أقوى مصيف القوم والمربع
للشاعر معروف الرصافي
1
أقـوى مـصـيـف القـوم والمـربع
فــالدار قــفـر بـعـدهـم بـلقـع
2
ســارت بـنـا الأرض إلى غـايـةٍ
لنـــا وللأرض هـــي المـــرجـــع
3
ونــحــن كـالمـاء جـرى نـابـعـاً
لكــن عــليــنـا خـفـي المـنـبـع
4
والعـلم قـد أنـكـر مـنـهـاجـنا
ولم يُــبِــنْ أيــن هـو المـهـيَـع
5
خـــرقـــت يــا عــلم رداء لنــا
كــنــا ارتـديـنـاه فِهـل تـرقـع
6
فَـجَـعْـتَـنـا يـا عـلم فـي أمرنا
أمـــعـــتِـــب أنـــت إذا نــجــزع
7
لقـد طـغـت حـيـرة أهـل النـهـى
هــل فـيـك يـا عـلم لهـا مـردع
8
كــم نـشـرب الظـنّ فـلا نـرتـوي
ونــأكــل الحــدس فــلا نــشـبـع
9
والنـاس ويـل النـاس فـي غفلةٍ
تــرتــع والمــوت بــهــم يـرتـع
10
والكـــون قـــد لاح بــمــرآتــه
للعــيــش وجــه شــاحــب أســفــع
11
وإن فــي البــدر لخــطــبـاً بـه
فــي البــدر لاحـت بـقـع أربـع
12
فـالعـيـن مـا يـورث حـزناً ترى
والاذن مــا يــزعـجـهـا تـسـمـع
13
والأرض فــي مــنــقـلب بـالورى
والشــمـس مـن مـشـرقـهـا تـطـلع
14
حــتــى إذا مـا بـلغـت شـوطـهـا
لاحـت نـجـوم فـي الدجـى تـلمع
15
وهـكـذا الظـلمـة تـتـلو الضيا
والضــوء للظــلمــة يــسـتـتـبـع
16
ونـــحـــن فـــي ذاك وفـــي هــذه
بـالنـوم واليـقـظـة نـسـتـمـتـع
17
مـا بـيـن مـسـعـود يميت الدجى
نــومــاً ومــنـكـود فـلا يـهـجـع
18
ومــســرع يــســبــقــه مــبــطــىءٌ
ومــبــطــىء يــســبــقــه مــســرع
19
وشـــامـــت يــضــحــك مــن حــادث
حـــلّ بـــبـــاكٍ قـــلبــه مــوجــع
20
لو كــان للقــســوة عــيـنٌ وقـد
رأتــه كــانــت عـيـنـهـا تـدمـع
21
والكــلّ فــي شــغْــب لهــم دائم
لم يـقـلعـوا عـنه ولن يقلعوا
22
والمــاء يــمــســي وشـلا تـارة
وحـــــوضـــــه آونــــة مــــتــــرع
23
والريــح تــجـري وهـي ريـدانـة
حــيــنــاً وحـيـنـاً عـاصـف زعـزع
24
وبــعــضــهــم تــمــرع وديــانــه
وبــعــضــهــم واديــه لا يـمـرع
25
قــد يــحــسـب الإنـسـان آمـاله
والمــوت مــصــغٍ نــحـوه يـسـمـع
26
حــتــى إذا أكــمـل حـسـبـانـهـا
وأفـــاه مـــا ليــس له مــدفــع
27
فــخــرّ للجــنــب صــريــعــأً بــه
وأي جــــنـــبٍ مـــا له مـــصـــرع
28
وظـــل فـــوق الأرض فــي حــالةٍ
يــزَوّر عـنـهـا الحـسـب الأرفـع
29
لا تــعـمـل الأقـلام فـي كّـفـه
وكــان مــن قــبــلُ بـهـا يـصـدع
30
ولم تــعــد تــقــطــع أســيـافـه
مـن بـعـد مـا كـان بـهـا يـقطع
31
فـاسـتّـلّ مـثـل السـيف من مُطرَف
طـــرائق الوشـــي بـــه تـــلمــع
32
ولُفّ فــــــي ثـــــوب له واحـــــدٍ
ليــــس له رقــــم ولا مـــيـــدع
33
واهـــاً له ثـــوب البــلى إنــه
يــبـلى مـع الجـسـم ولا يـنـزع
34
ودُسّ حـــيـــث الأرض أمــســت له
مــلحــودة ضـاق بـهـا المـضـجـع
35
حـيـث البـلى يـرمـيـه حتى إذا
لم يـبـق فـي قـوس البلى منزع
36
خــالط تــرب الأرض جــثــمـانـه
مــطـحـونـة مـنـه بـهـا الأضـلع
37
لله دّر المــــوت مــــن خـــطـــةٍ
فيها استوى ذو العيِّ والمِصقع
38
يـخـون فـيـهـا القـولُ مـنـطيقه
كــمــا تــخــون البـطـل الأَدرع
39
مــا أقــدر المـوت فـمـن هـوله
لم يــنــجُ لا كــسـرى ولا تُـبَّع
40
يـا رافـع البـنـيان كم للردى
مـــن ســـلّم يــدرك مــا تــرفــع
41
ويـا طـبـيـب القـوم لا تـؤذِهم
إن دواء المـــوت لا يـــنــجــع
42
لابــد للمــغــرور مــن مــنــدّم
بـالعـضّ تـدمـى عـنـده الأصـبـع
43
ومـا عـسـى تـغـنـي وقـد حـشرجت
نــدامــةٌ ليــســت إذاً تــنــفــع
44
يـا بُـرقُـع الخـلقـة واهـاً لما
فــيــك وآهــاً مــنـك يـا بـرقـع
45
قـد زاغـت الأبـصـار فيما ترى
إذ فــات عــنـهـا سـرّك المـودع
46
وليـس فـي الإمكان عند النهى
أبـــدعُ مـــمّــا خــلق المــبــدع
تعليقات القراء 0