يا مَن طواها الليلُ في ظلمائِه
للشاعر إبراهيم ناجي
1
يـا مَـن طواها الليلُ في ظلمائِه
روحــا مــفــزعــةً عــلى بــيــدائِهِ
2
تــتــلفــتــيــنَ إليَّ فــي أنـحـائه
لهف الفؤادِ على الشريدِ التائِهِ
3
إن تــظـمـئي ليَ كـم ظـمـئتُ إِليـك
جَــمَــعَ الوفــاءُ شــقــيــةً وشـقـيَّا
4
يـا مُـنـيـتـي قَـسـتِ الحـياةُ عليكِ
وجــرت مـقـادرُهَـا الجـسـامُ عـليَّا
5
إِنـي التـفـتُ إِلى مـكانِكِ والمنى
شُــلَّت وقــلبـي لا يـطـيـقُ حـراكـا
6
فـصـرخـتُ يـا أسفاً لقد كانت هنا
لِمَ عـاقـني القدرُ الخؤونُ هناكا
7
عَـبَـسَـت وسـودتِ السـمـاءُ ظـلالهَـا
فــكــأنَّ عـقـبـانـاً تـحـطُّ رحـالَهَـا
8
وكــأنَّ أطـوادَ السـحـابِ حـيـالَهَـا
أَرسَت على الكتفِ الصغيرِ ثقالَهَا
9
تـسـتـصـرخينَ لكِ السماءَ وقد خبت
وطــوت بــشــاشـةَ كـلِّ نـجـمٍ مـشـرقِ
10
إِن خـلتِهـا استمعت إِليكِ وقاربت
ألفــيــتِهَــا صــارت كــلحــدٍ ضــيِّقِ
11
يـا مَـن هـربـتِ من القضاء وصرفهِ
عــجــبــاً لهــاربـةٍٍ تـلوذ بـهـاربِ
12
إمّــا هَــوى نــجــمٌ ومـالَ لضـعـفـهِ
أبـصـرتِ حـظَّكـِ في الشعاعِ الغاربِ
13
أســفــاً عــليــك وأنـتِ روحٌ حـائرُ
والكـون أسـرارٌ يضيقُ بها الحِجَى
14
تــجــتــازُ عـابـرةٌ ويـسـرعُ عـابـر
وتـمـرُّ أشـبـاحٌ يـواريـهـا الدُجَـى
15
فــي وجــنــتــيــكِ تــوهــجٌ وضــرامُ
وبــمــقــلتــيــكِ مــدامــعٌ وذهــولُ
16
وكــذا تــمــرُّ بــمــثــلكِ الأيــامُ
مــجــهــولةً وعــذابُهَــا مــجــهــولُ
17
وَلَّيــت قـبـلَ لقـائنـا يـا جـنـتـي
لم تــطــفـري مـنـي بـقـولٍ مـسـعـدِ
18
وكــعـادةِ الحـظِ الشـقـيّ وعـادتـي
أقـلبـتُ بـعـد ذهاب نجمي الأوحدِ
19
تـتـعـاقـبُ الأقـدارُ وَهـيَ مـسـيئةٌ
كــم عــقــنــا ليــلٌ وخــانَ نـهـارُ
20
وكــأنـمـا هـذا القـضـاءُ خـطـيـئةٌ
وكــأنَّ هــمـسَ نـسـيـمِه اسـتـغـفـارُ
21
وكـــأنَّهـــ أحـــزانُ قـــومٍ ســاروا
هــذي مــآتــمُهــم وَثــم ظــلالُهَــا
22
عَــفَــتِ القــصــورُ وظـلَّتِ الأسـوارُ
كَـمَـنَـاحَـةٍ جـمـدت وذا تـمـثـالُهَـا
23
غــامَ الســوادُ عـلى وجـوه الدورِ
وَســرى إليَّ نــحــيــبُهـا والأدمـعُ
24
وكـــأنـــي فــي شــاطــئٍ مــهــجــور
قـد فـارقـتـهُ سـفـيـنـةٌ لا تـرجـعُ
25
حــمــلت لنــا أمـلاً فـلمـا ودَّعَـت
لم يَـبـقَ بـعـدَ رحـيـلِهَـا للنـاظرِ
26
إلا خــيــالُ ســعـادةٍ قـد أقـلعـت
ووداعُ أحــبــاب ودمــعُ مــســافــرِ
تعليقات القراء 0