خير الوفود وأكرم الركبان
للشاعر عباس محمود العقاد
1
خــيــر الوفــود وأكــرم الركـبـان
هـذا الوداع أم اللقـاء الثـانـي
2
عـدتـم فـهـل شـفـى الغليل بعودكم
بــعــد الفــراق وقــرت العــيـنـان
3
وتـجـمـع الشـمـل الشـتيت فهل دنا
مــا كــان فــي أوديــن ليـس بـدان
4
والهــفــة القــطــان إن مــآبــكــم
غـــيـــر المــآب لوصــلة القــطــان
5
وأرى المـقـابـر أعـجـلتـكم بينهم
عـــن رفـــقـــة وقـــرابــة ومــغــان
6
سـبـق القـضـاء بـأن تـكون سفينكم
نــعــشــاً يــحــف طــريــقــه قـبـران
7
مـا كـاد يـبـتـعـث الرجاء إلى غد
حــتــى تـعـثـر بـالحـمـام الجـانـي
8
فـإذا البـشـائر بـالسلامة بعدكم
نــبـأ النـعـاة يـطـيـش بـالأذهـان
9
وإذا قــرار الراحــليــن لرجــعــة
ذاك القــرار إلى مــدى الأكــوان
10
وإذا هـدى العـلم الذي تـبـغـونـه
فــصـل الخـطـاب وغـايـة الحـسـبـان
11
فــي غـربـة قـصـرت وطـال فـراقـهـا
يــا ليــتــهــا سـفـر عـن الأوطـان
12
شــهــداء فــي وطــن يــجــل كـرامـه
شـــهـــداء كـــل عـــشــيــرة ولســان
13
عـرفـوا لكـم حـق الحفاوة فاحتفت
بــطــمــاح مــصـر حـمـيـة الطـليـان
14
وشـكـوا شـكـاة الثاكلين غداة لا
يــشــكــو لغــيـر غـيـابـكـم أبـوان
15
وبــكـت ومـا نـظـرت اليـكـم أعـيـن
فــيـمـن تـراه ومـا الأصـول حـوان
16
ذرف الحـسـان الزهـر فـوق نعوشكم
والزهــر بــعــض مــدامـع الأسـوان
17
تـبـكـىَ الشـخـوصُ فـإن بكيت لفكرة
فــالأقــربــون وغــيــرهــم ســيــان
18
وأعــز مــن يــبــكــىَ شـبـابٌ صـاعـدٌ
يــهــوي عــلى غـرر إلى القـيـعـان
19
مـا بـيـن مـقتحم الشواهق والمنى
نــزل القــضــاء فــزل مــرتــقـيـان
20
فـجـأتهم الأيام أجمل ما اجتلوا
مــنــهــا بــشــاشــة مـوعـد وعـيـان
21
فـليـبـكـهـم بـاكـي الرجـاء مغربا
وربــيــعــي الســراء يــفــتــرقــان
22
ووديــعــة لعــزاء مــصــر أحـالهـا
عــادي الصــروف ذريـعـة الأشـجـان
23
مـا عـاقـهـا أن لا مـريـد أرادها
مــن أن تــكــون كـأكـرم القـربـان
24
شـحـذت غـرار فـي النـفـوس وقـدسـت
ذكـرى الحـجـيـج إلى هدى العرفان
25
ودمــاء أطــهــار هــنــالك شــبـهـت
حــرم العــلوم بــكـعـبـة الأديـان
26
لا يـفـدح الخـطـبُ الشـابَ فـإنـمـا
للفــــادحـــات عـــزائم الشـــبـــان
27
إن الشــبـاب عـلى الضـحـيـة قـادر
وكــذا العــطـيـة والغـنـى صـنـوان
28
أيــامــه كـنـز الحـيـاة وحـسـنـهـا
وعــمــاد قــوتــهـا عـلى الحـدثـان
29
وهو المغامر في الخطوب أذا ونىَ
بـالشـيـب عـنـهـا خـطـوهُ المتواني
30
ويــريــك حــتـى فـي المـنـيـة قـوة
فــيــمــا يــخــلفــه مــن الأحــزان
31
فـخـر الخـليـقـة إن أبـر فإن غوى
