حاشى الرقيب فخانته ضمائره
للشاعر المُتَنَبّي
وقال أيضاً في صباح يمدح بعض أمراء حمص ولم ينشدها أحداً:
حاشى الرقيب فخانته ضمائره ... وغيض الدمع فانهلت بوادره
حاشى: أي أظهر سره. وروى خاشا: أي توقا وتجنب وفاعله مضمر تقديره خاشا المحب الرقيب، وكذلك غيض المحب الدمع، والضمير: في ضمائره، وخانته يعود إلى الفاعل المضمر، وهو: المحب. وفي بوادره: إلى الدمع.
يقول: إن المحب باعد الرقيب وتوقاه كأنما سره فخانته ضمائره؛ حيث لم يمكنه ستره لغلبة الجزع. وغيض هذا المحب أيضاً دمعه وحبسه، فلم يمكنه ذلك، فانسكبت بوادره وسوابقه من شدة الجزع وفرط الهوى، فظهر للرقيب ما كان يكاتمه وانهتك له ستره.
وكاتم الحب يوم البين منهتكٌ ... وصاحب الدمع لا تخفى سرائره
وروى: وكاتم الوجد. وصاحب الوجد. أيضاً.
هذا البيت تفسير للبيت الأول. يقول: كاتم الحب، يوم الفراق مفتضح، وصاحب الوجد، تظهر سرائره بدموعه.
لولا ظباء عديٍّ ما شقيت بهم ... ولا بربربهم لولا جآذره
الربرب: القطيع من بقر الوحش. والجآذر: جمع جؤذر، وهو ولد البقرة الوحشية. والمراد بالربرب والظباء: النساء. وبالجآذر: الصبايا والفتيات.
يقول: لولا نساء هذه القبيلة وجواريهم، ما شقيت بهم، ولا ابتليت بهواهم، فكأنه يقول: إني أحب رجال عديٍّ لحبي نساءهم وجواريهم، أو رأى من حيث الأدب أن ينسب شقاءه إلى قوم محبوبته، وإن كان مقصوده المحبوبة. وقال ابن فورجة: يقال شقي فلان بقوم: إذا أبغضوه؛ فكأنه يقول: لولا نساء عديٍّ وجواريهم، ما شقيت برجال هذه القبيلة؛ يعني أنهم إنما أبغضوني لذلك فلولاهن ما أبغضوني.
من كل أحور في أنيابه شنبٌ ... خمرٌ يخامرها مسكٌ تخامره
الأحور: الصافي بياض العين وسوادها، مع سعة العين. والشنب: برد ماء الأسنان، وعذوبته. وقيل: صفاء الأسنان. وقيل: حدتها. والمخامر: المخالط. وخمر: بدل من شنب، فكأنه يقول في أنيابه خمر. ويجوز أن يكون خمر وما بعدها، صفة لشنب. لأن النكرة توصف بالجملة، والهاء في مخامرها: للخمرة لأنها تأنث في الأغلب، وفي تخامره: للمسك. والتاء: للخمر.
يقول: كل واحد من الظباء، حسن العينين، في أسنانه بياض وصفاء، وماء بارد، خالطته خمر، وخالط تلك الخمرة مسك، يصف بذلك عذوبة فم الحبيب وشبهه بالخمر لما فيها من اللذة، ووصف طيب رائحته فشبهه بالمسك.
نعجٌ محاجره دعجٌ نواظره ... حمرٌ غفائره سودٌ غدائره
النعج: البيض. والمحاجر: جمع محجر وهو ما حول العين. وقيل: ما يبدو من النقاب. والدعج: جمع أدعج ودعجاء: وهو الشديد السواد. والنواظر: الحدق. والغفائر: جمع غفارة، وهو ما يغفر الرأس من مقنعة، أو وقاية: يوقي بها الرأس من الدهن. والهاء في كل ذلك، ترجع إلى لفظ الأحور أو لفظ كل.
يقول: من كل أحور بيض محاجره، سود نواظره، حمر مقانعه سود ضفائره.
أعارني سقم جفنيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوي مآزره
أعارني: ك واحد من الظباء. سقم عينيه: وهو الفتور الذي في العين. وجعله عاريةً في بدني، أي أسقمني بعينه السقيمة، وحملني ثقل ما اشتملت عليه مآزره وهو جمع المئزر ويعني به: الأرداف والكفل.
يا من تحكم في نفسي فعذبني ... ومن فؤادي على قتلي يضافره
المضافرة: المعاونة. ويروى: بالضاد، والظاء.
