ما بالُ مُوسَى بلا سَمْعٍ ولا بَصَرِ
للشاعر ناصيف اليازجي
1
مــا بــالُ مُــوسَـى بـلا سَـمْـعٍ ولا بَـصَـرِ
فــلا يُـجـيـبُ الذي يَـدعُـوهُ فـي السَـحَـرِ
2
مــا بــالُهُ مُــعــرِضــاً عَــنّــا أمِـنْ مَـلَلٍ
عَـــراهُ أم شَـــغَـــلتْهُ أُهْـــبَـــةُ السَّفـــَرِ
3
مـا بـالُهُ اليـومَ مـغـلولَ اليَـدينِ وقد
كــانــتْ يَــداهُ كــنَـصْـلِ الصَّاـرمِ الذَكَـرِ
4
قــد كـانَ بـالأمـسِ مُـوسَـى فـي مَـجـالِسِهِ
يُـروي صَـدَى السَمْعِ أو يجلو صَدا النظرِ
5
ويَــفــصِــلُ الأمــرَ والألبــابُ فـي دَهَـشٍ
ويُــفــصِــحُ القــولَ والأفـواهُ فـي حَـصَـرِ
6
ويـلَتـقـي الوَفْـدَ بـالتَّرْحـابِ مُـبـتَـسِـماً
كــأنــهــم وَفَــدُوا بــالخَــيْــلِ والبِــدَرِ
7
يـا صـاحـبـي زُرْ ثَرَى موسى الكريمِ وقل
يــا أكــرمَ التُــرْبِ هـذا أكـرمُ البَـشَـرِ
8
أظــمــاكَ حَــرُّ دُمــوعٍ قــد سُــقِـيـتَ بـهـا
حــتــى سَــقَـتْـكَ الغَـوادي بـاردَ المَـطَـرِ
9
هــل كــانَ قَــبــلَكَ مــن رَمْــسٍ بــرابـيـةٍ
أضـحَـى ضَـريـحـاً فـأمـسَـى مَـنـزِلَ القـمَـرِ
10
أتــاكَ تــابــوتُ مُــوســى فــي مَــحـافـلِهِ
يَــسـعَـى كـتـابـوت عَهْـدِ اللهِ فـاعـتـبِـرِ
11
مـن كـانَ يـعـلُو سُـروجَ الخـيـلِ مُـذهَـبـةً
قــد زاركَ اليــومَ بــالألواحِ والدُسُــرِ
12
وبـــاتَ فـــيــكَ فَــريــداً مَــن مَــجــالِسُهُ
كــانَــتْ تَــضِــيـقُ عـنِ الأخـلاطِ والزُّمَـرِ
13
مــن كــانَ أقــرَبَ أهــلِ الأرضِ مَـنـفَـعـةً
وكـــانَ أبـــعــدَ أهــلِ الأرضِ عــن ضَــرَرِ
14
وأوسَــعَ النــاسِ صَــدراً فــي مَــضــايِــقِهِ
وأجــمَــلَ النــاسِ صـبـراً سـاعـةَ الضَـجَـرِ
15
القـــائلُ الحـــقَّ فـــي سِـــرٍّ وفــي عَــلَنٍ
والفــاعـلُ الخـيـرَ فـي صَـفـوٍ وفـي كَـدَرِ
16
والمُــســتــزيــدُ بــجــوُدِ اللهِ خَــشْـيَـتَهُ
فــكُـلَّمـا ازدادَ أمـنـاً زادَ فـي الحَـذَرِ
17
وكُـــلَّمـــا ازدادَ مــالاً زادَ مَــكــرُمــةً
كالدَّوحِ ما ازدادَ غُصناً زادَ في الثَمَرِ
18
وكُــلَّمــا ازدادَ مــن مَــجْــدٍ ومــن شَــرَفٍ
زادَتْ وَداعـــتُهُ فـــي القَـــدْرِ والقَـــدَرِ
19
قـد خُـطَّ فـي قـلبـهِ مـا كـانَ مُـنـتـقِـشـاً
فــي كَــفِّ مُــوســى عـلى لَوْحٍ مـنَ الحَـجَـرِ
20
مَــشَــى عــلى سَــنَـنِ الخَـيـراتِ مـن صِـغَـرٍ
حــتّــى اســتَـمـرَّ فـكـانـتْ عـادةَ الكِـبَـرِ
21
مـــــا ذَمَّ قَـــــطُّ ولا ذُمَّتـــــْ خَـــــلائقُهُ
يــومــاً فـمـاتَ حـمـيـدَ العـيـنِ والأثَـرِ
22
كـــانـــتْ لنـــا عِـــبــرةً آدابُ ســيــرتِهِ
واليـومَ مـا زالَ في الدُّنيا من العِبَرِ
23
رُكــنٌ تَهــدَّمَ فــي بــيــروتَ فــانــدَفَـعَـتْ
أهــوالُ صَــعْــقَــتِهِ فــي المُـدْنِ والجُـزُرِ
24
لَئِن رَثَــيــنــاهُ عــن خُــبْــرٍ بــمَــوضِــعِهِ
فــكــم رَثــاهُ بــعــيـدُ الدَّارِ عـن خَـبَـرِ
25
هَـــوَى إلى التُـــرْبِ مــن أبــراجِ عِــزّتِهِ
واعـتـاضَ بـالكَـفَـنِ البـالي عـن الحِـبَرِ
26
قـد كـانَ يَـقـرِي المَـلاَ مـن مالِهِ فغدا
يَـقـري هَـوامَ البِـلَى مـن جِـسـمِهِ النَـضِرِ
27
هــذا الذي تَــعِــدُ الأُمُّ البَــنــيـنَ بـهِ
مُـنـذُ الوِلادةِ قـبـلَ الرَهْـزِ فـي السُرُرِ
28
نــعــيــشُ للمــوتِ إذ كــانــتْ وِلادتُـنـا
للمــوتِ فـالعَـيـشُ فـي أيَّاـمـنِـا الأُخَـرِ
29
لا يَـتـرُكُ البَـيـنُ عـيـنـاً غـيـرَ بـاكيةٍ
وليــسَ يَــتــرُكُ قــلبــاً غــيــرَ مُـنـكـسـرِ
30
إذا وَرَدْنــا حِــيــاضَ العَــيْــشِ صــافـيـةً
فــأقَــصــرُ الوَقـتِ بـيـنَ الوِرْدِ والصَـدَرِ
تعليقات القراء 0