هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

دروعٌ لملك الرّوم هذي الرّسائل

للشاعر المُتَنَبّي

1
دروعٌ لمـــلك الرّوم هـــذي الرّســائل
يــردّ بــهــا عــن نــفــســه ويــشـاغـل

وقال أيضاً يمدحه ويذكر مجيء الرسول من عند ملك الروم، ودخلوه عليه، في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة.

دروعٌ لملك الرّوم هذي الرّسائل ... يردّ بها عن نفسه ويشاغل

هذي الرسائل: مبتدأ، ودروع: خبره.

يقول: هذه الرسائل تقوم للملك مقام الدروع، يحفظ بها نفسه، ويرد الموت عنه، ويشاغلك عن قتاله، ويدفعك عن قصده، ريثما يرجع رسوله إليه.

2
هـي الزّرد الضّـافـي عـليـه ولفـظـهـا
عـــليـــك ثـــنـــاءٌ ســابــغٌ وفــضــائل

هي الزّرد الضّافي عليه ولفظها ... عليك ثناءٌ سابغٌ وفضائل

الزرد: حلق الدروع، والضافي: السابغ التام.

يقول: هذه الرسائل دروع سابغة، يلبسها ملك الروم؛ يدفع بها عن نفسه. ولفظها ثناء عليك وفضائل لك، فكأنها دروع له من حيث الباطن، وثناء لك من حيث الظاهر.

3
وأنّــى اهـتـدى هـذا الرّسـول بـأرضـه
ومـا سـكـنـت مـذ سـرت فيها القساطل

وأنّى اهتدى هذا الرّسول بأرضه ... وما سكنت مذ سرت فيها القساطل

أنى: بمعنى كيف وأين، والقساطل: هو الغبار. والهاء في بأرضه للرسول وفي فيها لأرضه.

يقول: كيف اهتدى هذا الرسول في طرقه وهي مظلمة ؟! بغبار الخيل وقتام الحرب، وما سكن بعد ذلك الغبار !

4
ومــن أيّ مــاءٍ كــان يــسـقـى جـيـاده
ولم تـصـف مـن مـزج الدّماء المناهل

ومن أيّ ماءٍ كان يسقى جياده ... ولم تصف من مزج الدّماء المناهل ؟!

المنهل: موضع الشرب من الوادي، وأصله النهل.

يقول: من أي ماء كان يسقى خيله، وكل ماء كان ممزوجاً بدماء القتلى

5
أتــاك يــكــاد الرّأس يـجـحـد عـنـقـه
وتـنـقـدّ تـحـت الذّعـر مـنـه المفاصل

أتاك يكاد الرّأس يجحد عنقه ... وتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل

يقول: أتاك هذا الرسول، وقد امتلأ قلبه ذعراً، مما شاهد من إيقاعك بأصحابه، حتى يكاد رأسه يجحد عنقه: أي يفارقه، وتنقد مفاصله وتتقطع، من عظم خوفه منك؛ مما شاهده وتحقق من عاداتك في قتلهم.

6
يــقــوّم تـقـويـمُ السّـمـاطـيـن مـشـيـه
إليــك إذا مــا عــوّجــتــه الأفـاكـل

يقوّم تقويمُ السّماطين مشيَه ... إليك إذا ما عوّجته الأفاكل

السماطان: صفان من الرجال يمتدان بين يدي السلطان. والتقويم: رفع لأنه فاعل يقوم ومفعوله: مشيه، والأفاكل: جمع الأفكل، وهو الرعدة.

يقول: كان يرتعد عند مشيه إليك، فقوم مشيته تقويم السماطين.

7
فــقــاسـمـك العـيـنـيـن مـنـه ولحـظـه
ســـمـــيّــك والخــلّ الّذي لا يــزايــل

فقاسمك العينين منه ولحظه ... سميّك والخلّ الّذي لا يزايل

منه: أي من الرسول، وكذلك لحظه: أي لحظ الرسول. وفاعل قاسمك: سميك، والمراد به: السيف.

