فوق هذي الربا أقمت وحيدا
للشاعر صالح الشرنوبي
1
فــوق هـذي الربـا أقـمـت وحـيـدا
ومــعـى مـعـزفـي صـمـوتـا جـهـيـدا
2
أتــمـلّى الحـيـاة بـدءاً عـجـيـبـاً
وأحِــسُّ الخــتــام بــدءا جــديــدا
3
حــلقــات مــن الزمــان تــغــايَــر
نَ وإن كـــان صـــوغُهـــن فـــريــدا
4
القـــرون التـــي مـــضـــت والتــي
تـأتـي سواء إذا نسينا القيودا
5
وبـنـو الأرض مـثـل ذرّاتها الغَب
راء تـأبـى ألوانُهـا التـجـديـدا
6
وحّـدتـهـم آلامـهم وأمانيّهم وإن
لم يـــحـــقّـــقـــوا التـــوحـــيــدا
7
فـأنـا أنـت حـيـن تـسـمـو وأسـمـو
فــوجــودي يــتــمُّ فــيـك الوجـودا
8
أمُّ كــلّ الأنــام قَــبــضــة طــيــنٍ
فـاعـذر النور إن أبي أن يزيدا
9
وانـظـر الأرض كيف تجمعُنا الأر
ض مــصــيــراً وأعــظــمــا وجــلودا
10
فــالتــراب الذي يــصـيـر نُـصـارا
كــالتــراب الذي يــصـيـر حـديـدا
11
حـانـتـي عـالمُ الخواطر في نفسي
ودنــــــيـــــا الآمـــــال والآلام
12
خـمـرتـي مـا يُـراق مـن ذوب وجدا
نـــي وكـــاســي مــواكــب الأيــام
13
قَـذَفَـتـنـي الغـيـوب بـالرغـم منّي
فــي عُــبــاب مــن الحــوادث طــام
14
هــو بـحـر الحـيـاة سـطـحٌ وأعـمـا
قٌ وغــرقــى آمــالهــم مــن حـطـام
15
يــتــرامَــون تــائهــيــن حــيــارى
بـــيـــن مـــوت دان وعـــيــش دام
16
والمـقـاديـر كـالأعـاصـيـر تـهوى
بـالمـنـاكـيـد مـن ضحايا الأنام
17
فــاعــف عــنــي إذا جـهـلت فـإنـي
لسـت أدرى مـا غـايـتي أو مرامى
18
عـشـقـت نـفـسـهـا الحـقيقة فازدا
دت خــفــاءً وأوغــلت فـي الظـلام
19
حـيـن رُحـنـا نـحـن الظلال نراها
بــضــريــر العــقــول والأفــهــام
20
خَــنَــق الطـيـن والظـلام حِـجـانـا
فــعــمـيـنـا ومـا هـدانـا هـوانـا
21
نـحـن نرجو من الحقيقة أن تكشف
مــحــجــوبــهــا وتــبــدو عــيـانـا
22
حـيـن نـرجـو مـن الذي قـد بَرانا
أن نــراه فــي قـدسـه إذ يـرانـا
23
ويـحَـنـا كـالفراش حُمقاً وما أوه
ى حــمــاقـاتـنـا وأشـقـى خـطـانـا
24
الفـنـاءُ العـديـم يـطـمـع فـيـمـا
يــتــحــدّى إعــجــازه الإمــكـانـا
25
إنــمــا يــطــلب الأنــام مـرامـاً
سـوف يـبـقـى عـن الأنـام مـصـانا
26
قـتـل السـابـقين في الدهر يأساً
وطــواهــم مـن جـهـله مـا طـوانـا
27
ليـس شـيـئا أن تـشـتـهـى كـلّ شيءٍ
ضـاع مـن يـطـلب المُـحـال وهـانـا
28
فــدع السـرّ خـافـيـاً مـثـلمـا كـا
ن ولا تـسـأل الورى كـيـف كـانـا
29
وإذا شــئت أن تــعــيــش ســعـيـدا
فـاصـحـب الدهـر جـاهـلا غـفـلانا
30
إن أشــقــى الأحــيـاءِ والأمـواتِ
آدمـــيٌّ يـــعــيــش بــالفــلســفــات
31
يــتـمـنّـى الخـلود بـعـد المَـمـات
وهــو حــيّ مــعــذّب فــي الحــيــاة
32
تــنـظـر الكـائنـات فـيـه أخـاهـا
وهــو فــي ذاتـه أبـو الكـائنـات
33
ســاخـراً يـطـقـعُ الحـيـاة ويـلقـى
مـضـحِـكـات الأيـام كـالمُـبـكـيـات
34
سـادِراً والطـريـقُ شـتّـى المـناحى
وهــو فــي شــاغــلٍ عــن الغـايـات
35
يــتّــقــى حــيـن يـطـمـئن وقـد يـن
