هل تكتب الشعر؟ انشر قصيدتك في البيت العربيصفحة شاعر خاصة بك، ونشر دائم يقرؤه آلاف محبي الشعر انشر قصيدتك

أظبية الوحش لولا ظبية الأنس

للشاعر المُتَنَبّي

1
أظـبـيـة الوحـش لولا ظـبـية الأنس
لمــا غــدوت بـجـدٍّ فـي الهـوى تـعـس

وقال أيضاً يمدح عبيد الله بن خراسان وابنيه

أظبية الوحش لولا ظبية الأنس ... لما غدوت بجدٍّ في الهوى تعس

الأنس والإنس: واحد، وهو جمع أنسي وإنسي والألف: حرف النداء، والتعس: العثور:

يقول مخاطباً للظبية الوحشية: لولا الظبية الأنسية لما غدوت إلى المنزل الذي كنت فيه، وارتحلت عنها، بجدٍّ عثورٍ في هواك.

وخاطب الوحشية لشبهها بالأنسية، أو لأن الموضع صار مألفاً للوحش، أو ليدل على أن الوحش يألفه بملازمة الفلوات.

2
ولا سـقـيـت الثـرى والمـزن مـخلفه
دمــعــاً يــنـشـفـه مـن لوعـةٍ نـفـسـي

ولا سقيت الثرى والمزن مخلفه ... دمعاً ينشفه من لوعةٍ نفسي

اللوعة: شدة الحزن. والمزن: السحاب الأبيض. والثرى: التراب. ومخلفة: من أخلف البرق، إذا لم يمطر.

يقول: لولا الظبية الأنسية لكنت لا أسقي ثرى ربعها دمعي، في حال تخلف السحاب فلا يسقيه، ثم بين حرارة نفسه بأنه لحرارته كان ينشف ما يبل الأرض من دموعه، وهو من قول الآخر:

لولا الدموع وفيضهن لأحرقت ... لأرض الوداع حرارة الأكباد

3
ولا وقــفــت بــجــســمٍ مـسـى ثـالثـةٍ
ذي أرســمٍ درسٍ فــي الأرســم الدرس

ولا وقفت بجسمٍ مسى ثالثةٍ ... ذي أرسمٍ درسٍ في الأرسم الدرس

تقديره: ولا وقفت مسى ثالثةٍ بجسم ذي أرسم درس.

يقول: لولا الظبية الأنسية، لكنت لا أقف في رسوم دار هذه المحبوبة الدارسة ثلاثة أيام ولياليها، حتى يصير آخر وقوفي وقت العشية من الليلة الثالثة، من أول وقوفي، بجسمٍ ذي أرسم دارسة: نحيلٌ شبيه بالأرسم الدارسة من منزل المحبوبة، ويكون المراد بمسى ثالثة تقديره أيام وقوفه عليها.

قال ابن جنى: ولا يجوز أن يريد به أنه وقف بعد ثلاثة أيام من غيبوبتها عن الدار، لأنها لا تصير دراسة بثلاثة أيام.

وقيل: إن ذلك أيضاً جائز، لأن ديار الأعراب لا تكاد تسلم من الدروس لأول ريح تهب فتسفي عليها التراب من جهة، وتطم آثارها، وإن وافقها مطرٌ كان دروسها أدعى

4
صــريــع مــقـلتـهـا سـئال دمـنـتـهـا
قـتـيـل تـكـسـير ذاك الجفن واللعس

صريع مقلتها سئال دمنتها ... قتيل تكسير ذاك الجفن واللعس

صريع وسئال وقتيل: منصوبة على الحال، من وقفت، والدمنة: ما اسود من آثار الدار كالأثافي ونحوها، واللعس: حمرةٌ في الشفة تضرب إلى سواد، فوق اللمى.

يقول: ظبية الإنس لما وقفت صريع مقلتها سائلاً آثار دارها متعللاً بذلك، قتيل تفتير أجفانها وقتيل اللعس الذي في شفتيها.

5
خـريـدةٌ لو رأتـهـا الشمس ما طلعت
ولو رآهــا قـضـيـب البـان لم يـمـس

خريدةٌ لو رأتها الشمس ما طلعت ... ولو رآها قضيب البان لم يمس

الخريدة: الجارية الناعمة. وقيل: الحيية. ولم يمس: أي لم يتبختر.

يقول: هي جارية ناعمة حيية حسنة معتدلة القامة، لو رأتها الشمس ما طلعت؛ خجلاً من وجهها، وإنها وإن طلعت فكأنها لم تطلع؛ من حيث لا يبين نورها لنور هذه الظبية الأنسية، ولو رآها غصن البان لما تبختر؛ خجلاً من اعتدال قامتها.

