زَمانَ الحِمى هَل مِن مَعاد فنطمَعا
للشاعر إبراهيم اليازجي
1
زَمـانَ الحِـمـى هَـل مِـن مَـعـاد فـنـطـمَعا
وَنُـــمـــســكُ أَكــبــاداً تَــذوبُ وَأَضــلُعــا
2
وَيـا مَـنـزلُ الأَحـبـابِ هَـل فـيـكَ وَقـفَـةٌ
تــجَــدّدُ تَــذكــاري وَإِن كــانَ مــوجِــعــا
3
وَيــا نَــســمَـاتَ المُـنـحَـنـى كَـيـفَ أَهـلهُ
وَهَــل طــابَ بَــعــدي ذَلِكَ الحَـيُّ مَـرتَـعـا
4
قَـضـى الدَهـرُ فـيـنـا بِـالفِـراقِ وَطالَما
عَهِــدنــاهُ قِـدمـاً بِـالجَـمـاعـاتِ مَـولَعـا
5
نَــبــيــتُ وَنَــغــدو وَاللَيــالي بــمـرصـدٍ
تُـــراقـــبُ مِــنّــا كُــلَّ شَــمــلٍ تَــجَــمَّعــا
6
وَلَو لَم تَــروِّعْــنــا بِــتَــصــديــعِ أُلفــةٍ
كَــفـانـا اِرتِـيـاعـاً خَـوفَ أَن نـتَـصَـدَّعـا
7
وَيـــا رُبَّ يَـــومٍ قَـــد أَطـــالَ تَـــلَهُّفـــي
فَــلَم يُــرِنِــي إَلّا حَــبــيــبــاً مُــودِّعــا
8
فَــمِــن عَــبــرَةٍ ســالَت بِــنَــحـري وَزَفـرةٍ
بِهــا رُحــتُ مِــن بَـعـد الوَداعِ مـشـيّـعـا
9
وَبـــاكـــيـــة لَمـــا أَظَـــلَّ فـــراقَـــنـــا
وَمــا أَوشَــكَــت تَــرجــو لِوَصـليَ مَـرجَـعـا
10
تُــكــفــكــفُ دونــي عَــبــرةً بَـعـدَ عَـبـرةٍ
عَــلى صَــفـحِ خَـدٍ بـاتَ بِـالدَمـعِ أَسـفَـعـا
11
أَقِــلي فَــقَـد أَشـجَـيـتِ بِـالنَـوحِ أَضـلُعـي
وَغــادَرتِ قَــلبــي بِــالشُــجــونِ مــروَّعــا
12
وَكُــفِّيــ أَليــمَ اللَحــظِ عَـن قَـلبِ مُـدنَـفٍ
رمـتـهُ النَـوى مِـن قَـبـلِ سَهـمـيكَ أَربَعا
13
فَـمـا بِـاخـتياري كانَ ذا البُعدُ بَينَنا
وَلَكِـــنَّهـــُ شـــأَنٌ أَبـــى أَن يَـــضـــيّــعــا
14
ذَريــنــي وَهَــذا الشَـوقُ يُـتـلفُ مُهـجَـتـي
فَــإنــي رَأيــتُ الخَــسـفَ أَعـظَـمَ مَـصـرَعـا
15
أَبــى اللَهُ أَن أَرضــى المـقـامَ بِـبَـلدةٍ
أَرى الفَـضـلَ فـيـهـا بِـالخُـمـولِ مـلفّـعا
16
فَــمــا وَطَــنــي أَرضٌ نَــبَــتْ بِــفــضــائِلي
وَلَو كـانَ فـيـهـا العَـيـشُ أَخـضَـرَ مُمرَعا
17
وَلا أَصــطَــفِــي مَــن كــانَ فَــضـلي عَـدوَّهُ
وَلَو جـادَ لِي مِـن بَـعـدُ بِـالودّ أَجـمَـعـا
18
مَــعــاهــدُ فـيـهـا يُـبـرزُ اللؤمُ صَـفـحـهُ
وَتُـــنـــكــر وَجــه الحُــرّ إِلّا مُــقــنَّعــا
