لهوى القلوب سريرةٌ لا تعلم
للشاعر المُتَنَبّي
وقال يهجو ابن كيغلغ وسار أبو الطيب من الرملة يريد أنطاكية سنة ستٍّ وثلاثين وثلاث مئة، فنزل بطرابلس، وبها إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ، وكان رجلاً جاهلاً، وكان يجالسه ثلاثة من بني حيدرة، وكان بين أبي الطيب وبين أبيهم عداوة قديمة. فقالوا له: ما يجب أن يتجاوزك ولم يمتدحك، وإنما يترك مدحك استصغاراً لك، وجعلوا يغرونه به، فراسله إسحاق وسأله أن يمدحه، فاحتج أبو الطيب بيمينٍ عليه: أنه لا يمتدح أحداً إلى مدة حدها، فعاقه عن سفره. ينتظر انقضاء تلك المدة، وأخذ عليه الطرق وضبطها، ومات الثلاثة الذين كانوا يغرونه به في مدة أربعين يوماًن فقال أبو الطيب يهجوه وهو بطرابلس.
قال: ولو فارقته قبل قولها لم أقلها أنفة من اللفظ بما فيها قال: وأملاها على من يثق به، فلما ذاب الثلج وخف عن لبنان، خرج كأنه يسير فرسه، وسار إلى دمشق فأتبعه ابن كيغلغ خيلاً ورجلاً، فأعجزهم وظهرت القصيدة واشتهرت وهي:
لهوى القلوب سريرةٌ لا تعلم ... عرضاً نظرت وخلت أني أسلم
قوله: عرضاً أي من غير قصد. يقول: للهوى سر لا يعرف لطفه ودقته، فلا يوقف عليه إلا بعد ابتلاء به. ونظرت من غير قصد وما ظننت أن الظن يوقعني في حبائل الهوى، بل قدرت أني أسلم ولا أهلك فخاب الظن الذي ظننته.
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثم أرق منك وأرحم
هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه شبب بامرأة، ومدح أخاها بالشجاعة. إشارة إلى أنها ممتنعة لا يقدر على الوصول إليها. يقول: يا أخت الأخ الذي يخالط الأقران في الحرب بشجاعته، إن أخاك في الحرب إذا لقي عدواً أرحم منك وأرق على قربه منك علي، فأنت قد فعلت بالمحب بقلة رحمتك له، ما لا يفعله أخوك في الحرب حرب الأقران.
والوجه الثاني: أنه يهجو أخا المرأة المشبب بها وفيه قولان: أحدهما: أنه يتهمه بإتيان أخته! ومعناه: أن أخاك أرق منك، ثم إنه عند خلوته بك، أرحم منك على العاشق.
والقول الثاني: أنه يرمي أخاها بالجبن وضعف القلب؛ لأنه مع وصفه بأنه معتنق الفوارس في الوغى، فإنه أرق قلباً من هذه المرأة مع رقة قلوب النساء، فمن زادت رقته على رقة قلوبهن فهو في نهاية الضعف وقوله: ثم إشارة إلى موضع الحرب، أي أنه أرق قلباً من النساء في الضعف.
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أن المجوس تصيب فيما تحكم
يقول: إن أخاك ينظر إليك مع العفاف لأنه يرى رأي المجوس! وهذا قول ابن جنى.
وقوله: مع العفاف يمنع من ذلك، فإنه ذكر ما لا يصح، ويمكن أن يقال: إنه صحيح ومعناه: أنه على رأي المجوس، لأن المجوسي يرى إتيان أخته من العفاف، لأنه يستبيحه! فهو صحيح من هذا الوجه هذا على الوجه الثاني.
وأما على الوجه الأول: فمعناه أنك قد فتنت أخاك بحسنك فهو ينظر إليك ويتمنى أن يكون دينه دين المجوس، وأنك محللة له، فكأنه يرى رأى المجوس في نكاح الأخوات ومثله لأبي تمام:
بأبي من إذا رآها أبوها ... شغفاً قال: ليت أنا مجوس
راعتك رائعة البياض بعارضي ... ولو أنها الأولى لراع الأسحم
راعتك: أي أفزعتك وروى: راعية الشيب، وجمعها رواعٍ. وروى: رائعة، وهي الفاعل من راعت. وقيل: هي منتشرة كانتشار الغنم في المرعى. والأسحم: الأسود.
يقول: راعتك الشعرات البيض التي انتشرت في عارضي، ولوكان الشعر يبدو أبيض ثم يسود، لخفت من السواد خوفك من البياض، والذي راعك إنما هو علو سني، لا البياض.
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب من قبل الأوان تلثم
يقول: لو قدرت لكشفت البياض عن شعري، حتى أريك صباي، وتعلمين أنت أني شبت قبل الأوان، والشيب قبل أوانه بمنزلة أن يتلثم الإنسان بعمامة بيضاء؛ لأنه لا يورث ضعفاً ولا يوهن قوة، فإنه يكره الشيب لهذا المعنى.
