لما اِنجَلَت مِن حُجُب الزَمانِ
للشاعر إبراهيم طوقان
1
لمــا اِنـجَـلَت مِـن حُـجُـب الزَمـانِ
مَــرابِــعُ الخُــلودِ وَالمَــغــانــي
2
ضاقَ عَلى النَفسِ الكيانُ الفاني
وَعـــالمٌ يَـــغَـــصُّ بِـــالأَشـــجـــانِ
3
وَيــفــجــعُ القُــلوبَ بِــالأَمـانـي
4
لاحَ لَهـا مِـن الخُلود ما اِستَتر
وَاِمـتَـلَك السَـمـعَ عَلَيها وَالبَصَر
5
وَاِمـتَـزَجت مَع النَسيمِ في السَحَر
وَاَرتَــفَــعَـت عَـلى أَشِـعّـةِ القَـمَـر
6
شَـــفّـــافـــةً عُـــلويــةَ الأَلحــانِ
7
وَلَم يَـطُـل بِهـا المَـدى حَتّى دَنا
أَبـعـدُ مـا تَـرجوه مِن غُرِّ المُنى
8
هُــنــا هَــيــاكـلُ الخُـلودِ وَهُـنـا
كُـلُّ عَـظـيـمِ القَـدرِ وَضّـاح السَنا
9
فَــاِنــطَــلَقَــت مُــرسَــلَةَ العِـنـانِ
10
طـافَـت عَـلى المُـلوكِ وَالقَياصِرَه
فــاِنـقَـلَبَـت تَـقـولُ وَهِـيَ سـاخِـرَة
11
أَضــخــمــكـم أُسـطـورةٌ أَو نـادِرَه
وَإِنَّمـــا الخُـــلودُ للعــبــاقِــرَه
12
جَــبــابــر النُــفــوسِ وَالأَذهــانِ
13
للأَنـــبـــيــاءِ أَرفَــعُ المَــقــامِ
يُـــحَـــفُّ بِـــالجَـــلال وَالاكــرامِ
14
وَعِــــنــــدَهُـــم رَوائِعُ الإِلهـــامِ
فـيـهـا الهُـدى وَالنُـورُ للأَنـامِ
15
وَغــايـةُ الكَـمـالِ فـي الإِيـمـانِ
16
وَالشُهـداءُ بَـعـدَهُـم في المَرتَبه
أَهـلُ الفِـدى في الأُممِ المُعَذَّبَه
17
صَــــبَّ الشَهــــيــــدُ دَمَهُ وَقَــــرَّبَه
يَــقــولُ إِنَّ المــهــجَ المــخـضَّبـَه
18
أَدفـــع للضَـــيــمِ عَــن الأَوطــانِ
19
وَاِجــتَـمَـعَ السِـحـرُ إِلى الفُـتـونِ
بَــيــنَ رُبــى الخُــلودِ وَالعُـيـونِ
20
قَـــرائِحٌ مِـــن جَــوهَــرٍ مَــكــنــونِ
تَـــشِـــعُّ بِـــالعُـــلومِ وَالفُــنــونِ
21
وَتَــغــمُــرُ العــالمَ بِــالإِحـسـانِ
22
أُولَئِكَ الشُـــــمـــــوسُ وَالبُــــدورُ
دائِمَـــة الإِشـــراقِ لا تَـــغـــورُ
23
أَفـــلاكَهـــا مــا كَــرَّت الدُهــورُ
الحُــــبُّ وَالجَــــمـــالُ وَالسُـــرورُ
24
وَالخَـيـرُ وَالحِـكـمَةُ في الإِنسانِ
25
أَصـغـيـتُ لِلنَـفـس تَـقـولُ مـا لَيه
طــوَّفـتُ فـي الخُـلود كُـلَّ نـاحـيَه
26
فَـمـا وَجَـدتُ مـثـلَ تِـلكَ الرابيَه
مُــشــرِفَــةً عَــلى الوجـود عـاليَه
27
عـــاتـــيـــةً وَطـــيــدة الأَركــانِ
28
رَأَيـــت ظِـــلاً شــامِــلاً ظَــليــلا
يَــضُــمُّ صَــرحــاً مــاثِــلاً جَـليـلا
29
فَـاِرتـدَّ طَـرفـي عَـنـهُـمـا كَـليـلا
إِذا طَــلَبــتُ لَهُــمــا تَــمــثـيـلا
30
فَــالحَــدَثُ الحَــمــراءُ فـي بـوّانِ
31
رَأَيــتُ بـيـضـاً يَـعـتـنـقـنَ سُـمـرا
هُــنَّ النُــجــومُ يَــأتَــلِقـنَ زُهـرا
32
فــــي يَــــد كُــــلِّ فـــارِسٍ أَغَـــرّا
يَـلتَـمـسُ المَـجـدَ الأَثـيـلَ قَـسرا
33
وَالمَــجــدُ لَن يَــكــونَ للجــبــانِ
34
رَأَيـتَ غـيـداً مِـن أَعاريب الفَلا
حُـمـرَ الجَـلابـيـبِ غَـرائِبَ الحِلى
35
خُــلِقــنَ مِــن حُـسـنٍ وَفِـتـنَـةٍ فَـلا
