تصبَّتهُ ريحا شمألٍ وجنُوبِ
للشاعر أبو الفضل الوليد
1
تــصــبَّتــهُ ريــحــا شــمــألٍ وجــنُــوبِ
فــقــالَ العِــدى مــا حــظُّهـُ بـقَـريـبِ
2
وشــاقــتــهُ أمــواجٌ هـنـاكَ يَـزورُهـا
فــيــبــكـي عـلى صـخـرٍ لهـا وكـثـيـب
3
ونـــثَّرَ آمـــالاً عـــلى كـــلِّ شــاطــئٍ
وســارَ كــســيـرَ القـلبِ بـيـنَ شُـعـوب
4
فــمــا شـعـرَت نـفـسٌ بـأحـزان عـابـر
ولا مَـــســـحَـــت كـــفٌّ دمــوعَ كــئيــب
5
فَـضـاعـت كـمـا ضـاعـت جـواهـرُ شِـعرهُ
وأفــلاذُ قــلبٍ فــي الأيــاسِ جَـديـب
6
إذا غـرَّد العُـصـفـورُ يَـدعُـو أليـفـه
وفـي النّـفـسِ والوادي سـكـونُ غـروب
7
ومــيَّلــتِ الأنــســامُ أزهــارَ جــنّــةٍ
كــــأفــــئدةٍ خــــفّـــاقـــةٍ لرقـــيـــب
8
وأرخَـت عـليـهِ ليـلةُ الصّـيـفِ سدلَها
مُـــوشّـــىً بـــلونـــي لامــعٍ ورَطــيــب
9
تـذكّـرَ عـيـشـاً بـيـنَ أهـليه وانحنى
يُــــفــــكِّرُ مــــن أيــــامِه بـــريـــوب
10
وضـاقـت عـليـهِ الأرضُ حيناً وطالما
وَعــاهــا بــصــدرٍ كــالسـمـاءِ رحـيـب
11
وقــالَ وقــد أعَـيـتـهُ كـثـرةُ سَـعـيـهِ
أهـــذا ابـــتِــلاءٌ أم جــزاءُ ذنــوب
12
أُحِــبُّ قــريــبـاً إن دعـانـي أجـبـتـهُ
وليـــسَ إذا نـــاديـــتُه بـــمُــجــيــب
13
جَــفــانــي لأنَّ الحــرصَ جــمّـدَ قـلبَهُ
ومـا زلتُ فـي البـلوى أُحـبُّ قـريـبي
14
تــعــالَ أخــي نــمـزُج دمـوعـاً أبـيَّةً
فـــكـــلُّ غـــريـــبٍ آنـــسٌ بـــغـــريـــب
15
بُـليـنـا فـراعَ النّـاسَ حُـسنُ بلائنا
وربَّ اغــــتـــرابٍ للشّـــقـــاءِ جـــلوب
16
كــذلكَ تُــشــقـي المـرءَ نـفـسٌ أبـيـةٌ
وقــــلبٌ يَــــرى لذاتــــهِ بــــنــــدوب
17
عـلى الحـرِّ أن يلقى الخطوبَ بحزمِه
فــفــي الخَـطـبِ تـجـريـبٌ لكـلِّ لبـيـب
18
أُقــابــلُ أعــدائي وأهـوالَ غـربـتـي
بــقــلبٍ مــنــيــرٍ فــي ظــلامِ خـطـوب
19
ونـفـسٍ لنـيـلِ المجدِ تستعذِبُ الرّدى
كَـــنـــســرٍ لأصــواتِ الرّعــود طــروب
20
فما راعني سيري على الأرضِ تائهاً
ونــومــي وحــيــداً مُــثـقـلاً بـكـروب
21
وتــعـريـضُ جـسـمـي للمَهـالكِ طـالبـاً
دواءً لداءٍ حــارَ فــيــه طــبــيــبــي
22
ولي هــمّــةٌ بـيـنَ الجـوانـحِ دونـهـا
تـــحـــدّرُ ســـيـــرٍ وانــدلاعُ لهــيــب
23
عـــلى كـــلِّ حـــرٍّ دَمـــعــةٌ وتــحــيّــةٌ
إذا كـانَ هـذا فـي الجـهـادِ نـصِيبي
24
ومـا أنـسـتِ الأسـفارُ لا أنس وقفةً
عـلى بـحـرِنـا والشّـمـسُ عِـنـد مـغـيب
25
أُودِّع ســـوريّـــا وأُودِعُهـــا الهـــوَى
وكــفّــي بــكــفَّيــْ صــاحــبٍ ونــســيــب
26
وأرنـو مَـشـوقـاً مـن خِـلالِ مَـدامـعي
إلى جــبــلٍ بــادي الصــخـورِ مـهـيـب
27
ويــومَ بَـكـت أمـي الحـنـونُ وراعَهـا
دنـــوٌّ وداعٍ كـــالحِـــمـــامِ رهـــيـــب
28
وقـــالت بـــصــوتٍ خــافــتِ مــتــهــدّجٍ
ومــنــهــا زفــيــرٌ لاحــقٌ بــنــحـيـب
29
بُــنــيَّ يــمــيــن الله هـل لك عـودةٌ
وداعــك هــذا يــا بــنــيَّ مــذيــبــي
30
