هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

أيا خدد الله ورد الخدود

للشاعر المُتَنَبّي

1
أيــــا خـــدد الله ورد الخـــدود
وقـــد قـــدود الحــســان القــدود

وكان قوم في صباه قد وشوا به إلى السلطان وكذبوا عليه وقالوا: قد انقاد له خلقٌ من العرب، وقد عزم على أخذ بلدك، حتى أوحشوه منه فاعتقله وضيق عليه، فكتب إليه يمدحه:

أيا خدد الله ورد الخدود ... وقد قدود الحسان القدود

أيا: يحتمل أن يكون حرف نداء، والمنادى محذوف، وتقديره: أيا قوم. ويحتمل أن يكون افتتاح الكلام. مثل أما وألا وخدد: أي شقق. وقد: أي قطع، وأصله القطع طولاً. والقدود: جمع القد، وهو القامة.

قال يدعو على ورد الخدود والقدود الحسنة، وفيه وجهان:

أحدهما: أن يكون على عادة العرب، في أنهم إذا استحسنوا شيئاً وتعجبوا منه دعوا عليه! نحو قولهم: قاتل الله فلاناً ما أفصحه!.

والثاني: أن يحمل على حقيقة الدعاء عليها. فيقول: شقق الله ورد الخدود وقطع قدود الحسان قدوداً، فإني قد لقيت منها بلاءً وجهداً، وقاسيت منها مشقة، ويدل عليه قوله فهن أسلن دما مقلتي ومثله لجميل:

رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح

2
فـــهـــن أســـلن دمـــاً مـــقـــلتــي
وعــذبــن قــلبــي بــطـول الصـدود

فهن أسلن دماً مقلتي ... وعذبن قلبي بطول الصدود

يقول: هن أسلن من مقلتي دماً؛ من بكائي عليهن، وعذبن قلبي بطول إعراضهن عني. وروى مهجتي أي قتلنني وسفكن دمي.

3
وكــم للهــوى مــن فــتــىً مــدنــفٍ
وكــم للنــوى مــن قـتـيـلٍ شـهـيـد

وكم للهوى من فتىً مدنفٍ ... وكم للنوى من قتيلٍ شهيد

المدنف: الذي طال مرضه. يعتذر من قوله فهن أسلن دماً.

فيقول: ما أنا بأول عاشقٍ قتل شهيداً، فكم للهوى من فتىً قد دنف وصار إلى شرف الموت، وكم للنوى من قتيلٍ شهيدٍ مثلي، قد قتله الحب، كما قتلني شهيداًز

4
فــواحــســرتــا مــا أمـر الفـراق
وأعـــلق نـــيــرانــه بــالكــبــود

فواحسرتا ما أمر الفراق ... وأعلق نيرانه بالكبود

يقول: واحسرتا على نفسي من مفارقة الأحباب، فما أمر الفراق وأشد مرارته! وما أشد علق نيران الفراق بالكبود! وجمع الكبود ذهاباً إلى العموم، فكأنه قال: ما أعلق نيرانه بكبود العشاق. وروى: وأحرق نيرانه بالكبود.

5
وأغــرى الصـبـابـة بـالعـاشـقـيـن
وأقــتــلهــا للمــحــب العــمـيـد!

وأغرى الصبابة بالعاشقين ... وأقتلها للمحب العميد!

قوله وأغرى: تعجب من غرى بالشيء إذا ولع به. والصبابة: رقة الهوى. والعميد: المصاب عمود قلبه.

يقول: ما أولع الصبابة والشوق بالعشاق، وما أقتلها للمحب المصاب قلبه! يتعجب من ولع الهوى وقتله للعشاق.

6
وألهــج نــفــســي لغــيــر الخـنـا
بـــحـــب ذوات اللمــى والنــهــود

وألهج نفسي لغير الخنا ... بحب ذوات اللمى والنهود

ألهج: أي أعرض، وأولع. واللمى: حمرة الشفة تضرب إلى السواد. والنهود: نتوء الثدي.

