مـن القـوم أم أبـكـي لشِـقـوة مريم

عن القصيدة

«رمت مسمعي ليلاً بأنّه مؤلَم» قصيدة للشاعر معروف الرصافي، أحد شعراء العصر الحديث، عدد أبياتها 56 بيتاً ، نُظمت على البحر الطويل ، وقافيتها على حرف الرويّ «م». مطلعها: «رمــت مــســمــعـي ليـلاً بـأنّه مـؤلَم ... فـألقـت فـؤادي بـيـن أنـيـاب ضـيغم». ولـمعروف الرصافي قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

قصائد أخرى من البحر الطويل

تعليقات القراء 0