لا تفزعي يا أرضُ لا تفرَقي
للشاعر علي محمود طه
1
لا تــفـزعـي يـا أرضُ لا تـفـرَقـي
مــن شَــبَــحٍ تــحــت الدُّجــى عـابـرِ
2
مــــا هــــو إلَّا آدمــــيٌّ شــــقــــي
ســمَّوْهُ بــيــن النــاسِ بــالشـاعـرِ
3
حـــنـــانَــكِ الآن فــلا تُــنــكــري
ســـبـــيــلَهُ فــي ليــلكِ العــابــسِ
4
ولا تُـــضـــلّيـــهِ ولا تـــنْـــفـــري
مــن ذلك المــســتــصــرخ البــائسِ
5
مُـدِّي لعـيـنـيـهِ الرّحـابَ الفِـسـاحْ
ورقــرقــي الأضــواءَ فــي جــفـنـهِ
6
وامــسـكـي يـا أرضُ عـصْـفَ الريـاحْ
والرّاعـــدَ المـــنــصــبَّ فــي أذنِه
7
أتــســمــعــيــنَ الآن فــي صــوتــهِ
تَهَــــدُّجَ الأنَّاــــتِ مــــن قـــلبـــهِ
8
وتـــقـــرأيـــنَ الآنَ فـــي صــمــتِهِ
تَـــــمـــــرُّدَ الرُّوحِ عـــــلى ربـــــهِ
9
فــي وقـفـةِ الذّاهـلِ ألقـى عـصـاهْ
مُــولّيَ الجــبــهــةِ شـطـرَ الفـضـاءْ
10
كــأنــمـا يَـرْقـى الدجـى نـاظـراهْ
ليــســتَــشِــفّـا مـا وراءَ السـمـاءْ
11
يَــســقُــطُ ضــوءُ البـرقِ فـي لمـحـهِ
عـــلى جـــبـــيـــنٍ بـــاردٍ شـــاحِــبِ
12
ويــســتــثــيــرُ البـردُ فـي لفـحـهِ
نـــاراً تَـــلظَّى مـــن فـــمٍ نــاضــبِ
13
أنـــــــتِ له يـــــــا أرضُ أمٌ رؤومْ
فــأشــهــدي الكــون عـلى شِـقـوَتـهْ
14
وردِّدي شــكــواهُ بــيــن النــجــومْ
فـهـوَ ابـنُـكِ الإنـسـانُ في حيرتهْ
15
مـــا هـــو إلا صــوتُــكِ المــرســلُ
وروحُــكِ المــســتــعــبَــدُ المـرهَـقُ
16
قــد آدَهُ الدهــرُ بــمــا يــحــمــلُ
فــــجــــاءَ عـــن آلامِهِ يـــنـــطـــقُ
17
طـغَـى الأسـى الدّاوي عـلى صـوتـهِ
يــا للصَــدَى مــن قـلبـهِ النَّاـطـقِ
18
مــضــى يــبــثُّ الدهــرَ فـي خـفْـتـهِ
شـــكـــايــةَ الخــلقِ إلى الخــالقِ
19
لا تَــعْـدُنـي يـا ربِّ فـي مـحـنـتـي
مــــا أنــــا إلَّا آدمــــيٌّ شـــقـــي
20
طَــرَدْتَــنــي بــالأمــس مـن جـنـتـي
فـاغـفـرْ لهـذا الغـاصـبِ المـحـنَقِ
21
حـــنـــانـــكَ اللهـــمَّ لا تــغــضــبِ
أنـتَ الجـمـيـلُ الصفحِ جمُّ الحنانْ
22
مــا كـنـتُ فـي شـكـوايَ بـالمـذنـبِ
ومـــنـــكَ يــا ربِّ أخــذتُ الأمــانْ
23
مــا أنـا بـالزاري ولا الحـاقـدِ
لكــنـنـي الشَّاـكـي شـقـاءَ البـشَـرْ
24
أفـنـيـتُ عـمري في الأسى الخالدِ
فــجــئتُ أســتــوحـيـكَ لطـفَ القـدَرْ
25
تـــمـــرَّدت روحــي عــلى هــيــكــلي
وهــيــكــلُ الجــســمِ كــمــا تـعـلمُ
26
ذاك الضــعــيـفُ الرأيِ لم يـفـعـلِ
إلَّا بـــمـــا يــوحــي إليــه الدمُ
27