يقول: ما أولع نفسي بحب النساء، لمى الشفاة، نواهد الثدي، الموصوفات بالحسن والجمال، لا الخنا: الذي هو داعية الزنا، لكن لأجل النظر فقط

7
فــكــانــت وكــن فــداء الأمــيــر
ولا زال مــن نــعــمـةٍ فـي مـزيـد

فكانت وكن فداء الأمير ... ولا زال من نعمةٍ في مزيد

أي كانت نفسي المذكورة، وذات اللمى والنهود فداء الأمير الممدوح. على وجه الدعاء، ثم ذكر دعاءً آخر فقال: ولا زال الأمير من الله تعالى في زيادة تامة من النعمة.

8
لقـد حـال بـالسـيـف دون الوعـيد
وحــالت عــطــايــاه دون الوعــود

لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود

الوعود: جمع الوعد، وهو مصدر وعد. فيكون بمعنى: الوعد.

يقول: حال الأمير بسيفه دون الوعيد، فيقتل قبل أن يوعد، وحالت عطاياه دون الوعد؛ فيعطي قبل أن تعد. فالأول: يدل على فضل قوته، والثاني: على فضل سخائه وجوده.

9
فــأنــجــم أمــواله فــي النـحـوس
وأنـــجـــم ســؤاله فــي الســعــود

فأنجم أمواله في النحوس ... وأنجم سؤاله في السعود

أنجم أمواله منحوسةٌ لتفريقه إياها، وأنجم سؤاله مسعودة لاستغنائهم بما يبذله لهم من الأموال ويفرقه بينهم.

10
ولو لم أخــــف غــــيـــر أعـــدائه
عـــليـــه لبـــشـــرتــه بــالخــلود

ولو لم أخف غير أعدائه ... عليه لبشرته بالخلود

يقول: لو كان الخوف على الممدوح من أعدائه وحدهم، لكنت في أمنٍ دونهم، فبشرته بدوام الحياة غير إنما أخاف عليه من غير أعدائه، وهو الله تعالى، ذو القضاء المبرم في جميع الناس. والغرض هو الاستخفاف بأعدائه. وروى: عين أعدائه يعني: أن يصيبوه بعيونهم السيئة.

11
رمــى حــلبــاً بــنـواصـي الخـيـول
وســمـر يـرقـن دمـاً فـي الصـعـيـد

رمى حلباً بنواصي الخيول ... وسمر يرقن دماً في الصعيد

الصعيد: التراب الخالص. وقيل: هو ظاهر الأرض.

يقول: رمى حلباً بوجوه خيله، لما حاربها برماح له، تريق دماء أعدائه في الصعيد: أي التراب.

12
وبـــيـــضٍ مـــســـافــرةٍ مــا يــقــم
ن لا في الرقاب ولا في الغمود

وبيضٍ مسافرةٍ ما يقم ... ن لا في الرقاب ولا في الغمود

يقول: رماها بسيوفٍ مسافرةٍ، غير مستقرة في رقاب الأعداء ولا في غمودها؛ لأنها تتقدم من رقاب إلى رقاب، ومن قتيل إلى قتيل، فليس لها قرار؛ لكثرة ما تستعمل في الضرب فكأنها مسافرة غير مقيمة في غمد أو عنق.

13
يــقــدن الفــنــاء غـداة اللقـاء
إلى كــل جــيــشٍ كــثـيـر العـديـد

يقدن الفناء غداة اللقاء ... إلى كل جيشٍ كثير العديد

يقدن: فعل السيوف التي لا تقيم في غمد، أو عنق. يقول: يقدن أي يسقن الفناء غداة اللقاء للحرب، إلى كل جيش كثير العدد؛ فهذا فعلهن وسفرهن.

14
فــولى بــأشــيــاعــه الخــرشــنــي
كــــشـــاءٍ أحـــس بـــزأر الأســـود

فولى بأشياعه الخرشني ... كشاءٍ أحس بزأر الأسود

الخرشني: هو والي حلب، وخرشنة. هو الحصن في بلاد الروم.

يقول: ولي الخرشني الذي حاربه الأمير بأصحابه وأشياعه، كانهزام الشاة عند ما تحس بصوت الأسد.