يقول: قسم سيفك عيني الرسول بينك وبينه، فكان ينظر بإحدى عينيه إليك، وبالأخرى إلى سيفك، لأنه كان يخاف منك أن تأمر بقتله، ومن سيفك أن تقتله به.

أو كان ينظر إليك ويرى كرم أخلاقك فيطمع في عفوك، وإذا نظر إلى سميك خاف بأسه، فقسم عينيه بينكما، يرجو ويخاف، وهذا السمى: هو خليلك الذي لا يزايلك.

8
وأبــصـر مـنـك الرّزق والرّزق مـطـمـعٌ
وأبــصـر مـنـه المـوت والمـوت هـائل

وأبصر منك الرّزق والرّزق مطمعٌ ... وأبصر منه الموت والموت هائل

يقول: إذا نظر إليك طمع في الحياة؛ بما يشاهد من مخايل جودك، وأمل عفوك، وإذا نظر إلى سيفك عاين فيه الموت، لما هاله من هيبتك. والواو في قوله والرزق مطمع والموت هائل للحال.

وقيل: معناه رأى أرزاق كثير من الناس تحت يديك، فأطمعه ذلك في أن يكون من جملة القوم، ورأى حتف كثير منهم بسيفك، فهاله ذلك.

وهذا البيت يدل على المعنى الثاني الذي ذكرناه في البيت الذي قبله.

9
وقــبّــل كــمّــاً قــبّــل الأرض قــبــله
وكــــلّ كــــمــــيٍّ واقـــفٌ مـــتـــضـــائل

وقبّل كمّاً قبّل الأرض قبله ... وكلّ كميٍّ واقفٌ متضائل

المتضائل: المخفي شخصه من الجبن والفزع، وقيل: هو المنقبض. والواو في قوله: وكل كمي للحال.

يقول: لما وصل الرسول إليك قبل أولاً الأرض بين يديك، ثم قبل كمك، والأبطال قيام بين يديك، قد تضاءلوا هيبة لك، وأخفوا أنفسهم إجلالاً لك.

10
وأســـعـــد مــشــتــاقٍ وأظــفــر طــالبٍ
هــمــامٌ إلى تــقــبــيــل كــمّـك واصـل

وأسعد مشتاقٍ وأظفر طالبٍ ... همامٌ إلى تقبيل كمّك واصل

أسعد: مبتدأ. وأظفر: عطف عليه، وهمام: خبره.

يقول: ملك وصل إلى تقبيل كمك هو أسعد مشتاق وأظفر طالب لحاجة، ولا مزيد على ما ناله من الشرف.

11
مــكــانٌ تــمــنّــاه الشّــفــاه ودونــه
صــدور المـذاكـي والرّمـاح الذّوابـل

مكانٌ تمنّاه الشّفاه ودونه ... صدور المذاكي والرّماح الذّوابل

يقول: إن كمك وتقبيله، مكان تتمنى الشفاه الوصول إليه، وتريد الملوك تقبيله ولكنهم لا يصلون إليه.

12
"فــمــا بــلّغــتــه مــا أراد كــرامــةٌ
عــليــكــ، ولكــن لم يــخـب لك سـائل"

فما بلّغته ما أراد كرامةٌ ... عليك، ولكن لم يخب لك سائل

كرامة: فاعل بلغته، والمفعول الأول الهاء والثاني ما.

يقول: لم يبلغ الرسول إلى ما بلغه من تقبيل كمك كرامته عليك؛ لأنه كافر وأنت تبغضه وتستخف به، ولكن لما سألك أن تمكنه من ذلك لم تخيبه، إذ عادتك ألا تخيب سائلك.

13
وأكــبــر مــنــه هــمّــةً بــعــثــت بــه
إليـك العـدى واسـتـنـظـرته الجحافل

وأكبر منه همّةً بعثت به ... إليك العدى واستنظرته الجحافل

روى: أكبر بالرفع والنصب.

