هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

ماذا تركتَ بعالم الأحياء

للشاعر علي محمود طه

1
مــاذا تــركــتَ بــعــالم الأحـيـاء
وأخـــذتَ مـــن حــبٍّ ومــن بــغــضــاءِ
2
لكَ بــعــد مــوتــكَ ذكــريــاتٌ حــيَّةٌ
جـــوَّابـــةُ الأشـــبـــاحِ والأصــداءِ
3
هـتـكـت حـجـابَ الصـمـتِ عـنكَ وربما
هـتـكـتْ غـشـاءَ المـقـلةِ العـمـيـاءِ
4
فــرأتْ مــخــايــلَ وادعٍ مــتــواضــعٍ
فـــي صـــورةٍ مـــن رقَّةـــٍ وحـــيـــاءِ
5
مــتــطــامــنِ النـظـراتِ إلا أنـهـا
نـــفَّاـــذةٌ لمـــكـــامـــن الأهـــواءِ
6
مــتــفــرِّســاتٍ فــي سـكـيـنـةِ قـانـصٍ
لم يــخْــلُ مــن حــذرٍ وفــرط دهــاءِ
7
شــيــخٌ أطــلَّ عـلى الشـتـاء وقـلبُه
مـــتـــوقِّدٌ كــالجــمــرةِ الحــمــراءِ
8
مــرَّ الرفــاقُ بــه فـشـيَّعـ ركـبـهـم
وأقـام فـرداً فـي المـكانِ النائي
9
وطــوى الحــيــاةَ كــدوحـةٍ شـرقـيـةٍ
أمــســتْ غــريــبــةَ تــربــةٍ وسـمـاءِ
10
لبــســتْ جــلال وحــادِهــا وتـرفَّعـتْ
بــالصــمــت عــن لغـوٍ وعـن ضـوضـاءِ
11
لم تـنـزل الأطـيـارُ فـيـءَ ظلالها
أو تَــبْــنِ عُــشّـاً أو تَـحُـمْ بـغـنـاءِ
12
حـتـى إذا عـرّى الخـريـف غـصـونـها
مــن وشــي تــلك الحــلَّة الخـضـراءِ
13
عَــبَـرت بـهـا صـدَّاحـةٌ فـي سـجـعـهـا
لُغــةُ الهــوى ورطــانــةُ الغـربـاءِ
14
وارحــمــتـا للنـسـر يـخـفُـق قـلبـهُ
بــصــبــابــة القُـمـريّـة البـيـضـاءِ
15
هـي لُمـعةُ القَبَسِ الأخير وقد خبا
نــجــمُ المــسـاءِ ورعـشـةُ الأضـواءِ
16
وتـوثُّبـُ الروح الحـبـيـس وقـد شدا
ثَــمِــلاً بـسـحـرِ الليـلةِ القـمـراءِ
17
وحـنـايـةُ الحـسنِ الغريرِ إذا رمى
فــشــريــقُ دمــعٍ أو غــريــقُ دمــاءِ
18
ومـــهـــاجــرٍ ضــاقــتْ بــه أوطــانُه
وتــــأثَّرتْهُ مــــخــــاوفُ الطــــرداءِ
19
لم تــثــنــه شــيــخــوخــةٌ مـكـدودةٌ
دون السِّفــارِ ولا صــقــيــعُ شـتـاءِ
20
مــتــطــلبٍ حــقَّ الحــيــاةِ لخــافِــقٍ
أمــســى مــهــيــضَ كــرامــةٍ وإبــاءِ
21
مـن كـان فـي أمـسٍ يـسـوسُ أمـورَهـم
ضــنُّوا عــليــه بــفـرحـةِ الطُّلـقـاءِ
22
يـقـضـونَ بـاسـمِ المـال فيه كأنما
ضــمِــنُـوا لمـصـرَ مـصـادرَ الإثـراءِ
23
هــلَّا قــضــوا لمــقــاصــفٍ ومـصـارفٍ
مــغــفــورةٍ مــنــهــومــةِ الأحـشـاءِ
24
أكــلتْ دمَ الفــلَّاح ثــم تــكَــفَّلــَتْ
بــحــصــادِ حــنــطــتِهِ وجـلدِ الشـاءِ
25
حــبٌّ بــلوتَ بــه العــذابَ ومــثــلهُ
مِــقَــتُ الســيــاسـةِ وهـي شـرُّ بَـلاءِ
26