15
يــرون مــن الذعــر صـوت الريـاح
صــهـيـل الجـيـاد وخـفـق البـنـود

يرون من الذعر صوت الرياح ... صهيل الجياد وخفق البنود

يقول: انهزموا عنه، وخافوه، حتى ظنوا صوت الرياح أنه صهيل خيوله وخفق أعلامه، وأنهم إذا رأوا شيئاً ظنوه رجلاً ومثله قول جرير:

ما زلت تحسب كل شيءٍ بعدهم ... خيلاً تكر عليهم ورجالا

والأصل في ذلك قوله تعالى: "" يحسبون كل صيحةٍ عليهم هم العدو

16
فـمـن كـالأمـيـر ابـن بنت الأمي
ر أم مـــن كـــآبـــائه والجـــدود

فمن كالأمير ابن بنت الأمي ... ر أم من كآبائه والجدود؟

من: استفهام. ومعناه النفي.

يقول: ليس أحد مثل الأمير وليس أحد كأبيه وأجداده، وهو أيضاً كريم من جهة الأمهات.

17
ســعــوا للمــعــالي وهــم صــبـيـةٌ
وسـادوا وجـادوا وهم في المهود

سعوا للمعالي وهم صبيةٌ ... وسادوا وجادوا وهم في المهود

يقول: إن الممدوح وأباءه وأجداده قد سعوا في طلب المعالي في حال صباهم، وسادوا غيرهم، وجادوا بأموالهم، وهم أطفال في المهود، والغرض المبالغة في سؤددهم وكرمهم. وروى: وشادوا أي بنوا المجد ورفعوه.

18
أمــــالك رقــــىً ومــــن شــــأنــــه
هــبـات اللجـيـن وعـتـق العـبـيـد

أمالك رقىً ومن شأنه ... هبات اللجين وعتق العبيد

الواو في قوله: ومن شأنه، واو الحال. ويجوز: أن يكون واو العطف، ومن في موضع النصب، وتقديره إذاً يكون: يا مالك رقىً ويا من شأنه هبات الفضة وإعتاق العبيد.

19
دعــوتــك عــنــد انـقـطـاع الرجـا
ء والمــوت مـنـي كـحـبـل الوريـد

دعوتك عند انقطاع الرجا ... ء والموت مني كحبل الوريد

حبل الوريد: عرق في العنق، يتصل بالقلب.

يقول: دعوتك لما انقطع الرجاء من الحياة، وقرب الموت مني، كقرب حبل الوريد

20
دعـــوتـــك لمــا بــرانــي البــلى
وأوهـــن رجـــلي ثــقــل الحــديــد

دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجلي ثقل الحديد

براني: أي أنحلني، وقطعني، والبلى: مصدر بلى الشيء. وروى: لثقل الحديد.

يقول: دعوتك عند الشدة، وعظم أثر القيد برجلي

21
وقـد كـان مـشـيـهـمـاً فـي النعال
فـقـد صـار مـشـيـهـمـاً في القيود

وقد كان مشيهماً في النعال ... فقد صار مشيهماً في القيود

يقول: قد كان مشى رجلي قبل ذلك في النعال، وصار الآن مشيهما في القيود! فلا عهد لي بالقيود قبل هذه الحالة!

22
وكــنــت مــن النــاس فــي مــحـفـلٍ
فــهـا أنـا فـي مـحـفـلٍ مـن قـرود

وكنت من الناس في محفلٍ ... فها أنا في محفلٍ من قرود

يقول: كنت إلى الآن في محفل من كرام الناس، وأنا الآن في محفل من القرود! وأراد بهم الأوباش وأصحاب الأهواء ثم بين فقال

23
لصــــوصٌ أطــــاعــــوا أبـــا مـــرةٍ
بــتــرك الركــوع وتــرك السـجـود

لصوصٌ أطاعوا أبا مرةٍ ... بترك الركوع وترك السجود

هم لصوص وأطاعوا إبليس بترك الصلاة. وأبو مرة: كنية إبليس.

24
كــأنــي قــرنــت بــهــم فـي الجـح
يـم أرى كـل يـومٍ وجـوه اليـهـود

كأني قرنت بهم في الجح ... يم أرى كل يومٍ وجوه اليهود

(البيت بلا شرح))

25
تـــعـــجـــل فـــي وجـــوب الحـــدود
وحـــدي قـــبــل وجــوب الســجــود!