فالرفع: على أنه اسم المبالغة والمعنى: على أن همة الرسول وإن كانت كبيرة في قدومه عليك، فأكبر همة منه، العدى حيث بعثوا به إليك، وسألوه أن يؤخر عنهم القتال؛ لشغله إياك عنهم، والاستنظار: طلب النظر، وهو التأخير.

والنصب: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون اسماً كالأول ومعناه: رب رسول أكبر من هذا الرسول همة، وأعلى منه قدراً، جاءك رسولاً، واستنظرته الجحافل، كما استنظرت هذا الرسول، ثم رجع إليهم وهو يعذلهم على مخالفتهم أمرك. فعلى هذا يكون البيت الذي بعده من تمامه.

والمعنى الثاني: أن يكون أكبر فعلاً ماضياً، وفاعله العدى وهمة مفعوله. والمعنى: أن العدى أكبروا واستعظموا همةً بعثت هذا الرسول إليك، وأقدمته على الدنو منك، واستنظرت هذا الرسول الجحافل على ما بيناه

14
فــأقــبــل مــن أصـحـابـه وهـو مـرسـلٌ
وعـــاد إلى أصـــحــابــه وهــو عــاذل

فأقبل من أصحابه وهو مرسلٌ ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل

يقول: هذا الرسول جاء من أصحابه رسولاً، ثم عاد إليهم يعذلهم على ترك طاعتك؛ لما رآه من عظم شأنك.

15
تــحــيّــر فــي ســيــفٍ ربــيــعـة أصـله
وطــابــعــه الرّحـمـن والمـجـد صـاقـل

تحيّر في سيفٍ ربيعة أصله ... وطابعه الرّحمن والمجد صاقل

ربيعة: ابن نزار، وإليه ينسب سيف الدولة.

لما رآك تحير فيك؛ لأنه رأى سيفاً لا كالسيوف، إذ السيف أصله الحديد، وطابعه الحداد، وصاقله الصيقل، وأنت أصلك من ربيعة، والرحمن طابعك، والمجد صاقلك.

16
ومــا لونــه مــمّــا تــحــصّــل مــقــلةٌ
ولا حـــدّه مـــمّــا تــجــسّ الأنــامــل

وما لونه ممّا تحصّل مقلةٌ ... ولا حدّه ممّا تجسّ الأنامل

يقول: لون هذا السيف لا يدركه النظر، ولا تحققه المقلة، ولا يمكن الناظرين أن يملئوا أعينهم منه، هيبةً له، وكذلك ليس حده مما يمكن أن يختبر باللمس كما يحس ويضبط سيف الحديد. فتحير هذا الرسول في سيف هذه صفته.

17
إذا عـايـنـتـك الرّسـل هـانت نفوسها
عــليــهـا ومـا جـاءت بـه والمـراسـل

إذا عاينتك الرّسل هانت نفوسها ... عليها وما جاءت به والمراسل

المراسل: ملك الروم. والرسل: الرسل. وما جات به: الرسالة.

يقول: إذا رأتك الرسل استحقروا أنفسهم، واستحقروا ما جاءوا به من الرسالة، واستحقروا صاحبهم الذي أرسلهم إليك؛ لما يرون من هيبتك وعلو شأنك.

18
رجـا الرّوم مـن ترجى النّوافل كلّها
لديــه ومــا تــرجــى لديـه الطّـوائل

رجا الرّوم من ترجى النّوافل كلّها ... لديه وما ترجى لديه الطّوائل

النوافل: العطايا، واحدتها نافلة. ومن ترجى: هو سيف الدولة يرجى منه كل عطية وصلة، ويوصل إلى كل مراد، إلا إدراك الثأر، فإنه لا يوصل إليه منه.