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى ... يققاً يميت ولا سواداً يعصم
يقول: جربت حوادث الدهر، فرأيت سواد الشعر لا يمنع من الموت، وبياضه لا يقرب منه، وقد يموت الشاب ويعيش الشيخ.
والهم يخترم الجسيم نحافةً ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
يقول: إن الهم يذيب الجسم، وينقصه حتى يموت الجسم نحافة، وتبيض ناصية الصبي، ويهرم قواه ومعناه: أن الشيب حصل لي من الهم.
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
يقول: العاقل وإن كان في النعيم، فإنه لا يتهنأ به؛ لعلمه بزواله، والجاهل وإن كان في الشقاوة، فهو يتلذذ؛ لجهله بعواقبه.
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلقٌ ... ينسى الذي يولي وعافٍ يندم
يولي: أي يعطي.
يقول: إن الناس تنكر مراعاة الحقوق والذمم، فالمنعم عليه بإطلاقٍ من الأسر، ينسى يد المنعم عليه فلا يشكر نعمه، والعافي من الإساءة والمنعم على الغير، يندم على ما فعله من النعم.
لا تخدعنك من عدوٍّ دمعةٌ ... وارحم شبابك من عدوٍّ ترحم
أراد: ترحمه، فحذف الهاء.
يقول: إذا قدرت على عدوك فاقتله ولا يخدعنك بكاؤه: وارحم شبابك بدل عدوٍّ ترحمه!
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
يقول: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى تحميه بالسيف.
قال ابن جنى أشهد بالله لو لم يقل إلا هذا البيت لوجب تقدمه
يؤذي القليل من اللئام بطبعه ... من لا يقل كما يقل ويلؤم
من في موضع النصب؛ لأنه مفعول يؤذي.
يقول: إن القليل الحقير اللئيم يؤذي بطبعه، من لا يقل كقلته ولا يلؤم كلؤمه
والظم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
روى: في خلق، وهي جمع خلقة، ويريد الطبيعة. وروى في خلق، وهو واحد الأخلاق.
يقول: إن الإنسان طبع على الظلم ومن لا يظلم فلعلةٍ تمنعه من ذلك: إما عجز أو خوف، فلو خلي وطبعه لاستعلى على من هو دونه.
يحمى ابن كيغلغ الطريق وعرسه ... ما بين رجليها الطريق الأعظم
(البيت ظاهر المعنى)
أقم المسالح فوق شفر سكينةٍ ... إن المنيّ بحلقتيها خضرم
الخضرم معناه ظاهر. والمسالح: أصحابه الذين يحفظون الطريق.
يقول: أقم المراصدين فوق امرأتك التي سار الناس للفجور بها، حتى اجتمع هناك من المني بحر غزير.
وارفق بنفسك إن خلقك ناقصٌ ... واستر أباك فإن أصلك مظلم
يقول: لا تتعرض لمناوأتي فإنك ناقص الخلق، ولا تظهر أباك، فإنك مدخول النسب لا يوقف عليه.
واحذر مناوأة الرجال فإنما ... تقوى على كمر العبيد وتقدم
يقول: احذر معاداة الرجال، فإنما تقوى على استدخال كمر العبيد والإقدام عليها، وهذا رمي له بالأبنة.
وغناك مسألةٌ، وطيشك نفخةٌ ... ورضاك فيشلةٌ، وربك درهم
يقول: إن مالك مكتسب بالسؤال، وإن طيشك: أي خفتك. نفخة: أي لو نفخ عليه لطار، لضعف قلبه.
وقيل: أراد أن خفتك في المورد فلا تأثير له، وأنه إذا غضب ينكح فيرضى وأنه بخيل يعبد الدرهم ويعظمه كأنه ربه.
ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم
يقول: من البلية عذل من لا ينصرف عن الجهل، ومخاطبة الجاهل الذي لا يفهم ما يفهم.
في ذكر أمك للزناة دلالةٌ ... فأحب من ذكر ابنها من يشتم
يقول: إن ذكرت أمك استدل الزناة بذكرها عليها، وأحب الناس إليها من يشتم ابنها ويقول: يابن الزانية؛ ليدل الزناة عليها.
يمشي بأربعةٍ على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراءٍ يلجم
العلج: القوي البنية المعالج للتعب. وقوله: بأربعة أراد العضو. وينبغي أن يقول: إنه يمشي تحت العلوج إلى خلفه؛ حرصاً على استيفاء ما يدخل فيه! ولكن لجامه في خلفه: أي في إسته.
وجفونه ما تستقر كأنها ... مطروفةٌ أو فت فيها حصرم
مطروفة من قولهم: طرفته، أي ضربت طرفه.
يقول: إن جفونه لا تستقر، فكأنه أصيب بشيء من رمد ونحوه، أو عصر فيها حصرمٌ أشار بهذا إلى أن في عينه آفة.