يقول: يا من تحكم في نفسي فعذبني في هواه، ويا من يعاونه قلبي على قتلي، فإن قلبي يميل إليك، ويحتمل كل ما وصل إليه منك. والهاء في يضافره: تعود إلى من وهو مذكر في اللفظ
بعودة الدولة الغراء ثانيةً ... سلوت عنك ونام الليل ساهره
الهاء: تعود إلى الليل. وكان هذا الممدوح قد عزل عن ولايته بلده، ثم أعيد إليها، وقيل: كان قد أسر وفدي فعاد إلى بلده.
يقول لمحبوبته: قد سلوت عنك أيها المنادي، بعودة دولة هذا الأمير ثانية، وقد نمت في ليلى بعد ما كنت ساهراً، لحزني لغيبته.
من بعد ما كان ليلي لا صباح له ... كأن أول يوم الحشر آخره
يقول: نمت في ليلي، من بعد ما كان ليلي علي طويلاً، بحيث لا صباح له، فكأن آخره أول يوم القيامة من الطول. يعني أنه بلا آخر، فكأنه متصل بيوم القيامة ومثله قول خالد الكاتب:
رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر
غاب الأمير فغاب الخير عن بلدٍ ... كادت لفقد اسمه تبكي منابره
يقول: لما عزل هذا الأمير أو أسر فغاب الخير عن بلد، كادت منابره تبكي لافتقادها اسمه عليها أيام الجمعة. والهاء: في اسمه للأمير، وفي منابره: للبلد.
قد اشتكت وحشة الأحياء اربعه ... وخبرت عن أسى الموتى مقابره
الأربع: جمع القلة للربع وهو المنزل. والكثير الرباع، والربوع. والهاء: في أربعه ومقابره: للبلد.
يقول: شكت منازل البلد وحشة الأحياء بغيبة الأمير عن هذا البلد، وأخبرت المقابر عن حزن موتاها، لأنها كانت معمورة بالخيرات عند كونه فيها، أو لكونها كانت عليها من طلاوة هذا الممدوح، مثل ما يكون على من في قلبه مسره.
حتى إذا عقدت فيه القباب له ... أهل لله باديه وحاضره
يقول: ما زالت الأربع والمقابر كذلك، حتى ضربت له الخيام وعقدت له عند دخوله البلد القباب، فكبر لذلك أهل البدو وأهل الحضر؛ استبشاراً به، لأن من عادة المستبشر أن يكبر ويهلل، والهاء: في باديه وحاضره: للبلد. ويجوز أن يريد به: نفس البدو والحضر، ويكون ذلك مبالغة في الاستبشار، لأنهما إذا استبشرا مع كونهما جمادين، فما ظنك بأهلها مع صحة الاستبشار منهم.
وجددت فرحاً لا الغم يطرده ... ولا الصبابة في قلبٍ تجاوره
وجددت: يجوز أن يكون فعل العودة أو الدولة أو القباب المعقودة، أو فعل الأربع والجماعة المذكورة، والهاء في يطرده: للفرح، وفي تجاوره: للقلب. ويجوز أن يكون راجعاً إلى الفرح.
يقول: جددت هذه الأمور فرحاً لا يطرده غم؛ من قوته وتمكنه من القلب، ولا يجاوره شوق وصبابة، أي لا يصير جاراً له، وذلك لأن العشق لا يكاد يخلو توابعه من الغم، والفرح إذا كان غالباً لم يكن هناك عشق.
إذا خلت منك حمصٌ لا خلت أبداً ... فلا سقاها من الوسمي باكره
الهاء في سقاها: لحمص. وفي باكره: للوسمي. وقوله: لا خلت أبداً: دعاء للبلد أو لأهلها، وهو في الحقيقة دعاء للممدوح بالدوام والثبات فيها، وهو حشو مليح.
يقول: إذا خلت منك هذه البلدة لا خلاها الله منك فلا سقاها باكر الوسمي: وهو أوله أو ما يأتيه بكرة، وذلك دعاء على البلد عند خلوها منه.
دخلتها وشعاع الشمس متقدٌ ... ونور وجهك بين الخيل باهره
الهاء في باهره: ترجع إلى شعاع الشمس، أي غالبه.