19
فـإن كـان خوف القتل والأسر ساقهم
فـقـد فعلوا ما القتل والأسر فاعل

فإن كان خوف القتل والأسر ساقهم ... فقد فعلوا ما القتل والأسر فاعل

يقول: إن كان الذي ساقهم إليك لطلب الصلح والأمان، هو الخوف من القتل والأسر، فقد فعلوا في مجيئهم إليك ما يفعله الأسر والقتل، من الذل والاستكانة؛ لأنهم إنما جاءوك خوفاً، فصاروا مقتلين مأسورين.

20
فــخــافــوك حــتّــى مـا لقـتـلٍ زيـادةٌ
وجــاءوك حــتّــى مـا تـزاد السّـلاسـل

فخافوك حتّى ما لقتلٍ زيادةٌ ... وجاءوك حتّى ما تزاد السّلاسل

ما نفي في الموضعين.

يقول: خوفهم منك قام لهم مقام القتل، فليس للقتل زيادة على ما أصابهم، وكذلك جاءوك مستسلمين في أمرهم طائعين كالأسارى، حتى لا يحتاج معهم إلى السلاسل؛ لأن الأسير إنما يشد إذا خيف عليه الهرب.

والمصراع الأول مثل (1):

وإلاّ فأعلمه بأنّك ساخطٌ ... ودعه فإنّ الخوف لا شكّ قاتله

(1)    في الأصول: مثل قوله، والبيت لأبي تمام (ديوانه:3/28) وليس للمتنبي. (المحقق)

21
أرى كـــلّ ذي مـــلكٍ إليــك مــصــيــره
كـــأنّـــك بـــحـــرٌ والمـــلوك جـــداول

أرى كلّ ذي ملكٍ إليك مصيره ... كأنّك بحرٌ والملوك جداول

يقول: كل ملك يصير إلى حضرتك، وينضاف ملكه إلى مملكتك، فكأنك بحر وهم جداول تنصب إلى البحر.

22
إذا مــطــرت مــنــهــم ومـنـك سـحـائبٌ
فــــوابــــلهــــم طــــلٌّ وطـــلّك وابـــل

إذا مطرت منهم ومنك سحائبٌ ... فوابلهم طلٌّ وطلّك وابل

الوابل: أشد المطر. والطل: أضعفه.

يقول: إنك تزيد على الملوك في كل حال، فكثير عطاياهم إذا قيست إلى عطاياك قليل، بمنزلة الطل من الوابل، وقليلها منك إذا قيس إلى عطاياهم كثير، كالوابل من الطل.

23
"كـريـمٌ مـتـى اسـتـوهبت ما أنت راكبٌ
وقــد لقــحــت حــربٌــ، فــإنّــك نــازل"

كريمٌ متى استوهبت ما أنت راكبٌ ... وقد لقحت حربٌ، فإنّك نازل

لقحت حرب: اشتدت.

يقول: أنت كريم بحيث لو سألك سائل في شدة الحرب فرسك الذي أنت راكبه، لنزلت عنه ووهبته له !

24
أذا الجود أعط النّاس ما أنت مالكٌ
ولا تـعـطـيـنّ النّـاس مـا أنـا قـائل

أذا الجود أعط النّاس ما أنت مالكٌ ... ولا تعطينّ النّاس ما أنا قائل

أذا الجود: أي يا ذا الجود، والألف للندى.

يقول: الشعر الذي أقوله لا يشركني فيه أحد.

وقيل: أراد لا تقبل منهم.

يقول: يا ذا الجود أعط الناس ما أنت مالك من المال، ولا تعطهم ما أختص به. من القصد لمكان يسرقونه من شعري في مدائحك، ولا تعطهم عليه الجائزة، فإني أنا القائل لذلك في الحقيقة.

وقيل: أراد لا تمكن الناس من مكارمك التي أذكرها في شعري، بل كن أبداً متفرداً بها.

وقيل: معناه لا تحملني على مدح غيرك، فتكون قد تركت شعري للناس.