يَــعــرُقُ حــدُّ الســيــفِ مــن لحـمـه
ويــحــطــمُ الصّــفــوانُ بــنــيــانَهُ
28
ويــنــخَــرُ الجــرثــومُ فـي عـظـمـهِ
ومــنــهُ يُــنْــمـي القـبـرُ ديـدانُه
29
مــا هــوَ إلَّا كــومــةٌ مــن هـبـاء
تــمــحــقـهُ اللمـسـةُ مـن غـضـبـتِـكْ
30
فـكـيـف يـشـنـي الروحَ عـمـا تشاء
وكــيــف يــقــوى وهـي مـن قـدرتـكْ
31
روحُــكَ فــي روحــي تـبـثُّ الحـيـاهْ
نـــزلتُ دنـــيــايَ عــلى فــجــرِهــا
32
فــإنْ جــفــاهــا ذاتَ يــومٍ سـنـاهْ
لاذتْ بــليـلِ المـوتِ فـي قـبـرِهـا
33
ومــــثــــلمـــا قـــدَّرْتَ صـــوَّرتَهـــا
فــروحــكَ الصــوتُ وروحــي الصــدَى
34
طــبــيــعــةٌ فــي الخـلْقِ ركَّبـتـهـا
ومــا أرى لي فــي بِــنــاهـا يـدا
35
لكـــنّـــمـــا روحُـــكَ مـــن جـــوهــرِ
صــافٍ وروحــي مــا صَــفــتْ جـوهـرا
36
أوْ لا فــمــا للخــيـرِ لم يُـثـمـرِ
فــيــهــا ومــا للشـرِّ قـد أثـمـرا
37
تــقــولُ روحــي إنــهــا مُــلهَــمــهْ
فـــهـــيَ لمــا قــدَّرْتُه مُــتــبِــعــهْ
38
مــقــودةٌ فــي ســيــرهــا مُــرْغــمَهْ
وإنْ تـــــراءَتْ حـــــرَّةً طـــــيِّعـــــهْ
39
قــيّــدتــهــا بــالجـسـم فـي عـالمِ
تــضــجُّ بــالشـهـوة فـيـهِ الجـسـومْ
40
كـــلاهـــمـــا فـــي حـــبّهِ الآثـــمِ
لم يـصْـحُ مـن سُـكراهُ وهو الملومْ
41
تُـبـدي بـهِ الأجـسامُ سحرَ الحياهْ
فـي مـعـرضٍ يـجـلو غـريـبَ الفـنونْ
42
نــواعــسَ الأجــفـانِ حُـوَّ الشـفـاهْ
شــديــدةَ الإِغـراءِ شـتَّى الفـتـونْ
43
ولم أكــــنْ أولَ مُـــغـــرَى بـــمـــا
أغــــرَتْ بــــهِ حــــواءَ أو آدمــــا
44
إرثٌ تــمــشَّى فــي دمــي مــنــهـمـا
مــيــراثــهُ يــنــتــظــمُ العـالمـا
45
فـــأنـــتَ قـــدَّرتَ عـــليَّ الشــقــاء
مــن حــيــثُ قــدَّرتَ عـليّ النـعـيـمْ
46
ومــا أرى هــل فــي غـدٍ لي ثـواء
بـالخـلدِ أمْ مـثـوايَ نارُ الجحيمْ
47
مــا أثِــمــتْ روحــي ولا أجــرمــتْ
ولا طـغـى جـسـمـي ولا اسـتـهـترا
48
عــنــاصــرُ الروح بــمــا أُلهِــمَــتْ
أوحــت إلى الجــســمِ فــمـا قـصَّرا
49
كــلاهــمــا لم يَــعْــدُ تــصــويــرَهُ
مــا كــان إلَّا مِــثــلمــا كُــوِّنــا
50
كــم حــاولا بــالأمــسِ تـغـيـيـرَهُ
فـاسـتـكـبـرَ الطـبـعُ ومـا أذعـنـا
51
أمــنــذِري أنــت بــيــومِ الحـسـابْ
ولائمـــي أنـــتَ عـــلى مـــا جــرى
52
رُحـمـاك مـا يـرضـيـكَ هذا العذَابْ
لطـــيّـــعٍ لم يَـــعْـــصِ مـــا قُـــدِّرا
53
مــا كــنــتُ إلا مــثــلمــا رُكِّبــَتْ
غــرائزي مــا شــئتَ لا مـا أشـاء
