لقد طَوَّحَتْني في البلاد مُضاعا
للشاعر معروف الرصافي
1
لقـد طَـوَّحَـتْـنـي فـي البـلاد مُـضـاعـا
طــوائح جــاءت بــالخــطــوبِ تــبـاعـا
2
فــبـارحـت أرضـاً مـا مـلأت حـقـائبـي
ســوى حــبّهــا عـنـد البَـراح مـتـاعـا
3
عــتَــبْــت عــلى بــغــداد عَــتْـب مُـوَدِّع
أمَــضَّتــْه فــيـهـا الحـادثـاتِ قـراعـا
4
أضـاعَـتْـنـيَ الأيـام فـيـهـا ولو دَرَتْ
لعــزّ عــليــهــا أن أكــون مُــضــاعــا
5
لقــد أرضــعــتــنـي كـل خـسـف وأنـنـي
لأشـــكـــرهــا أن لم تُــتــمَّ رَضــاعــا
6
ومـا أنـا بـالجـانـي عـليـهـا وإنما
نــهــضــت خــصــامــا دونـهـا ودفـاعـا
7
وأعــلمــت أقــلامــي بــهــا عــربـيّـةً
فــلم تُــبــدِ اصــغــاءً لهـا وسَـمـاعـا
8
ولو كــنــت أدري أنــهــا أعــجــمـيّـة
تَـخِـذت بـهـا السـيـف الجُـراز يـراعا
9
ولو شـئت كـايَلْت الذين أنطَوَوا بها
عـلى الحِـقـد صـاعـاً بـالعِداء فصاعا
10
ولكـن هـي النـفـس التي قد أبَتْ لها
طــبـاع المـعـالي أن تَـسُـوء طـبـاعـا
11
أبَـــيْـــت عــليــهــم أن أكــون بــذِلّةٍ
وتـأبـى الضَـواري أن تـكـون ضـبـاعـا
12
عـلى أنـنـي دارَيْـت مـا شـاء حـقـدهم
فـلم يُـجْـدِ نـفـعـاً مـا أتَـيْـت وضـاعا
13
وأشـقَـى الورى نـفـسـاً وأضـيعهم نُهىً
لبــيــبٌ يــداري فــي نُهــاه رَعــاعــا
14
تــركــت مـنِ الشـعـر المـديـح لأهـله
ونــزّهــت شــعــري أن يــكــونِ قـذاعـا
15
وأنـشـدتـه يـجـلو الحـقـيـقة بالنُهَى
ويــكــشِــف عـن وجـه الصـوابِ قـنـاعـا
16
وأرســلتــه عــفـواً فـجـاء كـمـا تـرى
قَــوافــيَ تَــجــتْــاب البــلادِ سـراعـا
17
وقـفـت غـداة البَـيْن في الكرخ وقفةً
لهــا كَــرَبـت نـفـسـي تـطـيـر شَـعـاعـا
18
أوَدّع أصــحــابــي وهــم مُـحـدِقـون بـي
وقــدِ ضـقـت بـالبـيـن المُـشِـتّ ذراعـا
19
أودّعــهـم فـي الكـرخ والطـرف مـرسِـل
إلى الجـانـب الشَـرقـيّ مـنـه شُـعـاعا
20
وأدعَــم رأســي بــالأصــابـع مُـطـرِقـاً
كــأنّ بــرأســي يــا أمــيــمُّ صــداعــا
21
وكـنـت أظـنّ البـيـن سـهـلاً فـمذ أتى
شَـرَى البـيـن مـنـي مـا أراد وبـاعـا
22
وإنّــي جــبــان فــي فــراق أحِــبّــتــي
وإن كـنـت فـي غـيـر الفـراق شـجـاعا
23
كــأنّــي وقــد جَــدَّ الفــراق سـفـيـنـةٌ
أشـالت عـلى الريـح الهَـجـومِ شـراعا
24
فـمـالت بـهـا الأرواح والبحر مائج
وقــد أوشــكــت ألواحــهــا تــتـداعـى
25
فــتــحــســبــنـي مـن هـزّة فـيّ أفْـدَعـاً
تـــرقَّى هـــضـــابـــاَ زُلزلت وتِــلاعــا
26
فــمــا أنــا إلاّ قــومـة وأنـحـنـاءة
وسِـــرٌّ إذاعـــتـــه الدمـــوع فَــذاعــا
27
رعـى اللّه قـومـاً بـالرُصـافـة كـلمـا
تـــذكَّرتـــهــم زاد الفــؤاد نــزاعــا
28
أبـيـت ومـا أقـوى الهـمـوم بـمَـضـجَـع
تُــصــارعــنــي فـيـه الهـمـومِ صـراعـا
29
وألْهـو بـذكـراهـم عـلى السـير كلما
هــبَــطــتِ وهــاداً أو عــلوت يَــفـاعـا
30
هم القوم أما الصبر عنهم فقد عصى
وأمــا أشـتـيـاقـي نـحـوَهـم فـأطـاعـا
31
لقـد حـكّـمـونـي فـي الأمور فلم أكن
لأنــــطِــــق إلاّ آمـــراً ومُـــطـــاعـــا
32
فـلسـت أبـالي بـعـد أن جَـدَّ بَـيـنـهُـم
زجــرت كــلابــاً أم قَــحَــمْـت سـبـاعـا
33
ســلام عــلى وادي الســلام وأنــنــي
لأجــعــل تــســليــمــي عــليـه وَداعـا
34
له اللّه مـــن وادٍ تـــكــاسَــلَ أهــله
فــبــاتُــوا عِــطـاشـاً حـوله وجـيـاعـا
35
رآهــم عــبــيــداً فــاســتـبـدّ بـمـائه
ولم يَـجْـر بـيـن المُـجْـدِبـاتِ مُـشـاعـا
36
جـرى شـاكـراً صُـنْـع الطـبـيـعـة أنـها
أبــانَـت يـداً فـي جـانـبـيـه صَـنـاعـا
37
ومــا أنْـسَ لا أنـس المـيـاه بـدجـلة
وأن هـي تـجـري فـي العـراق ضَـيـاعـا
38
ولو أنـهـا تَـسْـقـي العـراق لما رَمَتْ
بـه الشـمـس إلاّ فـي الجـنـان شُعاعا
39
ومــا وَجَــدَت ريــح وأن قـدتَـنـا وَحـت
مَهَـــبّـــاً بـــه إلا قُـــرىً وضــيــاعــا
40
سـأجـري عـليـهـا الدمـع غـيـر مُـضـيَّع
وأنــدُبُ قــاعــاً مــن هــنـاك فـقـاعـا
41
وأذكــر هــاتــيـك الرِبـاعَ بـحـسُـنْهـا
فـنـعـمـتْ عـلى شَـحْـط المَـزار ربـاعـا
تعليقات القراء 0