ليدّعِ المدعون العلم والأدبا
للشاعر حفني ناصف
1
ليــدّعِ المــدعــون العــلم والأدبــا
فــقـد تـغـيّـب عـبـدُ الله واحـتـجـبـا
2
ولنـتـسـب أدعـيـاءُ الفـضـل كـيف قضت
آراؤهـم إذ قـضـى مـن يـحـفظ النسبا
3
وليـفـخـر اليـوم قـوم بـاليراع ولا
حـوفٌ عـليـهـم فـمـن يـخـشـونـه ذهـبـا
4
ولْيـرق مَـن شـاء أعـوادَ المنابرِ إذ
مــات الذي يــتـقـيـه كـل مـن خـطـبـا
5
لو عـاش لم يـطـرق الأسـماعَ ذكرهمو
في طلعة الشمس من ذا يبصر الشهبا
6
لا تــعـتـرض دولة الآداب إن وسـمـت
بـالرأس مـن كـان فـي أيـامـه ذنـبـا
7
كــل الأنــام ليــوث بَــعْــدَ عــنـتـرةٍ
وبــعــد عـبـلةَ كـل العـالمـيـن ظـبـا
8
فـليْـسـمُ مـن شـاء بـالإنشاء لا عجبٌ
مــضـى الذي كـان مـن آيـاتـهِ عـجـبـا
9
طـود مـن الفضل مِن بعد الرسوخٍ هوى
وكـوكـبُ بـعـد أن أبـدى الهـدى غربا
10
وخِـــضـــرم غـــاض لمـــا فــاض زاخــرُه
وضــامــر أدرك الغــايــات ثــم كـبـا
11
وشــامــخ مــن مـبـانـي العـلمِ قـوضـهُ
صـرفُ الزمـانِ فأمسى في الهواءِ هبا
12
وجــنــة عــصــفـت ريـحُ المـنـونِ بـهـا
وظــافــر ظُــفُــر البــلوى بـه نـشـبـا
13
مـا للعـلا انـشـق فـي آفـاقـهـا قمر
وهـول سـاعـتـهـا مـا بـاله اقـتـربـا
14
ومـا لأبـكـار أفـكار الهدى أختبأت
ومـا لمـصـبـاح مـشـكـاة الفـلاح خبا
15
ومـا لإحـكـام أحـكـام البـيـان قـضى
نـحـبـاً وتـحـبـيـرُ تـحريراته انتحبا
16
ومــا ليــانــع أفـنـان الفـنـون ذوى
والعـلم كـم عـلَمٌ فـي جـوه انـقـلبـا
17
مــا لجــاريــة الأقــلام قــد وقـفـت
ومــا لأطــواقــهــا مــنـشـقـةً غـضـبـا
18
وللمــحــابــر مــمــا تـشـتـكـي لبـسـت
ثـوب الحـداد ومـا فـي نـهـرها نضبا
19
وللدفــاتــر صــكــت وجــهــهــا جـزعـاً
وللمــتــارب يـشـكـو كـفـهـا التَـربـا
20
ومــا لرقــة حــســن الخُــلق مــنـشـدة
رُدوا عـلى جـفـنـي النوم الذي سلبا
21
فـهـل عـرا الكـون خـطـب غـيـر منتظر
يـسـتغرب الأمر من لا يعرف السببا
22
أجـل فـقـد مـات عـبـد الله واأسـفـا
وأوحـشـت مـصـرُ مـن فـكـري فـوا حربا
23
فــكــل نــفــس لمــنـعـاه شـكـت وبـكـت
وكــل فــكـرٍ بـفـكـري مـاج واضـطـربـا
24
مـحـالف العـلم مـن عـهـد الصبا شغفٌ
بــنــشــره كــلمــا مـرّ الزمـانُ صـبـا
25
بـاللطـفِ واللين والدين الرصين له
مــقــامُ ســبــق عـليـه قـط مـا غـلبـا
26
مـا روَّح النـفـس بـالدنـيـا مـفـاكهة
إلا قـضـى مـن فـروض الدين ما وجبا
27
قــضـى الحـيـاة ونـصـرُ الحـق ديـدنـه
لا يـنـثـنـي رَهـبـاً عـنـه ولا رَغـبَـا
28
وكـان مـغـرىً بـفـعـل الخير يحسب في