54
فــلتــجــزِهـا اليـوم بـمـا قـدَّمـتْ
وإن تــكــنْ مــمــا جَــنــتـهُ بـراء
55
وفــيــمَ تُــجــزى وهــيَ لم تــأثــمِ
ألســتَ أنــت الصــائغَ الطــابـعـا
56
ألمْ تــسِــمْهــا قــبــلُ بـالمـيـسـمِ
ألمْ تــصُــغْ قــالبــهــا الرائعــا
57
ألم تــصُــغْهــا عــنــصـراً عـنـصـرا
مـن أيـن مـا عـلمي وأنت العليمْ
58
جَــبَــلتــهــا يــومَ جــبـلتَ الثـرى
مــن عـالم الذرِّ ودنـيـا السَّديـمْ
59
الخــيــرُ والشــرُّ بــهــا تـوأمـانْ
والحــبُّ والشــهــوة فــي طــبـعِهـا
60
حــوّاءُ والشــيــطـانُ لا يـبـرحـانْ
يُــســاقِـطـان السّـحـرَ فـي سـمـعِهـا
61
تــشــكّــكـتْ نـفـسـي بـمـا تـنـتـهـي
إليــهِ دنــيــاهــا ومــاذا يـكـونْ
62
مــضــتْ فــمـا آبـتْ بـمـا تـشـتـهـي
مـن حـيـرة الفـكـر وهـجس الظنونْ
63
رأتْ إســاري فــي قــيــودٍ ثــقــالْ
بــيــن يــدَيْ ذي مِــرّةٍ يــبــسـمـونْ
64
يــســوقــهــم فــي فـلواتِ الليـالْ
فــي بـطـشِ جَـبَّاـريـنَ لا يـرحـمـونْ
65
إنْ ضـجَّ فـي الأغـلالِ مـنهم طليحْ
أخـــرســـهُ الســـوطُ الذي يُـــرهــفُ
66
وإنْ هــوى للأرضِ مــنــهــمْ جـريـحْ
أنـــهـــضـــهُ فـــي قــيــدهِ يَــرْسُــفُ
67
يــا ويــحـهـم مـا عـرفـوا مَـوئِلا
مـن قـسـوةِ الدهـرِ وجـورِ القـضاء
68
يــا أرضُ مــا كــنـتِ لنـا مـنـزلا
مــا أنــتِ إلا مـوبـقُ الأبـريـاء
69
أفـي سـبـيـل العـيـشِ هذا الصراعْ
أم فــي ســبـيـل الخـلدِ والآخـرهْ
70
وهـــؤلاء البـــائســونَ الجــيــاعْ
تــطـحـنـهـم تـلك الرَّحـى الدائرهْ
71
مــا ذنــبُ هــذا العـالم الثَّاـئِرِ
إنْ حـــاولَ الإفـــلاتَ مــن آســره
72
مــا كــانَ فــي مـيـلادهِ الغـابـرِ
أســعــدَ حــالاً مــنـهُ فـي حـاضـره
73
مـــا كـــانَ لو لم تـــنـــزُ آلامُهُ
بــالمــاجــنِ الرُّوحِ ولا الهــائمِ
74
ولو جـــرَتْ بـــالصـــفـــوِ أيــامــهُ
مــا كـانَ بـالرَّازي ولا النـاقـمِ
75
رأى بـعـيـنـيـه المـصـيـرَ الرهيبْ
وكــيــف غــالَ النــاسَ مــن قـبْـلِه
76
وكــلَّ يــومٍ للمــنــايــا عــصــيــبْ
يـــســـوقُهـــم للمـــوتِ مــن حــولِهِ
77
فـــحـــقَّرَ الدُّنــيــا وأزرى بــهــا
وقــالَ مــا لي أنــكــرُ الواقـعـا
78
فــلتَــسْــعَـدِ النـفـسُ بـأنـخـابـهـا
مـن قـبْلِ أن تلقى الغدَ الرائعا
79
أيـصـبـحُ الإنـسـانُ هـذا الرمـيـمْ
والجـيـفـةَ المـلقاةَ نهبَ الترابْ
80
أيـسـتـحـيـلُ الكـونُ هـذا الهـشيم
والظـلمـة الجـاثـمُ فيها الخراب
81
لمــنْ إذاً تــبــدعُ تــلك العـقـولْ
أفــي الرَّدى تــدرك مــا فــاتـهـا