عَــصَـفَـتْ بـأحـلامِ الرجـالِ وسـفـهـت
رأيَ اللبــيــبِ ومـنـطـقَ الحـكـمـاءِ
27
كـم فـوق سـاحِـلهـا خُـطـىً مـطـمـوسةٌ
كــانــت ســبــيــل هــدايــةٍ ورجــاءِ
28
وســفــيــنــةٌ مــهــجــورةٌ مـحـطـومـةٌ
حَـمَـلتْ لهـا البـشـرى طـيورُ الماءِ
29
أيـــن اللواءُ وربُّهـــُ وجـــمـــاعــةٌ
كــانـوا طـليـعـةَ مـوكـبِ الشـهـداءِ
30
وأخــو يـراعٍ فـي الصـفـوفِ مـدافـعٌ
بــــيَـــديْ حـــواريٍّ وصـــدرِ فـــدائي
31
لم يُـنْـصَـفـوا حـتـى بـبـعـض حـجارةٍ
خــرســاءَ مــاثــلةٍ لعــيــن الرائي
32
ومـضـوا فـمـا وجدوا كفاءَ صنيعهِم
تـــمـــثــالَ حــبٍّ أو مــثــالَ وفــاءِ
33
تـأبـى السـيـاسةُ غيرَ لونِ طباعِها
وتــريــدُ غــيــرَ طـبـائعِ الأشـيـاءِ
34
قــالوا أحــبَّ الإنـكـليـزَ وزادهـم
ودَّ الحــمــيــم ومــوثــق القـرنـاءِ
35
ها قد أتى اليوم الذي صاروا به
أوفــى الدعــاةِ وأكــرمَ الحـلفـاءِ
36
بـتـنـا نـغـاضـب مـن يـغاضبهم ولا
نــأبــى رعــايــتــهـم عـلى الضَّراءِ
37
رأيٌ أُخِـــذْتَ بـــه وليـــس بـــعــائبٍ
ذمَــــمَ الرجــــالِ مـــآخـــذُ الآراءِ
38
لكــن ســكــتَّ فــقــيــلَ إنَّكــ عـاجـزٌ
عــــن ردِّ عـــاديـــة ودفـــعِ بـــلاءِ
39
صَــمْــتٌ تــحــيَّرَ فــيــه كــلُّ مُــحــدِّثٍ
والصــمــتُ بــعـضُ خـلائق الكـرمـاءِ
40
فـي عـالمٍ يُـنـسـي الحـليـمَ وقـارَهُ
ويُــري البــنــيــنَ عـداوةَ الآبـاءِ
41
وتَـرى التـوائمَ فـيـه بـيـنَ عـشـيَّةٍ
مـــتـــنــافــراتِ طــبــيــعــةٍ ورواءِ
42
جـهـدُ الكـرامِ بـه افـتـرارُ مباسمٍ
وتــكــلُّفٌ فــي القــولِ والإصــغــاءِ
43
صُــوَرٌ عــرفــتَ لُبــابَهــا ولحـاءَهـا
فــكــأنــمــا خُــلِقَــت بـغـيـر لحـاءِ
44
قـد كـنـتَ تُـخلصُ لي الودادَ فهاكهُ
شــعــراً يــصــونُ مَــودَّةَ الخــلصــاءِ
45
يـجـدُ الرجـالُ بـه عـلى حـسـنـاتِهم
مــدحِــي وعــن هــنـواتِهـم إغـضـائي
46
فــاصـعـدْ لربِّكـَ فـهـو أعـدلُ حـاكـمٍ
وهــو الكــفــيــلُ بــرحــمـةٍ وجـزاءِ
47
وتــلَقَّ مــن حــكــمِ الزمـانِ وعـدلِهِ
مــا شــاءَ مــن نــقــدٍ ومـن إطـراءِ

عن القصيدة

«ماذا تركتَ بعالم الأحياء» قصيدة للشاعر علي محمود طه، أحد شعراء العصر الحديث، عدد أبياتها 47 بيتاً ، نُظمت على البحر الكامل ، وقافيتها على حرف الرويّ «ء». مطلعها: «مــاذا تــركــتَ بــعــالم الأحـيـاء ... وأخـــذتَ مـــن حــبٍّ ومــن بــغــضــاءِ». ولـعلي محمود طه قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

قصائد أخرى من البحر الكامل

تعليقات القراء 0