قَد عِشتَ في الناسِ غَريباً وَها
للشاعر عبد الرحيم محمود
1
قَـد عِـشتَ في الناسِ غَريباً وَها
قَد مُتَّ بَينَ الناسِ مَوتَ الغَريبْ
2
وَالنـاسُ مُـذ كـانـوا ذَوو قَسوَةٍ
وَلَيــسَ لِلبــائِسِ فـيـهِـم نَـصـيـبْ
3
لَو كُــنــتَ فـي حَـبـلِكَ شَـنّـاقَهُـم
لَوَلْوَلُوا حُـزنـاً وَشَقّوا الجُبوبْ
4
أَو كُـــنـــتَ مِــن سِــلكٍ رَزّاقَهُــم
لَقـامَ عِـنـدَ السَـلِّ أَلفـا خَـطيبْ
5
وَنَــزَّهــوا حَــبــلَكَ عَــن عَــيــبِهِ
وَبَــلَّلوا السَــلَّ بِـذَوبِ القُـلوبْ
6
لكِــنَّكــَ الحَـمّـالُ لَم يَـطـمَـعـوا
فـيـكَ وَلَم يَخشوا أَذاكَ الرَهيبْ
7
رَغـــيـــفُــكَ الطــاهِــرُ غَــمَّســتَهُ
مِــن عَــرَقِ زاكٍ وَدَمــعِ صَــبــيــبْ
8
مــا كُـنـتَ سَـلّابـاً أَخـا غَـصـبَـةٍ
بَـل كُـنـتَ ذا حَـقٍّ سَـليـبٍ غَـصـيبْ
9
فَـرُحـتَ لَم يَـسـكُـب عَـلَيـكَ اِمـرؤٌ
دَمــعــاً وَلا قَـلبٌ رَفـيـقٌ يَـلوبْ
10
وَلَم يُـــوَدِّعـــكَ حَـــبـــيــبٌ وَقَــد
يُهَــوِّنُ الصَــعـبَ وَداعُ الحَـبـيـبْ
11
حَـــبـــلُكَ وَالسَــلُّ لَقَــد أَودَيــا
بِهَـيـبَةِ المَوتِ الوُقورِ الرَهيبْ
12
وَفــيـهِـمـا لَو أَنـصَـفـوا رِفـعَـةٌ
وَشــاهِــداً أَفـضَـلَ وَخَـيـرٍ وَطـيـبْ
13
قَـد مَـرَّ أَهلُ الدَربِ لَم يَأبَهوا
لِلمُهـمَـلِ المَطروحِ فَوقَ الدُروبْ
14
كَـم قَـد سَـأَلتَ النـاسَ ماءً فَلَم
يُــجِــبـكَ النَـزعُ شَـفـيـقٌ مُـجـيـبْ
15
أَو اِســتَــعَــنــتَ الطَــبَّ لكِـنَّمـا
لَم تَـمـلِك الأَجـرَ فَـفَرَّ الطَبيبْ
16
أَو رُبَّمــا أَوصَــيَـت أَو شِـئتَ أَن
تـوصـي فَـلَم يَـسـمَـعَك حانٍ قَريبْ
17
رُبَّ صَــــغــــيــــرٍ لَكَ خَــــلَّفــــتَهُ
مُــنــتَــظِــراً إِيّـاكَ حَـتّـى تَـؤوبْ
18
يَـــرجـــوكَ لِلجـــوعِ الَّذي شَـــفَّهُ
يـا غـائِبـاً عَـنهُ وَطالَ المَغيبْ
19
إِنَّ قَـــوافِـــيَّ عَـــلى قَـــحــطِهــا
تَـلقـى بِـمَـرآكَ المَجالَ الخَصيبْ
20
بُــرودكَ الهــادىءُ قَــد هـاجَهـا
فَـجَـرَّرَت غَـضَـبـي ذُيـولُ اللَهـيـبْ
21
يـامَـوقِـظَ النِـقـمَـةِ فـي أَضـلُعي
بَشَّعَتَ في عَيني الجَمالَ العَجيبْ
22
لِثَــــــوبِـــــكَ الرَثِّ وَإِخـــــلاقَهُ
كَـرِهـتُ أَثـوابَ الحَـريرِ القَشيبْ
23
وَالجَــسَــدُ الجــامِـدُ فـي يُـبـسِهِ
كَـرَّهَ لي الغُـصنَ الطَرِيَّ الرَطيبْ
24
وَصَــمــتُــكَ الرائِعُ يـا مـوحِـشـي
بَغَّضَ لي الصَوتَ الحَنونَ الطَروبْ
25
زَهَّدَتــنـي بِـالعَـيـشِ فـي مَـعـشَـرٍ
عــارٍ عَـنِ الرَحـمَـةِ خـاوٍ جَـديـبْ
26
حَــيــاتُــكَ المَــأسـاةُ مَـثَّلـتَهـا
ذِروَتَها الفَصلُ الأَخيرُ الكَئيبْ
27
وَراقَــبَ النــاسُ تَــفــاصــيـلَهـا
لكِــنَّهــُ مــا إِن وَعـاهـا رَقـيـبْ
28
يـا حَـسـرَتـاهُ قَد فاتَني بَدؤُها
وَأُسـدِلَت قَـبـلي عَـلَيها الحُجوبْ
29
أَولا فَــلَو أَبــصَــرتَهــا كُـلَّهـا
لَكُـنـتُ مِـن وَجـدي وَحُـزنـي أَذوبْ
30
إِنّـــي مِـــنَ النـــاسِ وَلكِـــنَّنــي
فـي رِقَّتـي عَـنـهُـمُ بَـعـيـدٌ جَنيبْ
31
أَبــكــي عَــلى الظـالِمِ مِـن رِقَّةٍ
وَخِــنــجَـر الظـالِمِ مِـنّـي شَـريـبْ
32
فِــراقُ هــذا النـاسِ عـيـدٌ فَـلا
تَجزعْ وَذي الراحَةِ بَعدَ اللُغوبْ
تعليقات القراء 0