82
أم فـي غـدٍ تـثـوي بـتـلك الطلولْ
ويــســحــقُ الدهــرُ يــواقــيــتَهــا
83
وآســـــفـــــا للعــــالَمِ البــــائدِ
ليـــس له مـــمـــا يـــرى مـــهـــربُ
84
عــلى رنــيــنِ المــنـجَـلِ الحـاصـدِ
مــضــى يُــغــنِّيــ وهــوَ لا يــطــربُ
85
فَــدَعــهُ يــنــسـى بـعـضَ مـا حُـمِّلـا
مـن نـكـد الدنـيـا وضـنكِ الحياهْ
86
وأوْلِهِ العـــــطـــــفَ الذي أمَّلــــا
فــــإنـــهُ أولى بـــعـــطـــفِ الإلهْ
87
مـــا هـــي إلَّا لحـــظـــاتٌ قــصــارْ
تَــمُــرُّ مِــثْــلَ الومــضِ فـي عـيـنـهِ
88
فـإن مـضـى الليـلُ وجـاءَ النـهارْ
عــــاودَهُ الخـــالدُ مـــن حـــزنـــهِ
89
ومــا أتــى الغَـيَّ ليـعـصـى الإلهْ
يــومــاً ولا كــان بــهِ مُــغــرَمــا
90
لكــنْ ليــنــســى شـقـواتِ الحـيـاهْ
وســرَّهــا المـسـتـغـلقَ المـبـهـمـا
91
يــا للشــقــيّ القــلبِ كــم سـامـهُ
تــوهُّمــ النــعـمـةِ مـا لا يُـطـيـقْ
92
يُـــريـــدُ أن يُـــقـــنــعَ أوهــامــهُ
بــــأنّهُ ذاك الخــــليُّ الطـــليـــقْ
93
هــــــــأنــــــــذا أرفــــــــعُ آلامَهُ
إلى ســمــاءِ المــنــقــذِ الأعـظـمِ
94
أنــــا الذي تـــرســـلُ أنـــغـــامَهُ
قــيــثــارةُ القــلبِ ونــايُ الفــمِ
95
مـن عـبـراتـي صُـغـتُ هـذا المـقالْ
ومــن لهــيــب الروحِ هـذا القـلمْ
96
مــلأتُ مــنــهُ صــفــحــاتِ الليــالْ
فـــضـــمِّنــَتْ كــلَّ مــعــانــي الألمْ
97
أنــــا الذي قــــدَّسْــــتَ أحــــزانَهُ
الشَّاـعـرُ البـاكـي شـقـاءَ البـشـرْ
98
فَــــجَّرْتَ بــــالرحــــمـــةِ ألحـــانَهُ
فـامـلأْ بـهـا يـا ربِّ قـلبَ القدرْ
99
مـا الشـاعـرُ الفـنّـانُ فـي كـونـهِ
إلَّا يــــدَ الرحــــمــــة مــــن ربّهِ
100
مُــــعَــــزِّيَ العــــالمِ فـــي حـــزنِهِ
وحــــامـــلَ الآلامِ عـــن قـــلبـــهِ
101
عـــــزاؤهُ شـــــعــــرٌ بــــهِ أهــــزجُ
فـــي نـــغــمٍ مــســتــعــذَبٍ ســاحــرِ
102
مــا يــحــزنُ العــالم أو يــبـهـجُ
إلَّا عـــلى قـــيــثــارةِ الشــاعــرِ
103
يـا ربِّ مـا أشـقـيتني في الوجودْ
إلَّا بــقــلبــي ليــتــهُ لم يــكــنْ
104
فـي المـثـل الأعـلى وحبِّ الخلودْ
حــمّــلتــهُ العــبـءَ الذي لم يَهُـنْ
105
خــلقــتــهُ قـلبـاً رقـيـقَ الشـغـافْ
يـهـيـمُ بـالنـورِ ويـهـوى الجـمالْ
106
حَــلَتْ له النــجــوى ولذَّ الطــوافْ
بـعـالم الحـسـنِ ودنـيـا الخـيـالْ
107
بــعــثـتـهُ طـيـراً خـفـوقَ الجـنـاحْ
عــــلى جِـــنـــانٍ ذاتِ ظـــلٍّ ومـــاءْ
108
أطـلقـتـهُ فـيـهـا قُـبَـيْـلَ الصـباحْ