تعجّلُ في وجوب الحدود ... وحدي قبل وجوب السجود!

وروى تعجل: فيكون متعدياً، أصله تتعجل أيها الأمير، فعلى هذا (وجوب) يكون منصوباً، والأولى تعجل بفتح اللام على الفعل الماضي اللازم ويجوز رفع (وجوب الصلاة) علي وحدي. قال ابن جنى: إنه لم يكن صغيراً لكن صغر نفسه عند الأمير ألا ترى أن من كان صبياً لا يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف والظاهر بخلاف ذلك، وما بعده يدل على أنه كان صغيراً، ومثله لابن الرومي:

أم لذنبٍ ينوب عني فلم يأن ... اكتساب الذنوب للأطفال

26
وقــيــل عــدوت عــلى العــالمـيـن
بـــيـــن ولادي وبــيــن القــعــود

وقيل عدوت على العالمين ... بين ولادي وبين القعود

عدوت: أي ظلمت يقول: قيل عدوت على العالمين بما نويت، وأنا بين ولادي (1) وقعودي ومن كان طفلاً مثلي. فكيف يصح منه ما نسب إليه؟!

1- ولادي أي ولادتي يعني اتهموني أني فعلت ذلك منذ أن ولدتني أمي وقبل أن اتمكن من القعود

27
فــمــا لك تــقــبــل زور الكــلام
وقــدر الشــهــادة قــدر الشـهـود

فما لك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهود

يقول: مالك تقبل على الكذب وهذه الشهادة كشاهديها في الحقارة، فكما لا قدر للشهود لحقارتهم فكذلك شهادتهم.

28
فــلا تــســمــعـن مـن الكـاشـحـيـن
ولا تــعــبــأن بــمــحــك اليـهـود

فلا تسمعن من الكاشحين ... ولا تعبأن بمحك اليهود

بمحك اليهود: أي العداوة وشدة الحاجة. وروى: بمحل اليهود: وهو السعاية.

يقول: لا تسمع من الكاذبين كذبهم علي، ولا تبال بعداوة اليهود وسعايتهم بي، فإن شهادة اليهود على المسلمين غير مقبولة؛ لما بينهم من العداوة، والظاهر أنهم كانوا يهوداً. وقال ابن جنى: إنهم لم يكونوا يهوداً ولكن كني عنهم باليهود لذلتهم وحقارتهم وقلتهم، وظاهر البيت يدل على خلاف ذلك.

29
وكــن فــارقـاً بـيـن دعـوى: أردت
ودعــوى: فــعــلت بــشــأوٍ بــعـيـد

وكن فارقاً بين دعوى: أردت ... ودعوى: فعلت بشأوٍ بعيد

يقول: إن القوم إنما شهدوا علي، بأني أردت أن أهجوك وأخرج عليك، ولم يشهدوا أني فعلت ذلك، ولا نستحق الحبس والحد على العزم والنية ما لم يفعل، فكن فارقاً بين الواقع والمستقبل بمفرق بعيد، فإن بين الأمرين بوناً بعيداً.

30
وفــي جــود كــفــيــك مـا جـدت لي
بـنـفـسـي ولو كـنـت أشـقـى ثـمـود

وفي جود كفيك ما جدت لي ... بنفسي ولو كنت أشقى ثمود

يقول: لو كان ما زعموا! فإن في جود كفيك لي رجاءٌ أن تعفو عني، وتجود بنفسي وتترك قتلها، على عظم ذنبي، ولو كنت في ذنبٍ عظيم. أشقى ثمود: الذي عقر ناقة صالح عليه السلام. واسمه قدار بن سالف.

عن القصيدة

«أيا خدد الله ورد الخدود» قصيدة للشاعر المُتَنَبّي، أحد شعراء العصر العباسي، عدد أبياتها 30 بيتاً ، وقافيتها على حرف الرويّ «د». مطلعها: «أيــــا خـــدد الله ورد الخـــدود ... وقـــد قـــدود الحــســان القــدود». ولـالمُتَنَبّي قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

تعليقات القراء 0