ألا أنـتَ بـاقٍ آمـنـاً فـي ربـوعـنـا
فــمِــثــلكَ لم يــولد لِصــعــبِ ركــوب
31
فـقـلتُ لهـا والجـفـنُ يـكـتـمُ عـبـرةً
سـأرجـعُ يـومـاً فـاصـبـري وثـقـي بـي
32
كــطــيــرٍ تـصـبّـاهـا ربـيـعُ بـلادِنـا
فــأطــربــنــا مــنـهـا حـنـيـنُ سـروب
33
أليـس التّـلاقـي بـعـد نـأيٍ ألذّ من
تـــخـــلّفِ حـــبٍّ بـــالمـــلالِ مَـــشــوب
34
دعــيــنــي أوفِّ المـجـدَ يـا أمِّ حـقّهُ
وأقــضـي شـريـفـاً مـثـلَ جـارِ عَـسـيـب
35
يــلذُّ لفــرخِ النــسـرِ بـسـطُ جـنـاحـهِ
إذا الريــحُ حــيّــت وكــرهُ بــهـبـوب
36
نـعـم كانَ لي عقدٌ من الحبِّ والمُنى
فــضــاعَ ولم أظــفــر بــبـعـضِ حـبـوب
37
كـمـا ضـاعـتِ القبلاتُ في نحرِ غادةٍ
غـــرورٍ كـــأمــواجِ البــحــارِ كــذوب
38
فــقــلتُ لنــفــســي بـعـد ذلٍّ وحـسـرةٍ
كـفـاكِ ازدراءُ الجـاهـليـنَ فـتـوبـي
39
أحــنُّ إِلى الحــمــراءِ حـنـاتِ بُـلبُـلٍ
يُـــــروِّعُه ليـــــلاً دويُّ نــــعــــيــــب
40
تـنـاثـرَ قـلبـي مـثـلَ ريـشـاتـهِ على
مُـــلِمّـــاتِ دهـــرٍ بـــالكــرامِ لعــوب
41
فــكــيــف أحـبـائي الذيـن تـركـتُهـم
وقــد بــاتَ يُــشــقــيــهـم ألجّ طـلوب
42
تــبــعَّثـَ مـن قـلبـي ضـيـاءُ وجـوهِهـم
تـــبـــعُّثــَ نــورٍ مــن خِــلالِ ثُــقــوب
43
يُــطــلّونَ مـنـهُ بـاسـمـاً تِـلوَ بـاسـمٍ
فـيـنـقـى جَـبـيـنـي بـعـدَ طـولِ قـطوب
44
وتــجـلو هُـمـومـي بـسـمـةٌ مـن صـبـيَّةٍ
تـجـيـءُ الصـبـا مـن بُـردِهـا بـطـيوب
45
أحــبّــت غــريــبــاً تــسـتـفـزُّ فـؤادَه
بــلثــغـتـهـا فـي لفـظِهـا لحـبـيـبـي
46
عـلى صـدرِهـا أهـوى البنفسجَ ذابلاً
كـــعـــيــنِ لألبــابِ الرجــالِ خــلوب
47
وأعــبــدُ مــنــهــا بــيــنَ دلٍّ وعـفـةٍ
جــمــالَ شــبــابٍ فــي جــلالِ مــشـيـب
48
وأرعـى جـبـيـنـاً مـن زنـابـقِ غـيـضةٍ
ونــحــراً عــليــه مــن بـيـاضِ حـليـب
49
وقـد زانـهُ عـقـدٌ مـن الدرِّ تـلتـقـي
عـــلى صَـــدرِهــا حــبّــاتُه بــصــليــب
50
أقــولُ إذا رقّــت لحــالي وأقــبــلت
تُــســائِلنــي عــن صـفـرتـي وشـحـوبـي
51
كـذاكَ تـقاسمنا النحولَ على الهوى
فــليــسَ تــدانــيــنــا إذاً بـعـجـيـب
52
أتـائهـةٌ عـجـبـاً بـفـتـيـانِ قـومـهـا
ورامــيــةٌ فــتــيــانــنــا بــعــجـيـب
53
وُقِـيـتِ النّوى لا تضحكي من رجالنا
أيــأمــنُ سَــلبــاً شــامــتٌ بــســليــب
54
صــروفُ الليــالي فــرّقـتـهـم وبـدّلت
حــيــاةَ خــمــولٍ مــن حــيــاةِ حــروب
55
إذا لبـسـوا الأطـمـارَ إنّ صـدورهـم
لتــحــمِــلُ فــي البــلوى أشـدَّ قـلوب
56
وكـلُّ جـمـالِ الشّـرقِ فـي فـتـيـاتـنـا
فــإن تُــبــصــري أجـفـانـهـنَّ تـذوبـي
57
لهــنّ عــيــونٌ حــامــلاتٌ لِشَــمــسـنـا
فــأحــداقــهــنَّ السّــودُ حَــبُّ زبــيــب
58
بَـعـثنَ الهوى موجاً وناراً فلم نكن
لِنــنــجــو وقــد حـاربـنـنـا بـضـروب
59
فـدى العـربـيّـاتِ الحـرائر مُهـجـتـي
فــهــنَّ كــروض فــي الربــيـعِ خـصـيـب
تعليقات القراء 0