نجيّت بالسدّ بغداداً من الغرق
للشاعر معروف الرصافي
1
نــجــيّــت بـالسـدّ بـغـداداً مـن الغـرق
فـعـمّهـا الأمـن بـعـد الخـوف والفـرق
2
قـد قـمـت بـالحـزم فـيها والياً فجرت
أمــورهــا فــي نــظــام مــنــك مــتّـسِـق
3
لقــد نــجــحــت نـجـاحـاً لا يـفـوز بـه
مــن خــالق الحــزم إلا حـازم الخـلق
4
ويــح الفــرات فــلو كــانــت زواخــره
تـدري بـعـزمـك لم تـطـفـح عـلى الطرق
5
ولا غــدت تــجــرف الأســداد قــاذفــةً
مـنـهـا بـسـيـل عـلى الأنـحـاء مـندفق
6
حــيــث الحـويـرة أمـسـت مـنـك طـالبـة
رتـقـاً لسـدّ بـطـامـي السـيـل مـنـفـتـق
7
بــاتــت تــجــيــش بــتـيّـار وبـات لهـا
أهــل العــراقــيــن فـي هـمٍّ وفـي قـلق
8
حــتـى إذا أيـقـنـت أرض العـراق بـأن
تـفـنـى مـن الظمء أو تفنى من الغرق
9
شـمّـرت عـن هـمـم تـعـلو النـجـوم وقـد
أمـسـى الزمـان إليـهـا مـتـلع العـنق
10
فــكــدت تــمـلأ فـرغ الواديـيـن بـمـا
حــشــرت مــن طــبــق يـأتـيـك عـن طـبـق
11
لمــا خــرجــت وكــان الخــرق مـتّـسـعـاً
والنــاس مــا بــيــن ذي شــك ومــتَـثـق
12
قـالوا نـحـا شـقّـةً قـصـوى ومـا علموا
بــأن عــزمــك يــدنــي أبــعــد الشـقـق
13
فــصــدّق الله ظــنّــا فــيــك أحــســنــه
قـــومٌ وكـــذب ظـــنّ الجـــاهــل الخــرق
14
إذ جـئت والسـدّ تـحـت الغـمـر مـكـتسحٌ
والنـهـر يـرغـو بـمـوج فـيـه مـصـطـفـق
15
وثــلمــة الســدّ كــالمــهــواة واسـعـة
يـهـوي بها السيل من فوق إلى العمق
16
ســــللت صــــارم رأيٍ قــــد أزلت بــــه
مـا كـان فـي السـيل من طيش ومن نزق
17
فــمــا تــمــوجّ مـاء النـهـر مـن غـضـب
وإنــــمــــا أخـــذتـــه رعـــدة الفـــرق
18
ثـــبّـــتّ عـــزمـــك فــي أمــر يــذلّ بــه
عـزم الحـصـيـف لمـا يـحـوي مـن الزلق
19
تـقـضـى النـهـار بـرأب الثأي مجتهداً
وتــقــطــع اليــل بـالتـدبـيـر والأرق
20
حـتـى بـنـيـت وكـان النـهـر مـنـفـلقـاً
ســدّاً عــليــه رصــيــنـاً غـيـر مـنـفـلق
21
أرســيــتــه جــبــلاً قــامـت ذراه عـلى
أصـل مـع المـوج تـحـت المـاء مـعـتنق
22
فــراحــت النـاس تـمـشـي فـوقـه طـربـاً
والنـهـر يـنـسـاب بـين الغيظ والحنق
23
وصــار مــعــكــس فــخــر أنــت مــرجـعـه
كـالنـور يـرجـع مـعـكـوسـاً إلى الحدق
24
وقــد ركــزت بــه الرايــات خــافــقــة
مـا بـيـن طـاقـيـن مـرفـوعـيـن في نسق
25
مــن كــل أحــمــر قــانٍ وســطــه قــمــر
يــتــلوه نــجــم بــلون أبــيــض يــقــق
26
فــظــلّ حــاســدك المــغـبـون مـنـطـويـاً
عــلى فــؤاد بــنــار الجــهـل مـحـتـرق
27
ودّ الفـــرات حـــيــاءً مــنــك يــومــئذ
لو غـار يـسـلك تـحـت الأرض فـي نـفـق
28
لمـا اقـتـدحـت زنـاد الرأي مـفـتـكراً
فـي الخـطـب ألهـبـت مـنه فحمة الغسق
29
فــأدبــر الهــمّ وانــشــقّــت غـيـاهـبـه
كـمـا قـد انـشـقّ سـجـف الليـل بالفلق
30
أن الأمـور إذا اسـتـعـصـت نـوافـرهـا
أخــذتــهــنّ مــن التــدبــيــر فـي وهـق
31
وإن تـــصـــامــمــت الأيــام عــن طــلب
أســمــعــتــهــنّ بــصــوت مــنـك صـهـصـلق
32
تـنـحـلّ بـالرأي مـنـك المـشـكلات لنا
كــالنــور يـنـحـلّ ألوانـاً مـن الشـرق
33
وكــلمــا زدت تــفــكــيــراً بــمــعـضـلة
زادت وضـوحـاً لنـا حـتـى عـلى الشـفـق
34
فـالفـكـر مـنـك كـأبـعـاد الفضاء بلا
حــدٍّ يـسـابـق خـطـف البـرق فـي الطـلق
35
يــحـكـي الأثـيـر إذا أجـرى تـلاطـمـه
أبــدي ســواطــع نــور مــنــه مـنـبـثـق
36
لك الثـــنـــاء عــليــنــا أن نــخــلّده
نقشاً على الصخر لا رقماً على الورق
37
تــاللّه لو بـلغـت زهـر النـجـوم يـدي
مــن كــل جــرم بــصـدر الليـل مـؤتـلق
38
رتــبـتـهـا حـيـث كـل النـاس تـقـرؤهـا
سـطـراً بـمـدحـك مـكـتـوبـاً عـلى الأفق
تعليقات القراء 0