تَـــطـــرِيَــةً تَــرى وَلا تــجــمُّلــا
36
وَهَـــكَـــذا فَــلتَــكُــن الغَــوانــي
37
ذاكَ الَّذي وَقَــفــنَ عَــن جَـنـبـيـهِ
خِــلتُ مُــلوكَ الأَرض فــي بُـردَيـهِ
38
أَو الأَنــامَ تَــحــتَ أَخــمــصَــيــهِ
قِــيــلَ اِســجُــدي خــاشِــعَـةً لَدَيـهِ
39
فَــالمُــتَــنَــبــي سَــيِّدُ المَــكــانِ
40
إِن كُـنـتِ مِـمّـن يَـصـحَـبُ الكِـتابا
وَيَـــألفُ الطِـــعــانَ وَالضِــرابــا
41
وَيَهــجــرُ النَــديــمَ وَالشَــرابــا
جـــئتِ أَعـــزَّ خـــالدٍ جَـــنـــايـــا
42
وَفـــزتِ بِـــالإِكـــرام وَالأَمـــانِ
43
نَــكَــســتُ رَأســي وَدَنَــوتُ أَعــثُــرُ
فَــأَيــن كِــســرى هـيـبَـةً وَقَـيـصـرُ
44
بَــيــنَ يَــدَيــهِ أَســدٌ غَــضَــنــفَــرُ
عَــلَيــهِ مِــن ضــربَــةِ سَــوطٍ أَثــرُ
45
يُـغَـنـي ابـنَ عَـمّـارٍ عَـن البَـيانِ
46
وَمُــضــحــكٌ مُــشــقَّقــُ الكَــعــبـيـنِ
أَســـوَدُ لابـــيٌّ بِـــمـــشـــفـــريــنِ
47
عِهِـــدتُهُ يُـــشَـــدُّ بِـــالأُذنَـــيـــنِ
وَقَـــدرُهُ يُـــرَدُّ بِـــالفِـــلسَـــيـــنِ
48
يَــوم تَــروجُ سِــلعَــةُ الخِــصـيـانِ
49
كـــانَ لِمـــصـــرَ سُـــبَّةـــً وَعـــارا
يَــومَ أَثــارَ الشـاعـرَ الجَـبّـارا
50
لَم أَدرِ هـل كـانَ الهِـجـاءُ نارا
أَم عــاصِــفــاً هُــيّــجَ أَم تَـيّـارا
51
أَم شُــقَّ ذاكَ الصَـدرُ عَـن بُـركـانِ
52
وَثَــمَّ وَحــشٌ فَــمُهُ دامــي الزَبَــد
فـي جـيـدِهِ حَـبـلٌ غَـليـظٌ مِـن مَسَدْ
53
قُـلتُ أَلا أَسـألُ مـا هَـذا الجَسَد
قـالَ بَـلى هَـذا غَـريـمُـنا الحَسَد
54
مُــرتَــبِـكُ الأَخـلاطِ فـي شَـيـطـانِ
55
رَأَيـتُهُ يَـطـمِـسُ عَـيـنـيـهِ العَـمـى
سَــعــيــرُ قَــلبِهِ طَـغـى عَـلَيـهـمـا
56
قُــلتُ وَهَــذا خــالد أَيـضـاً فَـمـا
أَعـجَـبَ أَن يَـبـقى الأَذى وَيَسلَما
57
وَيَــنــعــمَ الشَــرُّ بِــعُــمــرٍ ثــانِ
58
تَـــبَـــسَّمـــَ الشـــاعــرُ ثُــمَّ رَدَّدا
فـي الوَحـشِ نَـظـرَةً كَأَنَّها الرَدى
59
قــالَ لَئن نَـكَّدَ عَـيـشـي بِـالعِـدى
حَــــتّـــى دَعَـــوتُ وَلَدي مُـــحَـــسَّدا
60
فَـــــإِنّه خُـــــلِّدَ فــــي الهَــــوانِ
61
تَــقــدَّمــي يـا نَـفـسُ وَاسـأَليـنـي
عَـن أَثَـر المـفـتـاحِ فـي جَـبـيني
62
بَـــدَّلنـــي بِـــكـــيــدِهِ اللَعــيــنِ
ذُلَّ الوِجــار مِــن حِـمـى العَـريـنِ
63
حِـمـى المُـلوكِ مِـن بَـنـي حـمـدانِ
64
وَمـا اِبـتَلى الحَسودُ إِلا جَوهَرا
يَــتــمُّ نــوراً وَيَــطــيـبُ عُـنـصـرا
65
وَالفَـضـلُ لا بُـدَّ لَهُ أَن يَـظـهَـرا
تُـحـدِّثُ الأَعـصُـرُ عَـنـهُ الأَعـصـرا
66
وَلِلحَــســودِ غَــمــرَةُ النِــســيــانِ
67
عـودي إِلى دُنـيـاكِ دُنـيا العَرَبِ
بِــــجَــــذوَةٍ تُـــضـــرِمُ رُوحَ الأَدَبِ
68
وَتُــغــمِــرُ الشَــرقَ بِهَـذا اللَهَـبِ
قَـد يَـسـتَـردُّ الحَـقَّ بَـعـضُ الكُـتُبِ
69
وَقَــد يَـكـونُ المَـجـدُ فـي ديـوانِ
تعليقات القراء 0