تــجـعُ الغـيـثَ فـي سـراب الفـلاة
36
يـحـسَـبُ النـاس وهـو مـنهم شياها
جــــــهـــــلوا أنّه إله الرعـــــاة
37
قل له إن قدرت ما أنت في الكو
ن ســـــــــوى ذرّة مـــــــــن الذرّات
38
غـايـة الغَـيـبِ أن تـكـون كما أن
تَ ســجــيــنــاً مـا بـيـن مـاضٍ وآتِ
39
ذلك الغـــيـــبُ أيّ شـــيـــءٍ تــراه
ظُــلِّل العــالمــون فـيـه وتـاهـوا
40
أنـا لا عـلمَ لي إذا كـان عـلمي
هـــو جـــهـــلي بـــكــائن لا أراه
41
كــائن كــلُّ كــائن مــنــه يــأتــي
وإليــه إذا انــتــهــى مـنـتـهـاه
42
وصــفــوه بــمــا أفــاءَ عــليــهــم
وهــمــو يــجــهــلون مــا فــحــواه
43
وعــلى قـدر مـا يـطـيـقـون خـافـو
ه وراحــوا يــســتــمــطـرون رضـاه
44
ويـــقـــول الذي تــمــرّد مــنــهــم
فــــتــــســــاوى ضــــلاله وهــــداهُ
45
ليـــس إلا أســـطــورةً ذلك الغــي
ب ومــــــــالي ولا لغــــــــري إله
46
وهو فوق المحدود إذ هو فوق ال
عــقــل فـالعـقـل شـارد فـي مـداه
47
وهـو البـحر والشواطىء والأسما
ك والدرُّ والحـــصـــى والمـــيـــاه
48
وأنــا فــي مــحــيــطـه مـوجـةٌ تـف
نـى فـلا يـحـتـفـى بـهـا شـاطـئاه
49
مــن تــرابٍ أنــا وغــيــري تــرابٌ
فـــخـــداعٌ مــا أشــتــهــى وكــذابُ
50
وهـــبـــاءٌ مــا نــلتــهُ ولو أنّــي
مــلك يـمـنـاي مـا يـظـلّ السـحـاب
51
إن بــــؤســــاً أنـــى ولدت وبُـــؤسٌ
أن أبَــــقّــــى وأن أمـــوت عـــذاب
52
لو أراد الذي له الأمـر أن نَـس
عــد مــا خـان والدَيـنـا الصـواب
53
عــصــيــا أمــره وكــان يــســيــراً
أن يـطـيـعـا لو لم يـجـفّ الكتاب
54
قــدَرٌ تــنــفــذُ المــشــيــئة فـيـه
وقــــــضـــــاءُ كـــــربَّهـــــ غـــــلّابُ
55
لســت أنــت الذي بـراك ولا أنـت
المــــريـــد المـــقَـــدِّرُ الوهّـــاب
56
فــدَع المــوجــة العــتـيَّةـ تُـجـري
كَ كــمــا شــاءَ بــحـرُهـا الصـخـاب
57
لا تـقُـل لَيـتـنـي وقـد نـفـذ الس
م فـمـا يـنـفـعُ العـطـاش السـراب
58
وارض بــالجــدِّ فــالســعـادةُ وهـمٌ
أزليٌّ ودعـــــــوة لا تُـــــــجــــــاب
59
كـم تـمـنّـيـتُ للمُـنـى أن تـكـونـا
وتــمــثّــلتُهــا لجَــدبــى عــيـونـا
60
لم تـكـن هـذه المـنـى لي لو كـا
نـت فـإنـي وهـبـتُهـا البـائسـينا
61
بــيــن جـنـيَّ خـافِـقٌ بـعـثَـرُ العـم
رَ دمــوعــا عـلى الورى وأنـيـنـا
62
أنــا للنـاس قـد خـلِقـت فـمـا أر
جـو لنـفـسـي إلا الذي يـفـضلونا
63
ولقـــد أســـكــبُ الدمــوع لبــلوا
هـم وهـم فـي مـنـاحـتـي ضـاحكونا
64
ربّــمــا فـوّقـوا السـهـام لقـتـلى
فــرَأَونــي أُبــارِكُ القــاتــليـنـا
65
غـــيـــر أنـــي أحـــبّهـــم وأُرَجّـــى
لهـم الخـيـر والهـدى واليـقـينا
66
وأراهـــم كـــأنّهـــم فـــي وجــودي
خــطــراتٌ تــأبــى عـليّ السـكـونـا
67
فـلهـم مـا أقـول من ملهم الشعر
طــروبــاً أو ثــائراً أو حــزيـنـا
68
فــليُــغــنّــوا بــه فــمـا هـو إلا
بـعـض مـا يـشـعـرون أو يُـلهـمونا
تعليقات القراء 0