19
أَنــاخَ بِهــا رَكــب الغِــوايــة عــائِشــاً
وَجــاسَ حِــمــاهــا مَــربَـعـاً ثُـمَ مَـربَـعـا
20
وَمَــدَّ أَتِــيُّ الجَهــلِ بِــالجــورِ فــوقَهــا
إِلى أَن غَــدا حَــوضُ الخــبــاثِ مُــتـرعـا
21
فَــــيــــا لَكَ شَــــرّاً أَيُّ أَمٍّ تَــــمَـــخَّضـــت
بِهِ وَغَــذَتــهُ الشُــؤمَ حَــتــى تَــرَعــرَعــا
22
وَيـــا لَكِ أَيـــامــاً أَرَتــنــا صُــروفَهــا
عَـجـائب لَم يَـطـرُقـنَ فـي الحـلم مَـضجَعا
23
وَلَم يَـبـقَ إِلّا أَن نَـرى الشَـمـسَ أَشـرَقَت
مِـنَ الغَـرب حَـتّـى تَـجـعـلَ الغَـرب مَطلَعا
24
فَـــيـــا دَهــرُ جَــدٌّ ذاكَ أَم أَنــتَ هــازِلٌ
وَكَــيــفَ بِــمَـن لَم يَـدرِ لِلهَـزَلِ مَـنـزَعـا
25
تَــدَرّعــتُ فـيـكِ الصَـبـر حَـتّـى إِذا عَـفـا
تَـخـذتُ حِـمـى العَـبّـاس حِـصـنـاً وَمَـفـزَعـا
26
مَــليــكٌ غَــدا قــطـبَ المَـكـارم وَالنَـدى
وَبـــاتَ حـــمـــاهُ لِلرَغـــائبِ مَــجــمَــعــا
27
سُــلالةُ بَــيــتِ المَـجـدِ وَالعِـزِّ وَالعُـلى
وَصَــفــوةُ مَــن فــي دسـتـهـم قَـد تَـرَبَّعـا
28
هــمــامٌ تَــولَّى الأَمــرَ وَهـوَ عَـلى شَـفـا
فَــشــيّــدَ مِــن أَركــانِهِ مــا تَــضَـعـضَـعـا
29
وَنـــاهـــضَ جَـــيـــشَ الحــادِثــات بِهــمّــةٍ
قَــد اِتَـخَـذَتْ أُفْـق السـمـاكـيـنِ مَـوضِـعـا
30
يَــقـودُ لَهـا جَـيـشـاً مِـنَ الرَأي غـازيـاً
يَــلِي خُــلقــاً رَحــبــاً وَقَـلبـاً مـشـيّـعـا
31
تَــفُــلُّ شــبــاةُ الخَــطْــبِ فـي كُـلِ غَـمـرةٍ
لَهُ نَــظــرةٌ تَـصـمـي الحَـديـدَ المـوتّـعـا
32
فَــتــىً خــاضَ لَجَّ الحــادِثــاتِ وَضــحـلهـا
وَمــا شَــر ريــحــيــهــا رَخــاء وَزَعـزَعـا
33
فَـمـا زالَ فـي الحـاليـنِ مَـرفـوعَ رايـةٍ
تُــلاقــيــهِ أَعــنــاقُ الطَــوارقِ خَــضَّعــا
34
تَـــقَـــلد أَعــبــاءَ السِــيــاســةِ أَمــرَداً
وَقَـــد عَـــرَفَـــتَهُ قَـــبــلَ ذَلِكَ مــرضــعــا
35
فَـــكـــانَــت لَهُ أُمــاً وَكــانَ لَهــا أَبــاً
غَــذتــهُ وَربَّاــهــا وَقَــد نَــشــأا مَــعــا
36
فَــسِــيــحُ ظِــلال المُــلكِ أَضـحـى فِـنـاؤُهُ
مَــلاذاً لِأَحــرارِ النُــفــوسِ وَمَــنــجَـعـا
37