6
مــا ضــاق قـبـلك خـلخـالٌ عـلى رشـإٍ
ولا ســمــعــت بــديــبـاجٍ عـلى كـنـس

ما ضاق قبلك خلخالٌ على رشإٍ ... ولا سمعت بديباجٍ على كنس

الرشأ: الغزال، والكنس: بيت الظبي، وروى على كنس، وهو صفة الظبي، أي ذي كنس.

يقول: مارئى خلخال على غزال، ولو رئى لكان لا يضيق عليه؛ لأن رجله دقيقة، ولا سمعت بديباج فوق كناس، وهذه الظبية الأنسية ضاق عليها الخلخال، وغشي بيتها الذي هو الهودج بالديباج وهذا من قول الشاعر:

فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق

7
إن تـرمـنـي نـكـبـات الدهر عن كثبٍ
تـرم امـرأً غـيـر رعـديـدٍ ولا نـكـس

إن ترمني نكبات الدهر عن كثبٍ ... ترم امرأً غير رعديدٍ ولا نكس

النكبات: جمع نكبة وهي المحنة، وعن كثب: أي عن قرب. والرعديد: الجبان. والنكس: الساقط الخامل.

يقول: إن ترمني محن الزمان من قرب. فقد رمت امرأً غير جبان، ولا ضعيف ساقط، يوهنه رميها.

8
يـفـدي بـنـيـك عـبـيـد الله حاسدهم
بـجـبـهـة العـيـر يفدي حافر الفرس

يفدي بنيك عبيد الله حاسدهم ... بجبهة العير يفدي حافر الفرس

يقول: يا عبيد الله، حاسد بنيك صار فداءً لهم، على وجه الدعاء. ثم قال: بجبهة العير يفدي حافر الفرس: أراد به أنهم كرام وحسادهم لئام، فهم فداء لهم، كما يفدي حافر الفرس، وهو أحسن خلقةً بجبهة العير. وهي: أي الجبهة أعلى الأعضاء.

وقيل: جعل أبناء الممدوح منه، بمنزلة الحافر من الفرس، وجعل الممدوح بمنزلة أعلى الفرس، وجعل حساد أبنائه بمنزلة جبهة الحمار، من سائر الحساد الذين هم كالحمر، فجعل أعلى الأشياء من الحساد فداء لأدنى الأشياء من الممدوح، لأن الابن بإضافة الأب إليه بهذه المنزلة، وهما كما يقال للشيء الخسيس: فداء للشيء النفيس وكبار هؤلاء القوم، فداء لصغار قومك، وأشباه ذلك.

9
أبـا الغـطـارفـة الحـامـيـن جـارهم
وتـاركـي الليـث كـلبـاً غـير مفترس

أبا الغطارفة الحامين جارهم ... وتاركي الليث كلباً غير مفترس

أبا الغطارفة: منصوب لأنه منادى مضاف، أو لأنه بدل من عبيد الله أو يكون نصباً على المدح، والغطارفة: جمع غطريف، وهو السيد، والمفترس، والصائل.

يقول: يا أبا السادة الذين يحملون جارهم ويتركون الليث غير مفترس، مثل الكلب. والافتراس نعت الليث، ويجوز أن يريد: وتاركي الليث ككلب عاجز عن الصيد.

10
مــن كــل أبــيــض وضــاحٍ عــمــامـتـه
كـأنـمـا اشـتـمـلت نـوراً عـلى قـبـس

من كل أبيض وضاحٍ عمامته ... كأنما اشتملت نوراً على قبس

القبس: الشعلة من النار.

يقول: كل واحد من بنيه أبيض وضاح أي واضح الجبهة وتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: عمامته: أي عمامة كل واحد منهم، كأنها مشتملة على شعلة من النار، ونصب نوراً على التمييز.