وقــلتَ غــنّ الأرضَ لحــنَ السـمـاءْ
109
فــهــامَ فــي آفــاقـهـا الواسـعـهْ
النُّورُ يـــهـــفـــو حـــولَهُ والنَّدى
110
مُــصــفِّقــاً للضــحــوةِ الســاطــعــهْ
ومــنــشــداً مــا شـاءَ أن يُـنـشـدا
111
إنْ جــاءَ صــيــفٌ أو تـجـلَّى ربـيـعْ
حــيَّاــهُ مــنــهُ عــبـقـريُّ الغِـنـاءْ
112
وكــم خــريــفٍ فــي نــشـيـدٍ بـديـعْ
تــظــلُّ تــرويــه ليــالي الشـتـاءْ
113
قـــيـــثــارةٌ تــصــدرُ فــي فــنِّهــا
عـن عـالم السِّحـر ودنـيا الخفاءْ
114
عـلى الصَّدَى الحـائِر مـن لحـنـهـا
يـسـتـيـقـظُ الفـجرُ ويغفو المساء
115
مَــشــتْ عــلى الأمـواجِ أنـغـامُهـا
والأرضُ قـيـدَ النـشـوة المـسـكِرهْ
116
كـــأنـــمـــا تـــرقـــصُ أحـــلامُهــا
فـــي ليـــلةٍ شــرقــيــةٍ مُــقــمــرهْ
117
مــن قــلبــهِ أســلَسْــتَ أوتــارَهــا
فــــقـــلبُهُ يـــخـــفـــقُ فـــي كـــفِّه
118
يـشـدو فـتُـمـلي النـفـسُ أسـرارها
عــليــهِ فــهــيَ اللحـنُ مـن عـزفـهِ
119
ذاتَ صـــبـــاحٍ طـــار لا يُـــمــهِــلُ
والأرضُ سَـكـرى مـن عـبيرِ الزهورْ
120
عـــلى حـــصـــاهـــا رنَّمــَ الجــدولُ
وفــي روابـيـهـا تُـغـنّـي الطـيـورْ
121
مـا كـان يـدري قـبـلَ أن يـنـظـرا
مــا خَــبــأتْهُ النـظـرةُ العـاجـلهْ
122
مـــا أبـــدعَ الحــلم الذي صــوَّرا
لوْ لم تَـشـبْهُ اليـقـظـةُ القـاتلهْ
123
مــرَّ بــنــهــرٍ دافــقٍ ســلســبــيــلْ
تــهــفــو القـمـارى حـوله شـاديَهْ
124
فــي ضـفـتـيـهِ بـاسـقـاتُ النـخـيـلْ
تـرعـى الشـيـاهُ تـحـتـهـا ثـاغـيهْ
125
فـــهـــاجــت النــظــرةُ مــمــا رأى
فــي قــلبــهِ الحـسـرَ وفـي عـيـنـهِ
126
الكــونُ يــبــدو وادعــاً هــانــئا
كــــأنـــهُ الفـــردوسُ فـــي أمـــنِه
127
فـظـلَّ فـي التـفـكـيـر مـسـتـغـرقـا
مـن فـتـنـة الدنـيـا ومـن سـحرِها
128
مــا كــان إلَّا ريــثــمــا حــدَّقــا
حــتــى جَــلَتْ دنــيــاهُ عــن سـرِّهـا
129
رأى بــعــيــنــيــهِ الذي لم يَــرهْ
الذئبَ والشــاةَ وحــربَ البــقــاءْ
130
مــا عَــرفَ القــتــلَ ولا أبــصــرهْ
ولا رأى مــن قــبـلُ لونَ الدمـاءْ
131
مـــا هـــي إلا صـــرخـــاتُ الفــزعْ
وصــيــحــةُ المــقــتــولِ والقـاتـلِ
132
قـد انـقـضـى الأمـرُ كـأنْ لم يقعْ
وضــاع صــوتُ الحــقّ فــي البـاطـلِ
133
وبــعــدَ ســاعــاتٍ يُــوَلّي النـهـارْ
ويـــقـــبــلُ الليــلُ ومــا يــعــلمُ
134
ســيــلبــثُ الســرُّ وراءَ الســتــارْ
ويــخــتـفـي الشـلوُ ويُـمـحـى الدمُ
135