يقول: دخلت حمصاً والشمس طالعة وشعاعها متقد وكأن نور وجهك بين العساكر غالباً لشعاع الشمس، والغرض به تفضيله على الشمس في الحسن والبهاء
في فيلقٍ من حديدٍ لو قذفت به ... صرف الزمان لما دارت دوائره
الفيلق: العسكر؛ لأنه يفلق كل شيء أتى عليه يقول: دخلتها بجيشٍ من حديد؛ لكثرة ما عليهم من الحديد، لو رميت به صرف الدهر مع أنه لا يطيقه أحدٌ لما دارت دوائر صرف الزمان، ولا نفذت أحكامه.
تمضي المواكب والأبصار شاخصةٌ ... منها إلى الملك الميمون طائره
المواكب: جمع المواكب، وهو الجماعة من الناس، والمراد ها هنا الجيش. والهاء في منها: للكواكب وفي طائره. للملك.
يقول: تسير الجماعات والأبصار شاخصة من بينها إلى الملك الميمون طائره دون غيره ممن معه من الجيش، وذلك لما له من الفضل والبهاء.
قد حرن في بشرٍ في تاجه قمرٌ ... في درعه أسدٌ تدمى أظافره
حزن: فعل الأبصار، والبشر: اسم يقع على الواحد وما فوقه من الناس، وأراد هاهنا الممدوح، والأظافر: جمع، وأصلها الأظافير فحذف الياء، وهو جمع أظفور بمعنى الظفر، أو جمع أظفار، فهي إذاً جمع الجمع لأن أظفاراً: جمع ظفر.
يقول: تحيرت الأبصار في بشرٍ في تاجه قمرٌ، وهو وجهه، وفي درعه أسد، أي أنه شجاع، كأنه أسد، تدمى أظافيره بدماء الصيد. شبه وجهه بالقمر، ونفسه بالأسد، ومثله قول مسلم.
كأن في سرجه بدراً وضرغاماً
حلوٍ خلائقه شوسٍ حقائقه ... تحصي الحصى قبل أن تحصي مآثره
الشوس: جمع أشوس. وشوساً، وهو الذي تصغر عينيه للنظر، ويضم أجفانه، وذلك فعل المبغض والعدو، والحقائق: جمع الحقيقة وهي ما يحق على الإنسان حفظه والذب عنه. والمآثر: جمع المأثرة، وهي ما يؤثر من فضل الإنسان.
يقول: تحيرت الأبصار في بشرٍ خلائقه عذبة، وحقائقه محفوظة مرعية، ومآثره غير متناهية كثرة، بحيث يمكن إحصاء الحصا كلها، ولا يمكن إحصاء مآثره وعد محاسنه ومكارم أخلاقه وأفعاله.
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت ... كصدره لم تبن فيها عساكره
يقول: إن الدنيا مع سعتها تضيق عن جيش الممدوح لكثرته، ولو اتسعت الدنيا اتساع صدره، فكانت عساكره مع كثرتها لا تظهر فيها لسعة صدره، وهو كقول أبي تمام:
ورحب صدرٍ لو ان الأرض واسعةٌ ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد
إذا تغلغل فكر المرء في طرفٍ ... من مجده غرقت فيه خواطره
التغلغل: الدخول في المضيق. والهاء في مجده: للممدوح، وفي فيه: لطرف وفي خواطره: للمرء.
يقول: إذا دخل فكر المرء في طرف من مجده، غرقت جوامع خواطره فيه، لعظمه ووفور مجده وشرفه، فإذا كان طرف منه بهذه الصفة، فكيف يتصور إحاطة الفكر بجميع مجده وشرفه؟!
تحمى السيوف على أعدائه معه ... كأنهن بنوه أو عشائره
تحمى: من الحمية والغضب.
يقول: إن السيوف إذا كانت في يده وأيدي أوليائه، لفضل مضائه، كأنه تحمى وتغضب على أعدائه معه، حتى كأن السيوف بنوه أو أقاربه؛ لأنها تغضب لغضبه، ومثله لأبي تمام:
كأنها وهي في الأوداج والغةٌ ... وفي الكلى تجد الغيظ الذي تجد
إلا أن بيت المتنبي أبلغ؛ لذكره المناسبة والقرابة.
إذا انتضاها لحربٍ لم تدع جسداً ... إلا وباطنه للعين ظاهره
الهاء في باطنه وظاهره: للجسد.
يقول: إن الممدوح إذا انتضى تلك السيوف من أغمادها عند الحرب، لم يترك من أعدائه جسداً إلا جعله إرباً إرباً، حتى تبدوا بواطن أجسادهم، أو يشق بطنه فتظهر منه الآلات الباطنة، أو يريق دمه الذي في باطن الجسد، فيظهر عند ما يسيل، فيصير في هذه الحالات باطن الجسد للعين ظاهراً.
