أرى الشعر أحياناً بجيش بخاطري
للشاعر معروف الرصافي
1
أرى الشـعـر أحـيـاناً بجيش بخاطري
ويـبـذل مـا قـد عـزّ لي مـن مـصـونه
2
ويــسـكـن أحـيـانـاً فـاشـجـى وإنـمـا
تــحــرّك شــجــوي نـاشـيٌ مـن سـكـونـه
3
وقـد أتـوخّـى الهـزل مـنـه مـجـارياً
لدهــر أراه مُــوغــلاً فــي مــجـونـه
4
ولكــنّ نــفــســي وهـي نـفـس حـزيـنـة
تـمـيـل إلى المـشجي لها من حزينه
5
وقــد عـلم الراوون شـعـري بـأنـهـم
إذا أنــشــدوه أطــربــوا بــلحـونـه
6
وإِنّـي إذا اسـتـنـبـطـته من قريحتي
شـفـيـت صـدى الراوي بـبـرد مـعـينه
7
وإنــي عــلى عــلم طــويــت ســهــوله
ولم أتـــحـــيّــر خــابــطــاً حــزونــه
8
وإنـــي لمـــحّـــاص له بـــســـليـــقــة
أبـت غـثّه واسـتـوثـقـت مـن سـمـيـنه
9
وهـل يـخـطـر الشعر الركيك بخاطري
إذا كـان فـي طـوعـي اختشاب متينه
10
ألا لا اهتدت للشعر يوماً هواجسي
إذا هــي لم تــنــزع إلى مــســبـيـه
11
ولا غـصـت فـي بـحر القريض مخاطراً
إذا لم أفــز مــن درّه بــثــمــيـنـه
12
عـلى أن لي طـبـعـاً لبـيـقـاً بـوشيه
نــزوعــاً إلى أبــكــاره دون عـونـه
13
إذا انـتـظـمـت أبـيـاته في قصائدي
تــرى كــل بـيـت مـمـسـكـاً بـقـريـنـه
14
ومـا كـن دوح الشـعـر يوماً لتجتنى
بـغـيـر اليـد الطـولى ثـمار غصونه
15
ولم يــســتــقــد إِلاّ لذي المــعـيّـة
يــكـون كـرأي العـيـن رجـم ظـنـونـه
16
وإنّــيَ قــد مــارســتــه بــفــطــانــة
يــلوح ســنــاهــا غـرّةً فـي جـبـيـنـه
17
لعـمـري أن الشـعـر صـمـصـام حـكـمـة
وأن النــهــي مـعـدودة مـن قـيـونـه
18
إذا جــنّــنـي ليـل الشـكـوك سـللتـه
عــليــه فــفّــراه بــفــجــر يـقـيـنـه
19
ومـا الشـعر إلا مؤنسي عند وحشتي
ومــســلي فـؤادي عـنـد وري شـجـونـه
20
تــقــوم مـقـام الدمـع لي نـفـثـائه
إذا الدهـر أبـكـانـي بـريـب منونه
21
وأجـــعـــله للكـــون مـــرآة عــبــرةٍ
فــيـظـهـر لي فـيـهـا خـيـال شـؤونـه
22
فـأبـصر أسرار الزمان التي انطوت
بـمـا دار في الأحقاب من منجنونه
23
وللشــعـر عـيـن لو نـظـرت بـنـورهـا
إلى الغيب لاستشفيت ما في بطونه
24
وأذن لو اسـصـغـيـتـهـا نـحـو كـاتـم
ســمــعــت بـهـا مـنـه حـديـث قـرونـه
25
وليــل إلى شـعـراه أرسـلت فـكـرتـي
رســولاً بــشــعـري حـامـلاً لرقـيـنـه
26
ســل الليــل عــنَــي ســره وســمـاكـه
ونــجــم ســهــاه والجــديّ خــديــنــه
27
فكم بتّ في نهرة المجرّة في الدجى
مـن الشـعـر اجـري مـنـشـآت سـفـيـنه
28
هـو الشـعـر لا أعـتـاض عـنه بغيره
ولا عـن قـوافـيـه ولا عـن فـنـونـه
29
ولو سـلبـتـنـيه الحوادث في الدنى
لمـا عـشـت أو مـارمـت عـيـشـاًبدونه
30
إذا كان من معنى الشعور اشتقاقه
فــمــا بـعـده للمـرء غـيـر جـنـونـه
تعليقات القراء 0