وقيل: أراد لا تمكن الناس من شعري فيسرقوا معانيه ويفسدوه.

وهذا لا معنى له، إذ لا معنى لسؤاله إياه ستر شعره، ومنعهم من سرقة معانيه؛ لأن ذلك يكون سؤالاً لكتمان فضله، وطلباً لإخفاء ذكره.

25
أفــي كـلّ يـومٍ تـحـت ضـبـنـي شـويـعـرٌ
ضــعــيــفٌ يــقـاويـنـي قـصـيـرٌ يـطـاول

أفي كلّ يومٍ تحت ضبني شويعرٌ ... ضعيفٌ يقاويني قصيرٌ يطاول ؟!

الضبن: الحضن، وهو ما تحت اليد من الجنب. ويقاويني: من القوة. ويطاول: من الطول.

يقول: لا أزال أرى كل يوم شويعراً هو ضعيف، ومع ذلك يفاخرني في القول، وهو قصير يطاولني بقصره، أي يباريني ولا يقاومني (1).

وقيل: هذا تعريض بالنامي، وقيل: بابن نباتة. وقيل: أراد غيرهما من شعراء سيف الدولة.

(1)كذا في الأصل المطبوع: ولا يقاومني، وانظر شرح البيت بعد التالي.

26
لســانـي بـنـطـقـي صـامـتٌ عـنـه عـادلٌ
وقــلبـي بـصـمـتـي ضـاحـكٌ مـنـه هـازل

لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ ... وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازل

يقول: لساني مع كوني ناطقاً قادراً على الكلام صامت عن هذا الشويعر، وعادل عنه لقلته وقلة مبالاتي به. وقلبي ضاحك منه ومن جهله مع صمتي عن إجابته. يعني أضحك منه في نفسي وإن لم أنطق بالكلام.

27
وأتــعـب مـن نـاداك مـن لا تـجـيـبـه
وأغــيــظ مـن عـاداك مـن لا تـشـاكـل

وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشاكل

وروى: أيضاً من ناواك من المناوأة وهي: المعاداة وناداك أولى لقوله: لا تجيبه ولقوله بعده: من عاداك.

يقول: أشد الناس تعباً في ندائه من ناداك وأنت لا تجيبه، بل تجعل السكوت جوابه، وأشدهم غيظاً من عاداك وهو دونك في العمل، فيعجز عن مقاومتك.

وقيل: أراد إذا دعاك من هو دونك غاظك ذلك منه.

28
ومـا التّـيـه طـبّـي فـيـهـم غير أنّني
بــغــيــضٌ إليّ الجــاهــل المـتـعـاقـل

وما التّيه طبّي فيهم غير أنّني ... بغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل

التيه: الكبر. وطبي: أي عادتي وعلمي.

يقول: ليس دائي الكبر(1) ولم يكن ترك جوابه كبراً وتيهاً، غير أني أبغض الجاهل المتكلف للعقل والفضل، وكرهت مجاوبته رفعاً لنفسي عن مقاومته.

(1) قال التبريزي في شرح البيت: (وطبي في البيت بمعنى الداء، والأصل في الطب العلم بالشيء يقال: فلان طب وطبيب. ثم اتسعوا في هذه الكلمة حتى سموا الداء طبا) (زهير)

29
وأكــثــر تــيــهــي أنّــنــي بـك واثـقٌ
وأكـــثـــر مـــالي أنّـــنـــي لك آمـــل

وأكثر تيهي أنّني بك واثقٌ ... وأكثر مالي أنّني لك آمل

يقول: أكثر تيهي أني واثق بك؛ لأنك لا تقبل على قول حاسد، ولا يخفي عليك تمويه مموه، وأنك تعرف فضلي فتوفيني ما أستحقه من المنزلة. وأكثر مالي، هو أملي إياك ورجائي فيك، إذ لا تخيب آمليك.