فــــرُوّع الشــــاعــــرُ مـــمـــا رآهُ
وهـــامَ فـــي الأرض عــلى وجــهــهِ
136
أيــن تـرى يـا أرضُ يُـلقـي عـصـاهُ
وأيُّ وادٍ ضــــلَّ فــــي تــــيــــهــــهِ
137
حـــتـــى إذا شــارفَ ظــلَّ الشــجــرْ
فــي روضــةٍ غــنــاءَ ريَّاـ الأديـمْ
138
قـد ضَـحِـكـتْ للنـور فـيـهـا الزَّهرْ
وصـــفَّقـــَتْ أوراقُهـــا للنـــســيــمْ
139
إخــتــار فــي الظــلِّ له مــقـعـدا
فـــي ربـــوةٍ فـــاتـــنــةٍ ســاحــرَهْ
140
أذاب فــيــهـا الشـفـقُ العـسـجـدا
ونـاسـمـتـهـا النـفـحـةُ العـاطـرهْ
141
بـيـنـا يُـمَـلِّي العـيـنَ مـن سحرها
إذ أبــصــر الصَــلَّ بــهـا مُـطـرقـا
142
قـد انـتـحـى الأطـيـارَ في وكرِها
فــســامَهــا مــن نــابــهِ مــوبـقـا
143
هـل سـمِـعَـتْ أذنـاك قـصـفَ الرعـودْ
فـي صـخَـبِ البـحـرِ وعـصـفِ الريـاحْ
144
هـل أبـصـرتْ عـيـنـاك ركضَ الجنودْ
فــي فــزعِ المـوتِ وهـولِ الكـفـاحْ
145
إن كــنــتَ لم تـبـصـرْ ولم تـسـمـعِ
فــقِــفْ إلى مــيــدانـهـا الأعـظـمِ
146
مــا بــيــن مــيــلادكَ والمــصــرعِ
مــا بــيــن نــابــي ذلك الأرقــمِ
147
جـــريـــمــةُ الغــدرِ وســفــكِ الدمِ
جــريــمـةٌ لم يـخـلُ مـنـهـا مـكـانْ
148
يـــا لُجـــةً كـــلٌّ إليـــهــا ظــمــي
قــد جــاز طـوفـانُـكِ شـمَّ القـنـانْ
149
مـن عـلّم الوحـشَ الأذى والقـتالْ
مــن بــثَّ فــيـهِ الشـرَّ أو ألهـمـهْ
150
مـن عـلّم الثـعـبـانَ هـذا الختالْ
والحــيــوانَ الغــدرَ مــن عــلّمــهْ
151
يـا أرضُ هـذا الوحـيُ مـن عـالمِـكْ
المــاءُ والطــيــنُ بــه يــشـهـدانْ
152
جـــنـــيـــتِ يـــا أرضُ عــلى آدمِــكْ
إذ سـمـتـه بـالأمـسِ هـجرَ الجنانْ
153
يــا ضـلّة الشـاعـر أيـن النـجـاهْ
وأيـــن أيـــنَ المـــنـــزلُ الآمــنُ
154
أكــــلَّ وادٍ طــــرقـــتـــه خُـــطـــاهْ
طــالعــهُ مــنــهُ الرَّدى الكــامــنُ
155
حــتــى إذا ضــاقـتْ عـليـهِ السُّبـُلْ
وعــزَّ فــي الأرض عـليـهِ المـقـامْ
156
أوى إلى كــهــفٍ بــســفــح الجـبـلْ
عــســاهُ يــقــضـي ليـله فـي سـلامْ
157
مـــا كـــان إلَّا حُــلُمــاً كــاذبــا
أفــاقَ مــنـهُ مـسـتـطـيـرَ الجَـنـانْ
158
البــحــرُ يُــرغــي تـحـتـهُ صـاخـبـا
والشّهــبُ نــارٌ والديــاجـي دخـان
159
الأرضُ مــن أقــطــارهــا راجــفــه
كــأنــمــا طـافَ عـليـهـا المـنـونْ
160
تــضــجُّ فــي أرجــائهـا العـاصـفـه
كــأنــمــا النـاسُ بـهـا يُـحـشـرونْ
161
ثــم اســتــقــرَّ العــالمُ الثــائرُ
وأقـــبـــلَ النــورُ وولّى الظــلامْ
162
واعَــجــبــاً مــمــا يــرى الشـاعـرُ
