أيدري ما أرابك من يريب
للشاعر المُتَنَبّي
وقال وقد تشكى سيف الدولة من دمل في شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة.
أيدري ما أرابك من يريب ؟ ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب !؟
فاعل يدري: ما أرابك، وهو الدمل ومن في موضع نصب؛ لأنه المفعول، وهو سيف الدولة على جهة التعجب والتعظيم للأمر.
يقول: أيدري هذا الدمل من يريب ؟ وعلى من أقدم ؟ أي لو علم علو مكانك لما تجاسر على الحلول بك، فإنك الفلك في العلو والارتفاع عن الآفات، والخطوب لا ترقى إلى الفلك، فكيف رقى إليك الدمل ؟!
وجسمك فوق همّة كلّ داءٍ ... فقرب أقلّها منه عجيب
الهاء في أقلها للأدواء التي تدل عليها قوله (كل داء) إذ هو في معنى الجمع.
يقول: إن جسمك أعلى محلاً من أن يصيبه أعظم الأدواء، وأن تبلغ همته إليه، فكيف وصل إليك الدمل الذي هو أقل الأدواء وأحقرها ؟
يجشّمك الزّمان هوىً وحبّاً ... وقد يؤذي من المقة الحبيب
يقول: إن الزمان يحبك حباً شديداً فآلمك بهذا القدر من الألم؛ لأن الحبيب يؤذيه الحبيب إذا غلبه الحب، تذللاً. والمقة: الحب، وقد روى: يجمشك والتجميش: مداعبة الحبيب والممازحة معه.
يقول: إن الزمان يداعبك، ويتعرض لك؛ لحبه إياك، وهذا الدمل الذي أصابك تجميش منه، فآذاك وآلمك، فإن المحب ربما آذى حبيبه بالعض وغيره، محبة منه. وقوله هوى وحباً نصب على المفعول له.
وكيف تعلّك الدّنيا بشيءٍ ... وأنت بعلّة الدّنيا طبيب ؟
يقول: كيف أصابتك الدنيا بعلة وأنت طبيبها ؟ الذي تداوي علتها، وتذهب سقمها، وتصلحها من الفساد.
وكيف تنوبك الشّكوى بداءٍ ... وأنت المستغاث لما ينوب ؟
تنوبك أي تصيبك والشكوى: المرض.
يقول: كيف تصيبك ما تشكو منه ؟ ومن نابته الشكوى استغاث بك فأجرته
مللت مقام يومٍ ليس فيه ... طعانٌ صادقٌ ودمٌ صبيب
المقام: الإقامة، والصبيب: المصبوب.
يقول: قد تعودت الحرب، وتركت الإقامة، فمتى فقدت ذلك يوماً واحداً ألمت من ذلك، ومللت من طول الإقامة، فألمك هو الجلوس في الدعة، وترك الحرب، لا من الدمل، إذ هو أقل من أن تبالي به. وقوله: طعان صادق يعني أنه لا يخطئ بل يصيب.
وأنت الملك تمرضه الحشايا ... لهمّته، وتشفيه الحروب
الحشايا: جمع الحشية.
يقول: أنت ملك عظيم الهمة لا تلتذ بالتنعم والراحة، فالنوم على الحشايا يمرضك، والحروب تشفيك وتوافقك. إذ ترك العادة يمرض الإنسان.
وما بك غير حبّك أن تراها ... وعثيرها لأرجلها جنيب
العثير: الغبار، والضمير في تراها وعثيرها وأرجلها للخيل، فأضمرها وإن لم يجر لها ذكر: للعلم بها. إذ الحروب لا تعرى من الخيل. والجنيب: التابع كالجنيبة التي تقاد إلى جنب الفرس.
يقول: هذا الألم الذي ألم بك، ليس هو من المرض، ولكنه لشوقك إلى أن ترى الخيل، وقد أثارت الغبار في الحروب، وصار غبارها تابعاً لأرجلها، كما يتبع الفرس قائده.
مجلّحةً لها أرض الأعادي ... وللسّمر المناحر والجنوب
مجلحةً: مصممة جادة في شأنها، ونصب على الحال. والمناحر: موضع النحر، والجنوب: جمع الجنب، وأراد به: جنوب الأعادي ونحورهم.
يقول: ليس بك إلا ألم حبك أن ترى خيلك مجلحة محدة في الحروب، وقد ملكت أرض الأعادي، وملكت الرماح نحور الأعادي وجسومها.
وقيل أراد: نحور الخيل وجنوبها، يعني: أنها تتلقى الرماح بنحورها، وجنوبها، ولا تولي عنها.
فقرّطها الأعنّة راجعاتٍ ... فإنّ بعيد ما طلبت قريب
تقريط الأعنة: هو أن يرخي الفارس عنان الفرس، حتى يمس أذنه، فيصير بمنزلة القرط له. وقيل: هو طرح اللجام في رأس الفرس. (1)
يقول: إذا كان مرضك هذا، فشفاؤك في يدك، فارجع بخيلك إلى أرض الروم، وارخ لها الأعنة، حتى تبلغ مرادك، ويشفيك من ألمك، فإن ما طلبته هذه الخيل، وإن كان بعيداً، فهو عليها قريب.