30
لعــلّ لســيــف الدّولة القــرم هــبّــةً
يــعــيــش بــهــا حــقٌّ ويــهــلك بـاطـل

لعلّ لسيف الدّولة القرم هبّةً ... يعيش بها حقٌّ ويهلك باطل

هبةً: أي نشاطاً واهتزازاً.

يقول: أرجو أن يكون منه هزة في أمري مع غيري من الشعراء الذين ينازعون فضلي، ليظهر الحق ويهلك الباطل، وهو التمويه والكلام المسروق، أو يقتل أعدائي، فأستريح منهم.

وقيل: أراد لعل له هزة وحركة يأخذ بها الروم كلها فيهلكها، فينصر فيها الحق، ويهلك الباطل: وهو الكفر.

31
رمــيــت عــداه بــالقــوافــي وفـضـله
وهـنّ الغـوازي السّـالمـات القـواتـل

رميت عداه بالقوافي وفضله ... وهنّ الغوازي السّالمات القواتل

يقول: رميت أعداءه بقصائدي في سيف الدولة، وفضله فيها، فقتلتهم بها حسداً وغيظاً، وهذه القوافي أسلم من الخلل والفساد من السيوف والرماح؛ لأنهم لم يجدوا في شعري مطعناً، ولا لفضائله مدفعاً.

32
وقــد زعــمــوا أنّ النّــجــوم خــوالدٌ
ولو حـاربـتـه نـاح فـيـهـا الثّـواكل

وقد زعموا أنّ النّجوم خوالدٌ ... ولو حاربته ناح فيها الثّواكل

يقول: الناس يزعمون أن النجوم مخلدة لا يلحقها فناء، وليس كما زعموا، فإنها لو حاربته لقتلها وناح عليها من يثكلها.

وقيل: أراد لو قصدته بنحس لأبطل نحوستها وأفناها، فيبطل قول من قال: إنها خوالد.

33
ومــا كــان أدنــاهـا له لو أرادهـا
وألطـــفـــهـــا لو أنّه المـــتــنــاول

وما كان أدناها له لو أرادها ... وألطفها لو أنّه المتناول

يقول: إن النجوم تقرب له إذا أرادها، غاية القرب، ولو أراد أن يتناولها لكانت أقرب الأشياء إليه.

34
قــريــبٌ عــليـه كـلّ نـاءٍ عـلى الورى
إذا لثّــمــتــه بـالغـبـار القـنـابـل

قريبٌ عليه كلّ ناءٍ على الورى ... إذا لثّمته بالغبار القنابل

القنابل: جمع القنبلة وهي الجماعة من الخيل، قدر الخمسين فصاعد. ولثمته: أي شدت عليه اللثام. يقول: إذا رام مراماً بعيداً سهل عليه الوصول إليه إذا دخل الحرب والتثم بغبار خيله، وإن كان بعيدا على من سواه.

35
تـــدبّـــر شــرق الأرض والغــرب كــفّه
وليـس لهـا وقـتـاً عـن الجـود شـاغـل

تدبّر شرق الأرض والغرب كفّه ... وليس لها وقتاً عن الجود شاغل

روى: وقتاً نصباً على الظرف. وروى: وقت فيكون اسم ليس وشاغل صفته.

يقول: إن كفه تدبر شرق الأرض وغربها، ولا يشغلها عن الجود شاغل وقتاً يعني أنه مع شغله بتدبر الأرض، لا يشتغل عن الجود ساعة واحدة، وعلى الرفع: أنه يملك الأرض، وليس وقت يشغله عن الجود.

36
يـــتّـــبـــع هـــرّاب الرّجـــال مـــراده
فــمـن فـرّ حـربـاً عـارضـتـه الغـوائل

يتّبع هرّاب الرّجال مراده ... فمن فرّ حرباً عارضته الغوائل

الغوائل: الدواهي، وهي جمع غائلة، وفاعل يتبع: ضمير سيف الدولة. وحرباً: نصب لأنه مفعول له، وقيل: أصله من حرب فحذف من ونصبه.

