إذا ما الفتى في دهره أحسن الظنّا
للشاعر معروف الرصافي
1
إذا مـا الفـتـى فـي دهـره أحـسـن الظـنّا
فــمـا أدرك المـغـزى ولا فـهـم المـعـنـى
2
ومـا الحـزم إلا أن نـرى الدهـر هـاجـماً
فــنــبــنــيَ مــن تـدبـيـرنـا دونـه حـصـنـا
3
ومــا الدهــر إلا مــبــهــرِ فــي طــبـاعـه
يــغــرّر بــالأقــوام يــفــتــنــهـم فَـتـنـا
4
يـــروع بـــنـــيـــه صـــائلاً بـــنـــبـــاتــه
فــقــد ضـلّ مَـن مـن دهـره يـطـلب الأمـنـا
5
يــذفّ عــليــهــم بــالظــبــي مــن خــطـوبـه
فــكــم جــدعــت أنــفــاً وكـم صـلمـت أذنـا
6
ومـــا شـــهـــبـــه إلا مـــخـــالب كـــيـــده
تــمــدّ بــجــوف الليــل دامــيــة حــجــنــا
7
إذا مـــا تـــشــمــمــت الزمــان وطــبــعــه
تــشــمّــمــت مــن أعــمـاق طـيـنـتـه نـتـنـا
8
إليــك فــتــى الســعــدون جــئت مــهــنّــئاً
بــمــا نــلتــه عـنـد الإله مـن الحـسـنـى
9
إذا مــا دمــمــنــا الدهـر يـومـاً وأهـله
فــإنــك مــن تــلك المــذمّــات مــسـتـثـنـى
10
أتــى يــومــك الدامــي بــذكــراك حـافـلا
فـــجـــدّد فــي كــل البــلاد لنــا حــزنــا
11
فــفــي مــثــل هــذا اليــوم بــتّ مــضـرّجـاً
وبـتـنـا نـحـاكـي فـي مـداعـمـنـا المـزنا
12
وفـي مـثـل هـذا اليـوم فـي حـفـرة البلى
جــعــلنــا بــك الآمــال مــدفــونــة هـنّـا
13
عــــشــــيّـــةً أطـــلقـــت المـــســـدّس نـــاره
عــلى قــلبـك الخـفّـاق مـن يـدك اليـمـنـى
14
فــــللّه نــــار قــــد بــــردت بــــحـــرّهـــا
وإن سـال مـنـهـا دمـعـنـا بـالجـوي سـخنا
15
لئن أفــقــدت بــالمــوت قــلبــك نــبــضــه
فــكــم أنــبــضــت بــالحــزن أفــئدةً مـنّـا
16
وكــم أنــطــقــت دمـع المـحـاجـر بـالأسـى
عــلى أنــهــا بــالهــول أخـرسـت اللسـنـا
17
فــيــا طــلقــةً ريــع العــراق بــصــوتـهـا
فــبــانــت بــه الآفــاق عــابــســةً دكـنـا
18
وردّد مـــجـــرى الرافـــديـــن لصـــوتـــهــا
صدى الحزن من أقصى العراق إلى الأدنى
19
لقــد جــمــع الأمــوال بــاســمــك مــعـشـر
لتــخــليــدهــم ذكـراك فـي مـعـهـد يـبـنـى
20
ومـــا عـــلمـــوا أن المـــبــانــي كــلّهــا
وإن قــويــت تــفــنــى وذكــرك لا يــفـنـى
21
وأعـــظـــم تـــخـــليــداً لذكــراك مــنــهــم
فـــعـــائلك الغـــرّاء والخـــلق الأســنــى
22
ســعــيـت إلى اسـتـقـلال قـومـك مـخـلطـصـاً
ومـا كـنـت فـي يـوم عـلى القـوم مـمـتـنّا
23
وقــعــت بــأعــبــاء الســيــاســة نــاهـضـاً
يـــهـــمّـــة لاوانٍ ولا نـــاكـــصٍ جـــبــنــا
24
وأبـــديـــت فــي تــلك المــواقــف كــلّهــا
أصـــالة رأيٍ قـــط لم يـــعـــرف الأفــنــا
25
فـــإن كـــنــت لم تــنــجــح فــليــس لعــلّةٍ
سـوى أن خـصـم القـوم فـي كـيـده افـتـنّـا
26
زكـــت لك نـــفــس بــيــن جــنــبــيــك حــرّة
فــلا أظــهـرت كـبـراً ولا أضـمـرت ضـغـنـا
27
لنــا المــثــل الأعــلى بـحـلمـك والنّـدى
فــكــم بــهـمـا أثـنـى عـليـك الذي أثـنـى
28
فــأحــنــف ربّ الحــلم بــالحــلم فــقــتــه
وفـي الجـود قـد فـقـت ابـن زائدة مـعـنا
29
ألســـت الذي قـــدم رام قـــتـــلك قــاتــل
فــأطــلقــتــه عــفــواً وأوســعــتــه مَــنّــا
30
ســيــبــقــى عــلى الأيــام ذكــرك خــالداً
بــه صــحــف التــأريــخ قــاطــبــةً تــعـنـى
31
فــيــا بــطــلاً بــالنــفــس ضــحّــى وإنـمـا
بـــذلك لاســـتـــقـــلالنـــا ســـنّــةً ســنّــا
32
فــــعــــلّمــــنــــا أنّ التــــفـــادي واجـــب
عــلى كــل قــوم حــاولوا شــرف المــغـنـى
33
ســنـسـعـى إلى مـا قـد سـعـيـت مـن العـلا
بــصــادق عــزم يــنـكـر الضـعـف والوهـنـا
34
وإنــــا لقــــوم مـــســـتـــقـــلّون فـــطـــرةً
إذا أنــكــر اســتـقـلالنـا مـنـكـر ثـرنـا
35
فــلو جــعــلت تــبــراً سـبـيـكـاً بـيـوتـنـا
ولســنـا بـحـكـام أبـيـنـا بـهـا السـكـنـى
36
يــهــون عــليــنــا فــي الســيـاسـة أنـنـا
نــصـلّب فـي الأعـواد أو نـدخـل السـجـنـا
37
ولســنــا نــبــالي دون أحــيــاء مــجـدنـا
أعـشـنـا عـلى وجـه البـسـيـطـة أم مُـتـنـا
38
إذا أدرك المـــجـــد المـــؤثّـــل مــعــشــر
أُحـــاد فـــأنّــا نــحــن نــدركــه مــثــنــى
39
نـــفـــوســاً ورثــنــاهــا كــبــاراً أبــيــةً
أبـت فـي الدنى أن تحمل الضيم والغبنا
تعليقات القراء 0