لا عينَ تَثبُتُ في الدُنيا ولا أثَرُ
للشاعر ناصيف اليازجي
1
لا عـيـنَ تَـثـبُتُ في الدُنيا ولا أثَرُ
مـا دامَ يَـطـلُعُ فـيها الشَمسُ والقَمَرُ
2
يُـبِـقـي لنـا الخُبْرُ فيها بعدَهُ خَبَراً
إلى زَمــانٍ فــيــمــضــي ذلكَ الخَــبَــرُ
3
يـا طـالمَـا طـالَ حِرصُ الناسِ في حَذَرٍ
عـلى الحَـيـاةِ فَـضـاعَ الحِـرصُ والحَذَرُ
4
قـد غَـرَّهـم زُخـرفُ الدُنـيـا وبَهـجـتُها
نِـعـمَ الغُـصـونُ ولكـنْ بِـئسَـمـا الثَمَرُ
5
مـعـشـوقـةٌ فـي هَـواهـا بـاتَ كـلُّ فـتىً
يَهـيـمُ والشـيـخُ عـنـهـا ليـسَ يـزدجِـرُ
6
هـيـهـاتِ لا يَـنـتـهـي عـن جَهلِهِ أبداً
مَـن لم يـكن قد نَهاهُ الشَيبُ والكِبَرُ
7
مـضـى الزَّمـانُ عـلى هذا الغُرُورِ فلم
يــفــطَـنْ لهُ بَـشَـرٌ مـذ قـامـتِ البَـشَـرُ
8
مــا زالَ يَــدفِــنُ هــذا الحَــيُّ مَـيِّتـَهُ
ويَــدفِـنُ الذِكـرَ مـعـهُ حـيـثُ يَـحـتَـفِـرُ
9
النـاسُ فـي جِـنـحِ لَيـلٍ يـخَـبِـطـونَ بـهِ
جـهـلاً ويـا وَيـلَهـم إذ يَـطلُعُ السَحَرُ
10
لا تَـنـقـضـي سـاعَـةٌ حـتـى تَـقـولَ لهم
يا أيُّها القومُ هُبُّوا قد دَنا السَّفَرُ
11
مـاذا نُـرَجِّيـ مـنَ الدُنيا التي طُبِعَتْ
عــلى الدَّمـارِ فـلا تُـبـقـي ولا تَـذرُ
12
تُـبـدِي لنـا كـلَّ يومٍ في الوَرَى عِبَراً
لكـن بـلا يَـقـظـةٍ لا تَـنـفَـعُ العِـبَـرُ
13
هـيـهاتِ لا صاحبٌ في الدَهرِ وا أسفَا
يَــبــقــى ولا عـاشـقٌ يُـقـضَـى لهُ وَطَـرُ
14
قـد مـاتَ عبد الحميدِ اليومَ منقطعاً
عـنـا كـمـا شـاءَ حـكُـمُ اللهِ والقَـدَرُ
15
مَـضَـى الشـقـيـقُ لرُوحـي فَهْـيَ مـوحـشَـةٌ
وبــانَ شَــطــرُ فُــؤَادي فَهْــوَ مـنـفـطِـرُ
16
قـد كـنـتُ انـتـظـرُ البُـشـرَى بـرُؤْيـتهِ
فـجـاءَنـي غـيـرُ مـا قـد كـنـتُ انـتظرُ
17
إن كانَ قد فاتَ شَهدُ الوَصلِ منهُ فقد
رضــيــتُ بـالصَّبـرِ لكـنْ كـيـفَ اصـطـبـرُ
18
أحَــبُّ شــيــءٍ لعــيــنــي حــيـنَ أذكُـرُهُ
دَمــعٌ وأطَــيــبُ شـيـءٍ عِـنـدَهـا السَّهـَرُ
19
هــذا الصَّديــقَ الذي كــانــت مَــوَدَّتُهُ
كـالكَـوثَرِ العَذْبِ لا يَغتالُها الكَدَرُ
20
صـافـي السـريـرةِ مَـحْـضُ الوُدِّ لا مَلَقٌ
فــي لفــظــهِ لا ولا فـي قـلبـهِ وَضَـرُ
21
عَــــفُّ الإزارِ حَـــصـــيـــفٌ زاهـــدٌ وَرِعٌ
لا تــزدهــيـهِ بُـدُورُ الأُفـقِ والبِـدَرُ
22
يَـغَـشى المَساجِدَ في الأسحارِ مُعتكِفاً
وقـــد طَـــوَتْ لَيــلَهُ الأورادُ والسُّوَرُ
23
هـوَ الكـريمُ الجوادُ ابنُ الجَوادِ لهُ
بـالفَـضـلِ يَـشـهَـدُ بَدْوُ الأرضِ والحَضَرُ
24
يـبـكيهِ نظمُ القَوافي والصَحائفُ وال
أقــلامُ والخُــطَــبُ الغــرَّاءُ والسَـمَـرُ
25
لا غَــرْوَ إنْ أحــزَنَ الزَوراءَ مَـصـرَعُهُ
فـــخُـــزُنـــهُ فـــوقَ لُبــنــانٍ لهُ قَــدَرُ
26
وإنْ يـكـنْ فـاتَهُ نـهـرُ السّـلامِ فـفـي
دارِ السّــلامِ لهُ الأنـهـارُ تَـنـفـجِـرُ
27
مَــضَــى إلى الله حـيّـا اللهُ طَـلعـتَهُ
بــالمَــكــرُمـاتِ وحـيّـا تُـربَهُ المَـطَـرُ
28
لَئِن سَــلاهُ فُــؤَادي مـا بَـقِـيـتُ فـقـد
رَكِـبـتُ فـي الحُـبِّ ذَنـبـاً ليـسَ يُـغتَفرُ
29
لا أفـلحَ البـيـنُ مـا أمـضَـى مَضاربَهُ
كـالبـرقِ يُـخـطَـفُ مـن إيـمـاضِهِ البَصَرُ
30
نَـسـعَـى ونَـجـمَـعُ مـا نَـجـنِـي فـيَـسلُبُهُ
مـنَّاـ جُـزافـاً ويَـمـضِـي وَهْـوَ مُـفـتَـقِـرُ
31
إنَّ الحــيــاةَ كــظــلٍّ مــالَ مُـنـتـقِـلاً
إلى حَــيــاةٍ بِــدارِ الخُــلدِ تُـنـتـظَـرُ
32
هـي الطـريـق التـي تُـفـضـي إلى خـطرٍ
وحَــبَّذا الســيــرُ لولا ذلكَ الخــطــرُ
33
نُـمـسِـي ونُـصـبـحُ فـي خَـوفٍ يـطـولُ بها
فـــلا يَـــطــيــبُ لنــا وِرْدٌ ولا صَــدَرُ
34
إذا انـجـلتْ غَـمْـرةٌ قـامـت صَـواحِـبها
فـليـسَ تَـنـفـكُّ عـن تـأريـخـهـا الغُمَرُ
تعليقات القراء 0