فقد تيقن أن الحق في يده ... وقد وثقن بأن الله ناصره
يقول: إن السيوف تيقن أن الحق في يده، لما ازدادت قوة يده، وأيدي أوليائه، وقد وثقن بأن الله ينصره على أعدائه؛ فلهذا صرن مثل بنيه وعشائره في الحمية. ومثل قول النابغة:
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
تركن هام بني عوفٍ وثعلبةٍ ... على رءوسٍ بلا ناسٍ مغافره
الهاء في مغافره: للهام.
يقول: إن هذه السيوف تركن هام هؤلاء القوم لما قطعن رءوسهم، عليها المغافر على رءوس بلا أجساد، وكانت الرءوس ملقاة على الأرض وعلى هاماتها المغافر، وعبر عن الأشخاص بالناس.
فخاض بالسيف بحر الموت خلفهم ... وكان منه إلى الكعبين زاخره
زخر البحر: إذا ارتفع موجه.
يقول: خاض هذا الممدوح بسيفه خلف هؤلاء القوم، بحر الموت: يعني موضع القتال. واستحقر ذلك وإن كان عظيماً، حتى صار زاخر ذلك البحر ومتلاطمه من هذا الممدوح إلى الكعبين، يصف بذلك قلة مبالاته بالأمور العظام.
حتى انتهى الفرس الجاري وما وقعت ... في الأرض من جيف القتلى حوافره
روى: انتهى، وانثنى.
يقول: من قتل منهم صار بحيث أن الفرس الجاري لم يضع وقت جريه حوافره إلا على جيف القتلى، ولا تقع حوافره على الأرض من كثرة القتلى
كم من دمٍ رويت منه أسنته ... ومهجةٍ ولغت فيها بواتره
أصل الولغ: شرب السباع الماء بألسنتها، ثم كثر فصار اسماً للشرب مطلقاً.
يقول: كم من دمٍ رويت منه أسنة الممدوح، وكم من نفس دخلت فيها سيوفه القواطع، وشربت منها حتى رويت، يعني أنه سفك دماء أعدائه فلم يبق له عدواً إلا قتله
وحائنٍ لعبت سمر الرماح به ... فالعيش هاجره والنسر زائره
الحائن: الهالك. والهاءات: راجعة إليه.
يقول: كم من هالك لعبت به الرماح السمر فأهلكته، حتى هجره العيش، فزاره النسر لأكل لحمه.
من قال: لست بخير الناس كلهم ... فجهله بك عند الناس عاذره
عاذره: أي قابل عذره.
يقول: من لم يقل: خير الناس أنت، فهو جاهل، والجاهل إذا قال محالاً لجهله، فإن جهله يعذره عند الناس أجمعين.
أو شك أنك فردٌ في زمانهم ... بلا نظيرٍ ففي روحي أخاطره
أخاطره: أراهنه.
يقول: من شك أنك فردٌ: لا نظير لك، فإني أراهنه وأشارطه بروحي وروحه، فحذف للدلالة، وإنما راهنه بروحه لفرط يقينه، أنه لا نظير له، فعلم أنه يفوز بالظفر، ويظفر بالخطر؛ لأن الروح أعز الأشياء
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
اعوذ، وألوذ: متقاربان في المعنى.
يقول: يا من ألتجىء إليه في آمالي، ويا من أعتصم به مما أخشاه وأحذره من المكاره
ومن توهمت أن البحر راحته ... جوداً وأن عطاياه جواهره
الهاء في جواهره: للبحر.
يقول: يا من خلت أن راحته هي البحر وأن عطاياه هي جواهر البحر التي تخرج منه؛ لأن الجواهر لا تكون إلا من البحر.
ارحم شباب فتىً أودت بجدته ... يد البلى وذوي في السجن ناضره
الهاءات: كلها للفتى.
يقول: ارحم شباب فتىً أهلكت البلى جدته، فأخلقته، وذبل في السجن ما كان ناضراً منه
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره
لا يهيضون: أي لا يكسرون ما تجبره أنت، ولا تجبر الناس ما تكسره أنت، يعني: أنهم لا يقدرون على رد أمرك ومثله قول الآخر:
لا يجبر الناس عظم ما كسروا ... ولا يهيضون عظم ما جبروا
تعليقات القراء 0