يقول: إن سيف الدولة يجعل مراده طالباً لكل من هرب منه، فمن فر منه خوفاً من محاربته، عارضته في طريقه - من قبل سيف الدولة - الغوائل والبلايا فأهلكته.

ويجوز رفع مراده فيكون هو فاعل يتبع ومعناه: أن مراده يتبع هراب الرجال ويطلبهم حتى يدركهم، فيكون اتبع وتبع بمعنى.

37
"ومــن فــرّ مــن إحــســانــه حـسـداً له
تــلقّـاه مـنـهـ، حـيـثـمـا سـار نـائل"

ومن فرّ من إحسانه حسداً له ... تلقّاه منه، حيثما سار نائل

يقول: إن جوده عم الأرض، فمن حسده على إحسانه وهرب إلى موضع لا يرى فيه إحسانه ولا يسمع به، رأى منه في كل مكان نائلاً، وسمع حيثما كان بذكر جوده وعطاياه، فلا يمكنه الفرار منه أبداً.

38
فــتـى لا يـرى إحـسـانـه وهـو كـامـلٌ
له كــامــلاً حــتّــى يـرى وهـو شـامـل

فتى لا يرى إحسانه وهو كاملٌ ... له كاملاً حتّى يرى وهو شامل

الشامل: العام.

يقول: لا يرى إحسانه الكامل كاملاً، حتى يكون مع كماله عاماً شاملاً.

39
إذا العـرب العـربـاء رازت نـفوسها
فــأنـت فـتـاهـا والمـليـك الحـلاحـل

إذا العرب العرباء رازت نفوسها ... فأنت فتاها والمليك الحلاحل

العرباء والعاربة: القديمة. رازت: أي جربت، والحلاحل: السيد. وروى: فأنت قناها وروى فتاها يقول: إذا جربت العرب أنفسها، واختبرت أحوالها، علمت أنك سيدها وكريمها.

40
أطــاعــتــك فــي أرواحــهـا وتـصـرّفـت
بــأمــرك والتــفّــت عـليـك القـبـائل

أطاعتك في أرواحها وتصرّفت ... بأمرك والتفّت عليك القبائل

يقول: إن العرب أطاعتك في أرواحها: أي لو أمرتها بقتل نفوسها لأطاعتك، وتصرفت العرب بأمرك، واجتمعت قبائلها عليك طاعة لك وانقياداً.

وقيل: أراد أن أنسابهم أحدقت بنسبك، وأنت الواسطة فيهم.

41
وكـــلّ أنـــابــيــب القــنــا مــددٌ له
ومـا تـنـكـت الفـرسـان إلاّ العوامل

وكلّ أنابيب القنا مددٌ له ... وما تنكت الفرسان إلاّ العوامل

عامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه (1). وتنكت: أي تسقط، يقال: نكته عن فرسه: أي أسقطه على رأسه.

يقول: أنت من العرب كالسنان من الرمح، وهم كالأنابيب تحته. والأنابيب تكون مدداً للسنان وعونا للرمح والغرض يحصل بالسنان: وهو الذي يتقدم في الحرب، فكذلك تتولى الحرب وتتقدم إليها كالسنان.

قال ابن جني: أردت أن أقول: وما ينكت بالياء، فأبى أبو الطيب ذلك وقال: أريد وما تنكت الأنابيب فلذلك أنثت وهذه لغة يقال: ما قامت إلا هند، أي ما قامت امرأة إلا هند، فكذلك تقديره: ما تنكت أنبوبة الفرسان إلا العوامل، واللغة الجيدة في مثل هذا الموضع إضمار وتذكير الفعل، فيقال: ما قام أحد إلا هند. وإضمار المؤنث أيضاً لغة.