(1) تقريط الجواد عنانه: أمتع لحظات الفارس على جواده، وهو أن يعدو به حتى تصبح قوائمه كأنها لا تلامس الأرض لسرعة عدوه فيلقي عنانه خلف أذنيه فيكون كالقرط، وفي شعر ابن نهيك (ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى = وجدك لم أحفل إذا قام رامس) (فمنهن تقريط الجواد عنانه = إذا استبق الشخص الخفي الفوارس) (زهير)
إذا داءٌ هفا بقراط عنه ... فلم يعرف لصاحبه ضريب
هفا: أي غفل وزل. ولم يعرف: أي ليس يوجد، وأقام (لم) مقام ليس والضريب: المثل والنظير، فالهاء في لصاحبه للداء.
والبيت يفسر على وجوه.
أحدها: أن بقراط قد ذكر جميع الأدواء، ولم يذكر فيها حب الحروب، ولم يعلم بقراط أحداً، يكون فقد الحرب مرضاً له، فمن أصابه هذا الداء الذي هفا عنه بقراط، لم يكن له في الناس نظير، فكأنه يقول: ليس لك نظير في هذه الهمة، فإنا ما سمعنا بمن يمرضه حب الحرب، وتؤلمه الراحة والدعة. وجواب إذا قوله: لم يعرف.
والثاني: أنه جعله بمنزلة بقراط. فيقول: أنت مع علمك وكونك في مثل علم بقراط، عجزت عن دفع هذا الداء عنك، وكل داء هفا بقراط عنه، فإن صاحب ذلك الداء ليس له نظير، إذ هو خارج عن الطبائع البشرية؛ لأن بقراط لا يشكل عليه طبايع البشر، فلما كنت بقراط فعجزت عن مداواة هذا الداء، علمنا أنك تفارق جميع الناس، ولا يشبهك أحد منهم، وجواب إذا أيضاً فلم يعرف.
والثالث: أن المراد بالداء: الحروب ونيوب الدهر، وهو متعلق بقوله: (فإن بعيد ما طلبت قريب) إذا داء هفا بقراط عنه، فلم يوجد عليل، به تلك العلة، ففي تلك الحال بعيد ما تطلبه قريب الغرض به.
يعني: أنه إذا اختل أمر الثغور كان عود خيلك إليها قريباً، فتكون أنت مداوياً لها. والفاء على هذا تكون عاطفة لجملة على جملة، وهذا كقول ليلى الأخيلية:
إذا هبط الحجّاج أرضاً مريضةً ... تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضال (1) الّذي بها ... غلامٌ إذا هزّ القناة سقاها
(1) في النسخ: العقام . (المحقق)
بسيف الدّولة الوضّاء تمسى ... جفوني تحت شمسٍ ما تغيب
الوضاء: مبالغة الوضيء.
يقول: إذا أبصرته أبصرت شمساً لا تغيب، كما تغيب الشمس، وقوله: جفوني تحت شمس: أن ناظرة إلى وجهه.
فأغزو من غزا، وبه اقتداري ... وأرمى من رمى وبه أصيب
يقول: إذا غزا سيف الدولة غزواً غزوته معه، ولكن اقتداري به، وقوتي ونكايتي في غزوه بتأييده.
وقيل: معناه أني لا أغزوهم إلا بنفقته وخيله وسلاحه الذي وهب لي، فكأن اقتداري بعطيته، وإذا رميت الاعداء أصبتهم بدولته.
وللحسّاد عذرٌ أن يشحّوا ... على نظري إليه وأن يذوبوا
يقول: إن حسدوني على نظري إليه، ونافسوني فيه، وذابوا كمداً وحزناً بمنزلتي عنده، فلهم في ذلك عذر.
فإنّي قد وصلت إلى مكانٍ ... عليه تحسد الحدق القلوب
يقول: من يحسدني على منزلتي عنده، ونظري إليه فهو معذور؛ لأني قد جعلت في مكان يحسد قلبي فيه عيني، لما تدركه من اللذة بالنظر إليه، ورؤيتها لمكارمه ومحاسنه، والقلب لا يصل إليها مباشرة، وإنما يصل إليها بالعلم. وهو قريب من قول الآخر:
إذا زرت حفصاً تستضيء برأيه ... فقلبك مغبونٌ وطرفك رابح
وروى: تستضيء بشمسه.
وقال سيف الدولة، وعنده رسول ملك الروم: الساعة يسر الرسول بهذه العلة، فأجابه أبو الطيب:
فديت، بماذا يسرّ الرّسول ؟ ... وأنت الصّحيح بذا لا العليل
يقول: جعلنا الله تعالى فداءك، بأي شيء يسر الرسول ؟ وأنت الصحيح بهذا الدمل لا المريض؛ لأن بهذا يزول أدواء كثيرة، وهذا علامة الصحة.
عواقب هذا تسوء العدوّ ... وتثبت فيك وهذا يزول
يقول عاقبة هذا الدمل، وهو الصحة تسوء أعداءك، وتثبت فيك الصحة دائماً، وهذا الذي أصابك يزول في أسرع وقت.
تعليقات القراء 0