بِهِ اِعــتَــصَــمَــتْ آمــالُ قَــوم أَنــالَهُــم
مِنَ الفَضلِ ما لَم يُبقِ في النَفسِ مَطمَعا
38
وَعَـــزَّ بِهِ مَـــن لَم يَـــعـــزِّزْهُ مَـــعـــشَــرٌ
فَــأَصــبَــحَ ذا ظُــفــرٍ وَإِن كـانَ أَقـطَـعـا
39
وَأَصــبَــحَ نــابُ البَــغــيِ فــي ظِـلِّ عَـدلِهِ
كَــليــلاً وَعِــرنــيــن المَـظـالمِ أَجـدَعـا
40
كَــــذا كــــانَ آبــــاءُ الأَمـــيـــرِ وَإِنَّهُ
لَيَـــجـــري عَــلى آثــارِهِــم مُــتَــتَــبِّعــا
41
سُـراةٌ بَـنـوا صِـرحـاً مِـنَ المَـجـد باذِخاً
وَشــادوا لَهُ بِــالعــزِّ سُــوراً مُــمــنَّعــا
42
وَسَـنُّوا النَـدى وَالعَـدلَ لِلنـاسِ فَاِقتَدى
بِهِـم مَـن بَـغـي فـي ذِروةِ المَـجدِ مَفرعا
43
لَهُــم فــي حِــمـى مَـصـرٍ عَـظـائمُ لَم تَـزَل
لَدَيـــهـــنَّ أَبـــصـــارُ الحَــوادثِ خُــشَّعــا
44
غَــطــارفــةٌ تَــمــضــي العُـصـورُ وَذكـرُهُـم
فــتــيُّ شَــبــابٍ كُــلَمــا شِــخــنَ أَيــفَـعـا
45
وَلَو أَغــفَــلَ التــاريــخُ ذكـرَ فِـعـالِهـم
دَعــا نـاطـقُ الآثـارِ مِـنـهـا فَـأسَـمَـعـا
46
وَدونَـــكَ يـــا مَـــولايَ مَـــدحــةُ عــاجــزٍ
بِهـــا لِوفـــا حَــقِّ الجَــمــيــلِ تَــذرَّعــا
47
لَئِن عِــيــب بِــالتَّقــصـيـرِ فـيـكَ ثَـنـاؤُهُ
فَــقَـد أمِـنَ التَـزويـرَ فـيـمـا لَكَ اِدَّعـى
48
وَمِــثــلُكَ مَــن لا يَــبــلغِ المَـدحَ وَصـفُهُ
وَلَو أَســهَــب المُــثـنِـي عَـلَيـكَ وَأَبـدَعـا
49
وَحـــســـبُ مَــديــحــي فــيــكَ أَنِّيــَ زنــتُهُ
بِــمـا فـيـكَ مِـن حُـسـنِ الخَـلائقِ أَودَعـا
50
صِــفــاتٌ زَهَــتْ حُــســنـاً فَـكـانَـت كَـرَوضـةٍ
وَكُــنــتُ بِـمَـدحِـيـهـا الهِـزارُ المَـرجِّعـا
51
إِلى بــابــكَ العــالي سَــرَيـتُ وَقِـبـلَتـي
نُــجــومُ المُـنـى فـي أُفْـقِ فَـضـلِكَ طُـلَّعـا
52
وَأَنــزَلتُ رحــلي مِـنـكَ فـي خَـيـرِ بُـقـعـةٍ
أَرى أُمـــمـــاً فـــيـــهــا بــظــلِّكَ رُتَّعــَا
53
فَدُمْ وَاِبقَ وَاِسلمْ وَاِرْقَ وَانعمْ ولا تَزلْ
مُــقــابِــلةً نــعـمـاكَ بِـالحَـمـدِ وَالدُّعـا
54
فَــلَو كــانَــتِ الآمــالُ طَــيــراً بَـرَوضـةٍ
لَمَـــا كـــنَّ إَلّا فـــي فَـــنـــائِكَ وُقَّعـــا
تعليقات القراء 0