كــأنــمـا أمـسـى بـوادي الحِـمـامْ
163
بـــدتْ لهُ الأرضُ كـــقــبــرٍ عــفــا
إِلّا بَـــقـــايـــا رِمَّةـــٍ أو حــجــر
164
قـد أصـبـح القـاعُ بـهـا صـفـصـفـا
فــمــا عــليــهــا مـن حـيـاةٍ أثـرْ
165
مــرَرْتُ بــالبُــلدانِ مُــســتــعـبـرا
أبـكـي الحـضـاراتِ وأرثي الفنونْ
166
أنــقــاضُهــا تــمــلأ وجـه الثـرى
وكــنَّ بــالأمــس مــثــارَ الفـتـون
167
أتــى عــلى اليــابــسِ والأخــضــرِ
المــوجُ والنــوءُ وســيــلُ الحُـمَـمْ
168
يـا رحـمـةَ اللَّهِ اهـبـطـي وانظري
مـــا حـــصــدَ المــوتُ ودكَّ العَــدَمْ
169
أيــســتـحـقُّ النـاسُ هـذا العـقـاب
أم حــانـت السـاعـةُ مـن نـقـمـتـكْ
170
مـا احـتملوا يا ربّ هذا العذابْ
إلَّا رجــاءَ الغــوثِ مــن رحــمـتـكْ
171
أمــا تــرى مــنــفـرجـاتِ الشـفـاهْ
عــن آخـر الصـيـحـات مـن رعـبـهـا
172
مـا زال فـيها من معاني الحياهْ
إيــمــاءةُ الشــكــوى إلى ربــهــا
173
وهــذه الأعــيــنُ نــهــبَ العـفـاءْ
فــي رقــدةِ المـوتِ كـأنْ لم تَـنَـمْ
174
مُــحــدَّقــاتٍ فــي نـواحـي السـمـاءْ
تُــشــهــدهــا هـذا الأسـى والألمْ
175
وهــذه الأيــدي تــحــوطُ الصــدورْ
كـــأنـــهــا فــي مــوقــفٍ للصــلاهْ
176
لم تَـنْـسَ في نزْع الحياةِ الغرورْ
ضــــراعــــةً تـــرســـمـــهـــا للإلهْ
177
مــا عــرَفــوا فـي صَـعـقـاتِ الردى
إلَّاكَ مـــن غـــوثٍ ومـــن مـــنــجــدِ
178
ولا سـرى فـي الأرض مـنـهـم صـدى
إلَّا ودوّى بـــاســـمِـــكَ الأمـــجــدِ
179
أعـــبـــرةً تــذكــرهــا كــلَّ حــيــنْ
للعـــالم الذَّاكـــرِ إمَّاـــ نـــسِــي
180
أمْ ضـــربـــاتٍ قــاســيــاتٍ تُــليــنْ
بــــهـــنَّ قـــلبَ الفـــظِّ والأشـــرسِ
181
أم مــوجــةُ الطـهـرِ التـي تـغْـسـلُ
مـــآثـــمَ الكــونِ وتــمــحــو أذاهْ
182
يــا ربِّ ضِــقــنــا بــالذي نــحـمـلُ
فـحـسـبُـنـا آلامُـنـا فـي الحـيـاهْ
183
ألمْ تُــــطــــهِّرْ ذلك العــــالمــــا
مـــن كـــل عــاصٍ أو غــويٍّ جــمــوحْ
184
مــا غــادر المــوجُ بــهِ قــائمــا
يـوم احـتوى الأعلامَ طوفانُ نوحْ
185
إذاً فــمــا للنــاسِ ضـلُّوا الهـدى
وأخـطـأوا اليـوم سـبـيـلَ الرشادْ
186
لعــلَّ نــوحــاً أخــطــأ المــقـصـدا
فــأغــرقَ الخــيـرَ ونـجَّى الفـسـادْ
187
يــا ليــتَهُ لمّــا دعــا بــابــنــهِ
وحــالتْ الأمــواجُ أنْ يُــسْــمــعــا
188
لجَّ عـــليـــهِ القــلبُ فــي حــزنــهِ
فـــلم يـــرَ الجـــوديَّ لمّـــا دعــا
189
يـــا أرضُ ولّى عـــهــدُ نــوحٍ وزالْ