دانٍ بعيدٍ محبٍ مبغض بهجٍ ... أغر حلوٍ ممرٍّ لينٍ شرس

دانٍ: أي قريب. أي هو دانٍ ممن يقصده لا يحتجب عنه، أو من أوليائه، أو من فعل الخير، أو أنه متواضع. بعيدٍ: ممن ينازعه الكرم، أو عن النقص، أو من حيث المحل، أو عن إتيان ما لا يحل. محب: أي يحب البذل، للأولياء وأهل الفضل، مبغض: أي للبخل، أو لأهل النقص واللؤم. بهجٍ: أي فرحٍ عند سؤال السائل إياه وأفضاله عليه أغر: أي لين الجانب لأوليائه، ومن يستعين به. شرس: أي سيىء الخلق مع من لا يطيعه

11
"نـدٍ، أبـيٍـ، غـرٍ، وافٍـ، أخٍـ، ثـقـةٍ،
جـعـدٍ، سـريٍـ، نـهٍـ، ندبٍ، رضىً، ندس"

ندٍ، أبيٍ، غرٍ، وافٍ، أخٍ، ثقةٍ، ... جعدٍ، سريٍ، نهٍ، ندبٍ، رضىً، ندس

ندٍ: أي سخى. أبيٍّ: أي ممتنع، من فعل الأمور الدنيئة، أو أبى الضيم. غرٍ: أي مولع باقتناء المكارم. يقال: غرى بكذا فهو غر. وافٍ: أي بالعهد. أخٍ: لمصافاته مع الأصدقاء يطلق عليه اسم الأخ ثقة: أي موثوق به وبإخائه ويروى أخي ثقةٍ فيكون على هذا مصدراً، أي صاحب ثقة جعد: أي ماضٍ في الأمور، خفيف النفس. ويقال: الجعد، إذا أطلق أريد به السخي، وإذا قيد فقيل: جعد اليدين، فهو البخيل. سرى: أي سيد رفيع المنزلة، من السرو وهو الارتفاع نهٍ: أي عاقل، من النهي. ندب: أي خفيف في الأمور، وقيل: سريع الاهتمام. رضىً: أي مرضى. ندس: أي بحاث عن الأمور عارفٌ بها.

12
لو كــان فــيـض يـديـه مـاء غـاديـةٍ
عز القطا في الفيافي موضع اليبس

لو كان فيض يديه ماء غاديةٍ ... عز القطا في الفيافي موضع اليبس

الغادية: السحابة التي تأتي في الغداة. وموضع اليبس: فاعل عز. والقطا: مفعوله. فيكون عز من قولهم: عزه يعزه إذا غلب.

يقول: لو كان ما يفيض من يديه ماء سحابة لعم الدنيا كلها؛ حتى لا يجد القطا موضعاً يابساً يلتقط منه الحب، أو ينام فيه وعز اليبس وغلبه، بامتناعه عليه، فهو يطلبه ولا يجده، وتحقيق المعنى: غلب القطا وجود موضع اليبس وهو من باب إضافة المنعوت إلى النعت.

13
أكــارمٌ حـسـد الأرض السـمـاء بـهـم
وقــصــرت كــل مــصــرٍ عــن طــرابــلس

أكارمٌ حسد الأرض السماء بهم ... وقصرت كل مصرٍ عن طرابلس

أنث قصرت وإن كان فعل كل لأنه أراد جماعة الأمصار.

يقول: هؤلاء السادة الذين تقدم ذكرهم وهو قوله: أبا الغطارفة. وقوله: أكارم. جمع أكرم. حسدت السماء الأرض لكونهم عليها وصارت كل بلدة قاصرة عن طرابلس لكونهم فيها دون غيرها. وروى: وقصرت كل مصر بفتح اللام فيكون في تقديره وجهان: أحدهما: أن السماء قصرت البلدان عن هذه البلد، لمكانهم فيه.

والثاني: أنها راجعة إلى قوله: أكارم وهو جمع، وكأنهم قصروا كل مصر عن بلدتهم

14
"أي المــلوك وهــم قـصـديـ، أحـاذره
وأي قـرنٍ وهـم سـيـفـي وهـم تـرسـي؟"

أي الملوك وهم قصدي، أحاذره ... وأي قرنٍ وهم سيفي وهم ترسي؟

قصدي: أي مقصودي.

يقول أي ملك أحاذره وهم مقصودي، وأي منازع لي أخشاه وهم سيفي، أمضيه فيه، وترسي الذي أحرس نفسي بهم، وهو من قول البحتري

وإني امرء أخشى الأعادي ودونه ... جناب ابن عمرو والرماح الذوائد

عن القصيدة

«أظبية الوحش لولا ظبية الأنس» قصيدة للشاعر المُتَنَبّي، أحد شعراء العصر العباسي، عدد أبياتها 14 بيتاً ، وقافيتها على حرف الرويّ «س». مطلعها: «أظـبـيـة الوحـش لولا ظـبـية الأنس ... لمــا غــدوت بـجـدٍّ فـي الهـوى تـعـس». ولـالمُتَنَبّي قصائد أخرى في البيت العربي تجدها أدناه.

تعليقات القراء 0