فـــأحـــط مـــنـــزلة مــن الديــدان
32
وإذا اسـتـفـزتـه المروءة والعلا
عــبــد الكــمـال عـبـادة الأوثـان
33
لا يــزدهــيـه عـن الوفـاء عـرائس
تــجــلى لمــتــعــة نــفــسـه وغـوان
34
يــغــنــيــه أن له بــكــل هــمـامـة
عـــظـــمــت عــروس وضــاءة وحــنــان
35
العـمـر أجـمـع مـن مـواقيت الثرى
وشـــبـــابــه مــن جــنــة الرضــوان
36
أبـنـاء مـصـر وفـي يـديـكـم حـظـها
إمــا إلى الحــسـنـى أو الخـسـران
37
ولكــم قــلائد مـصـر إن هـي قـلدت
شــرفــاً وإن هــي طــوقــت بــهــوان
38
أوفـىَ المـغـبـة مـن نـصيبيها غدا
فـي الصـفـقـتـيـن مـغـبـة الفـتيان
39
كـونـوا لمـصـر كـمـا يـكـون لقومه
راج عـــلى يـــأس مـــن الشـــكــران
40
وتـعـلمـوا حـمـل الفـرائض تعلموا
أن الفـــرائض راحـــة الإنـــســـان
41
لا يـحـسـن الإعـطـاء مـن هو دائب
يــعــطــي ويــرقــب كـفـة المـيـزان
42
تـجـزي الشـعـوب إذا قـدرن وإنـما
نــشــكــو بــمـصـر تـعـذر الإمـكـان
43
ولمـا يـصـيـب الجـاهـديـن يـعوزنا
جــهــد الأبــاة وهــمـة الشـجـعـان
44
ومـن العـجائب في الحياة وحكمها
أن الضــعــيــف فــروضــه ضــعــفــان
45
يـجـنـى المـفـاخـر عـاجـز في موطن
المــجــد فــيــه مــوطــد الأركــان
46
ولقــد تــفــوت مـشـمـراً فـي قـومـه
وهــو المــعـد لمـجـدهـم والبـانـي
47
عــبــر تــقــول لكـم مـقـالة واعـظ
والوعــظ لا يـغـنـي عـن الإيـمـان
48
خــطــوا لكــم حـرمـاً يـعـز جـبـانُهُ
لا يـــســـتـــذل عـــزيــزه لجــبــان
49
يـحـصـى الطـفـيـف لعامليه وعندهم
خــطــط العــظــائم جــمـة الأعـوان
50
وهبوا البلاد اليوم فضلكم تروا
فــضـل البـلاد غـداً عـلى السـكـان
51
أمــواكـب الشـهـداء جـئت بـمـشـهـد
فــيــه الحــيــاة جـليـة العـنـوان
52
هــي أمــة الوادي يـعـب عـبـابـهـا
وضــمــيــر أجــيــال وشــيــك بـيـان
53
مـا كـان هـاتـفها المجاب وبوقها
يـوم الزحـام صدى الرغام الفاني
54
كـلا ولا التـهـمـت غـمـاغـم بـثها
فــي القــبــر هــاويــة بــلا آذان
55
لو أنـصـفـوا قـالوا تـشـيع شائخاً
مــن عــهـدهـا لا بـاكـر الريـعـان
56
لولا الخــشـوع لمـا تـوهـم نـاظـرٌ
أن الجــمــوع مــشــيــعــو جــثـمـان
57
ولمـا رأى الأنـداد فـرق بـيـنـهم
ذاك الوداع فــجــمــعــهــم شـطـران
58
أرأيـــتـــهـــم إلا كـــرمــز واحــد
وضــحـت عـليـه مـن المـضـاء مـعـان
59
زمــر تــجــد إلى الأمــام وزمــرة
لم يــنــكـصـوا عـنـه مـن الخـذلان
60
هـصـرت عـلى أصـل الحـيـاة فروعهم
وتــنــاثــرت بــدداً عــن الأغـصـان
61
فـلتـحـي نـامـيـة على حوض الردى
مــقــرونــة الذكـرى إلى السـلوان
تعليقات القراء 0