وقيل: أراد أنه يحرك أجفانه لاستدعاء العلوج للمعنى الذي رماه به أولاً.
وإذا أشار محدثاً فكأنه ... قردٌ يقهقه أو عجوزٌ تلطم
يقول: إذا نطق ازداد حقارة، فكأنه قرد حين يضحك، أو عجوز لطمت في مناحة وبكت. ولا يضحك شيء من الحيوانات إلا الإنسان والقرد.
يقلى مفارقة الأكف قذاله ... حتى يكاد على يدٍ يتعمم
قوله: يقلى. أي يبغض، وفاعله: قذاله. ومفارقة الأكف: مفعوله.
يقول: إنه تعود أن يصفع، فقذاله: يكره مفارقة الأكف، حتى كأن الأيدي عمائم، لإحاطتها به.
وقيل: معناه لا يميل إلى مفارقتها. والقذال: مؤخر الرأس.
وتراه أصغر ما تراه ناطقاً ... ويكون أكذب ما يكون ويقسم
يقول: هو حقير المنطق، فإذا تكلم زاد حقارة لعيه، ولكنه أكثر ما يكون كذلك في قوله: إذا وكد كلامه بقسم وأيمان.
والذل يظهر في الذليل مودةً ... وأود منه لمن يود الأرقم
الأرقم: ضرب من الحيات.
يقول: إن الذليل يظهر المودة لمن أذله؛ ليتقي شره، ولكن الأرقم أشد حباً منه لمن يحبه، إذا قدر عليه.
ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
يقول: إن عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه لطبعك فينفعك ومودته تدل على المناسبة فيضرك! وقيل: أراد أن عداوة العاقل خير من صداقة الجاهل، فتلك العداوة ربما تتضمن منفعة وهذه الصداقة ربما تتضمن مضرة وشراً.
أرسلت تسألني المديح سفاهةً ... صفراء أضيق منك، ماذا أزعم؟!
صفراء: اسم أم المهجو، أو اسم امرأته. يعني: إنك تسألني المديح وما عسى أن أقول لك؟ وأنت أوسع منها!
أترى القيادة في سواك تكسبا ... يابن الأعيّر وهي فيك تكرم؟!
الأعير: تصغير الأعور.
يقول: إن غيرك يتكسب بالقيادة، وأنت تقود على أهلك وتعده تكرما! ومثله قول الآخر:
تراه من جوده ومن كرمه ... يحمل أضيافه إلى حرمه
فلشد ما جاوزت قدرك صاعداً ... ولشد ما قربت عليك الأنجم
شدما كقولك: نعما، وبئسما.
يقول: ما اشد ما جاوزت قدرك حتى سألتني أن أمدحك، وهو أبعد من النجوم، صاعداً نصب على الحال.
وأرغت ما لأبي العشائر خالصاً ... إن الثناء لمن يزار فينعم
قوله: أرغت. أي طلبت، وقيل: أملت إلى نفسك، وخالصاً نصب على الحال.
يقول: طلبت المديح الذي هو لأبي العشائر خالصاً، لأنه لا يستحقه إلا من ينعم على زائره، وهو أبو العشائر.
ولمن أقمت على الهوان ببابه ... تدنو فيوجأ أخدعاك وتنهم
الأخدعان: عرقان في العنق معروفان. وتنهم: أي تزجر.
يقول: إن الثناء لمن تقيم على بابه مهينا، كلما دنوت منه تزجر وتصفع، فكيف أمدحك وهذه حالك؟!
ولمن يهين المال وهو مكرمٌ ... ولمن يجر الجيش وهو عرمرم
العرمرم: الجيش الكثير. يمدح أبا العشائر. يعني: أنه يكرم نفسه بإهانة المال وهو يقود الجيش الكثير، يصفه بالكرم والشجاعة.
ولمن إذا التقت الكماة بمأزقٍ ... فنصيبه منها الكمي المعلم
المأزق: مضيق الحرب.
يقول: إن المدح يكون لمن يكون في مضيق الحرب، ويقتل كل شجاع معلم: أي له علامة.
ولربما أطر القناة بفارسٍ ... وثنى فقومها بآخر منهم
يقول: ربما طعن فارساً، فانعطفت قناته، فطعن بها آخر فقومها فيه كما تقوم الثقاف.
والوجه أزهر، والفؤاد مشيعٌ ... والرمح أسمر والحسام مصمم
يقول: يفعل ذلك بوجه أزهر وله رمح أسمر، وسيف مصمم قاطع يمضي في العظام.
أفعال من تلد الكرام كريمةٌ ... وفعال من تلد الأعاجم أعجم
يقول: فعل كل أحدٍ على قدر أصله، وهو من قوله تعالى: "" قل كلٌّ يعمل على شاكلته "" .
تعليقات القراء 0