فـــمـــن لكِ اليـــومَ بـــطــوفــانِهِ
190
مـسـكـيـنـةً تـطـويـن بـحـرَ الليالْ
قـــد عـــزَّكِ المــرســى بــشــطــآنِهِ
191
إلامَ تــطــويــن عُــبـاب السـنـيـنْ
شـــوقـــاً إلى فــردوســكِ الضــائعِ
192
غُــرّرْتِ يــا أرضُ بــمــا تـحـلمـيـنْ
فـاسـتـيـقـظـي مـن حـلمـكِ الخـادعِ
193
وابــقــيْ كــمــا أنـتِ عـلى مـوجـهِ
تُــمــزِّقُ الأنــواءُ مــنـك الشـراعْ
194
يـــقـــذِفُـــكِ التـــيَّاـــر فـــي لجِهِ
عــشـواءَ لا يـهـديـكِ فـيـهِ شـعـاعْ
195
ســـلي القـــداســاتِ وأربــابــهــا
ضــراعـةً تُـصـغـي إليـهـا السـمـاءْ
196
أو فــاطــرقـي بـالبـثِّ أبـوابـهـا
لعــلّهــا تــرفــعُ عــنــكِ الشـقـاءْ
197
يــا أيـهـا الغـادونَ والرائحـونْ
فــي شــعـبِ الأرضِ وليـل الهـمـومْ
198
تُـمـسـون أشـتـاتـاً كـمـا تـصـبحونْ
والشـمـس حـيـرى فـوقـكم والنجومْ
199
مُدُّوا لها الأيدي وولُّوا الجباهْ
وأرســـلوهـــا صـــيـــحـــةً واحـــدهْ
200
قـولوا لهـا يا من شهدتِ الحياهْ
مـن أيـنَ تـلك النـظـرةُ الجـامدهْ
201
مـن أيـنَ تـلك النـظـرةُ الهـادئهْ
والقـسـمـاتُ المـشـرقـاتُ الجـبـينْ
202
هــل أنــتِ مــن آلامــنــا هــازئهْ
أم أنـتِ يـا أعـيـنُ لا تُـبـصـريـنْ
203
أم هــكــذا أوحـى إليـكِ القـضـاءْ
فــمــا عــرفـتِ الحـزنَ والأدمـعـا
204
يـا أيُّهـا الناس اضرعوا للسماءْ
قــد آن أن تُــصـغـي وأن تـشْـفـعـا
205
هاتوا الأزاهيرَ وهاتوا الغصونْ
وكــلَّ مــا يــحــلو ومــا يــجــمــلُ
206
قـد آن أن تُـفْـضـوا بـمـا تشعرونْ
فـأشـعـلوا النـارَ بـهـا أشـعـلوا
207
أو فـامـلأوا مـن زهـرها اليانعِ
مـجـامـرَ النـارِ وألقـوا البـخورْ
208
وصــــــعِّدوا فـــــي ذِلّةِ الضـــــارعِ
أنـفـاسـكـم نـشْـوى بـتـلك العطورْ
209
أحــبــبْ بــهــا مــن أنَّةــٍ عـاطـرهْ
فــي مــسـمـعِ الأمـلاكِ إذ تـصـعـدُ
210
أصــداؤُهــا الرفَّاــفَــةُ الحــائره
فــي وجــهــهـا الآفـاق لا تـوصـدُ
211
يــا أرض نــاديــتُ فــلم تـسـمـعـي
أنــكــرتِ صــوتــي وهـو مـن قـلبـكِ
212
لا تَــفــرقــي مــنـي ولا تَـفـزعـي
مـــــن شـــــاعــــرٍ شــــاكٍ إلى ربِّكِ
213
أيَّتــُهــا المــحــزونـةُ البـاكـيـهْ
لا تــيـأسـي مـن رحـمـةِ المـنْـقِـذِ
214
لعـــلَّ مـــن آلامِـــكِ الطـــاغــيــهْ
إذا دعـــوتِ الله مـــن مـــنـــفَــذِ
215
فــابــتــهــلي لله واســتــغــفــري
وكـــفّـــري عـــنـــكِ بــنــار الألمْ
216
وقــدِّمــي التــوبــةَ واســتــمـطـري
بـــيـــن يَــدْيــهِ عــبــراتِ النــدمْ
تعليقات القراء 0