(1) قال التبريزي في كتابه (الموضح) :(وعامل الرمح شيئان: قال بعضهم: هو السنان، الذي يعمل به. وقيل: هو قدر ذراعين من أعلى الرمح). (زهير)

42
"رأيتك لو لم يقتض الطّعن في الوغى
إليـك انـقـيـاداً، لاقتضته الشّمائل"

رأيتك لو لم يقتض الطّعن في الوغى ... إليك انقياداً، لاقتضته الشّمائل

يقول: لو لم يقد الناس إلى طاعتك الخوف من طعنك، لقادهم إليك كرم شمائلك.

43
ومــن لم تــعــلّمــه لك الذّلّ نــفـسـه
مــن النّـاس طـرّاً عـلّمـتـه المـنـاصـل

ومن لم تعلّمه لك الذّلّ نفسه ... من النّاس طرّاً علّمته المناصل

يقول: من لم يتعلم لك الذل في الخضوع من ذلة نفسه، علمه السيف ذلك. يعني: من لم يذل لك طائعاً ذل قهراً وجبراً. ومثله الآخر.

فإن لّم تصل رحم ابن عمرو بن مرثدٍ ... يعلّمك وصل الرّحم عضبٌ مجرّبُ

44
"@ لنـا مـلكٌ مـا يـطـعـم النّوم، همّه
مـــمـــاتٌ لحـــيٍّ أو حـــيـــاةٌ لمـــيّــت"

وأنفذ سيف الدولة قول الشاعر، وهو أبو الأسود الدؤلي:

رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت

وسأله إجازته فقال ورسوله واقف:

لنا ملكٌ ما يطعم النّوم، همّه ... مماتٌ لحيٍّ أو حياةٌ لميّت

تم الكلام عند قوله: ما يطعم النوم ثم ابتدأ فقال: همه معناه: أنه لهمته لا ينام، كما قال:

يؤرّقه فيما يشرفه الفكر

ثم قال: إن همه مقصور على إحياء الأولياء: يعني تخليصهم من الهلكة، وإماتة الأعداء.

45
ويــكــبــر أن تـقـذى بـشـيـءٍ عـيـونـه
إذا مــــا رأتــــه خــــلّةٌ بـــك فـــرّت

ويكبر أن تقذى بشيءٍ عيونه ... إذا ما رأته خلّةٌ بك فرّت

يقول: هو أكبر من أن يرى شيئاً مكروهاً تقذى به عينيه، ولكنه إذا رأته خلة الإنسان: أي فقره وحاجته فرت الخلة منه وبعدت.

فكأنه أراد أن يزيد على ما في البيت؛ لأن الشاعر. قال: رآى خلتي فكانت في عينيه كالقذى حتى أزلها عني: أي لم يزل يتألم بها حتى أزالها، كما يتألم من تسقط في عينه القذاة.

وهو يقول: هو أكبر من أن يرى شيئاً يؤلم عينيه، فهو يزيل خلة قاصده قبل أن يراه ويقذى هو بها.

46
جـزى اللّه عـنّـي سـيـف الدولة هـاشمٍ
فــإنّ نــداه الغـمـر سـيـفـي ودولتـي

جزى اللّه عنّي سيف الدولة هاشمٍ ... فإنّ نداه الغمر سيفي ودولتي

يقول: قد أصبح جوده لي سيفاً أصول به على حوادث الدهر، ودولتي حسنت معها. فجزاه الله عني في إحسانه علي وإسدائه النعم إلي. والغمر: الكثير.

عن القصيدة

«دروعٌ لملك الرّوم هذي الرّسائل» قصيدة للشاعر المُتَنَبّي، أحد شعراء العصر العباسي، عدد أبياتها 46 بيتاً ، وقافيتها على حرف الرويّ «ل». مطلعها: «دروعٌ لمـــلك الرّوم هـــذي الرّســائل ... يــردّ بــهــا عــن نــفــســه ويــشـاغـل». ولـالمُتَنَبّي قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

تعليقات القراء 0