إســـدائه أنـــه قـــد أدرك الأربـــا
29
إذا ادلهـمّـت ديـاجـي المـشـكلات له
رأيٌ يــســهّــلُ مـنـهـا كـلَّ مـا صـعـبـا
30
أيّ القـوافـي إذا رام القـريـض عصت
وأيّ مــســتــغــرب عــن فــكـره حـجـبـا
31
وأيّ حُـــســـن عـــداه نـــثــره زمــنــاً
وأيّ ســـحـــر دعـــاه شـــعــره فــأبــى
32
يـسـتـعـذب الصـدق فـي أشـعـاره أبداً
وإن يـكـن عـذبُ أشـعـارِ الورى كـذبا
33
حــلاوة مــا عــلى مــن ذاقــهـا حـرج
فـي دهـره أن يـعـاف الشهد والضربا
34
ورقّــة تــخــلب الألبــاب لو عــرضــت
على الندامى لصدّوا الراح والحببا
35
يـسـتـسـهـل المـرء مـن بُـعـد مـناصبه
لهــا وتــوســعــه إن رامــهـا نـصَـبـا
36
مـــواهـــب تُــرجــع الآمــالَ عــاجــزةً
عــن دركــهــن فــسـبـحـان الذي وهـاب
37
كــم كــان يــجــرف بـالآداب سـامـعـه
فــلا يــمــلّ ولو أصــنــى له حــقـبـا
38
تـحـوي عـبـاراتـه مـا شـاء مـن نـكـتٍ
بـديـعـة تـبـعـث الإعـجـاب والطـربـا
39
فــوائدٌ كــلهــا فــي بــابــهــا طــرف
فـي جـنـبـهـا تـسـتـقـلّ الدرّ الذهـبا
40
إن لم يـسُـرَّ بـنـي الإفـرنـج مـنـطقُه
فـالفـرس قـد سـرّها والترك والعربا
41
ومــا التــعــقــل مــوقــوفٌ عـلى لغـة
ولا الغـرائب مـخـصـوص بـهـا الغُربا
42
هـــذي مـــآثـــره الغـــراء شـــاهـــدة
بــأنــه خــيــر مَـن وشّـى ومـن كـتـبـا
43
جـاب الحـجـاز وأرض الروم مـرتـحـلاً
شـرقـاً وغـربـاً يسير الوخد والخببا
44
فــالشـرق يـبـحـث فـيـه عـن عـجـائبـه
والغـرب يـعـجـم منه النبع والغرَبا
45
وبــان فـي مـجـمـع اسـتـكـهـلمَ أنّ له
شـأنـاً إذا قام حرب البحث وانتشبا
46
وابـيـضّ مـا بـين أفواج الوفود لنا
وجـهٌ وصـار لنـا بـيـن الرجـال نـبـا
47
جـزاه أوسـكـارُ تـقـديـرا نـشـانَ علا
وليـس يُـجـزَى امـرؤ إلا بـمـا كـسـبا
48
لا كــان عــيـدٌ رأيـنـا صـفـوه كـدراً
بــفــقــده وانـثـنـت راحـاتـه تَـعـبـا
49
ولا غـــداةٌ أطـــارت نــعــيَه فــغــدا
كـل امـرىء بـدم الأجـفـانِ مـخـتـضبا
50
أودى فــأيــة نــفــس لم تــذب حَـزنـاً
وأيّ طـرف لهـذا الرزء مـا انـسـكـبا
51
ســارت جــنــازتــه والعــلمُ فـي جـزع
والفـضـل يـنـدبـه فـي ضـمـن من ندبا
52
يــحــقّ أنْ مــتــون العــلم تــحــمــله
فـهـو الذي مـا شـكـا فـي حمله وصبا
53
صــبـراً بـنـيـه فـهـذا الدهـر سـنـتـهُ
أن لا يــحـس بـأن يُـلقـى سـواه أبـا
54
لبــى دعــاء شــعــوبٍ والكــريـم يـرى
حـقًّاـ عـليـه قِـرى الداعـي بما طلبا
55
فـي جـيرة الله في دار النعيم ومن
يـحـلُل بـهـا بـلغ الغـايات أو كربا
تعليقات القراء 0