حوّاء أُمُّكِ حبُّها أَشقانا
للشاعر أبو الفضل الوليد
1
حـــوّاء أُمُّكـــِ حـــبُّهـــا أَشــقــانــا
يـا ليـتَ تـفّـاحَ الهـوى مـا كـانـا
2
لو لم يـكـن فـيـهِ الذي فـي خـدِّها
مـــا غـــرَّ آدمَ زَوجَهـــا وأبـــانــا
3
لم يــقـطـفِ الثَّمـرَ المـحـرَّمَ آكـلاً
مــنـهُ ليَـسـتَـحـلي بـهِ العـصـيـانـا
4
بــل قــالَ وهــو مـفـكّـرٌ فـي خَـوفـهِ
حــوّاءُ عــن هــذا الإلهُ نــهــانــا
5
أغـوَتـهُ إذ كـان المـسـاءُ مُـزَخرَفاً
لألذَّ أحــــلامٍ تـــزيـــن كـــرانـــا
6
وعــلى الجــنــانِ غَــشــاوةٌ فــضــيَّةٌ
مــن نــورِ بَــدرٍ يــسـتـخـفُّ جـنـانـا
7
والرّيــحُ عــاطـرةٌ وفـي نـفـحـاتِهـا
مــا يُــنـعـشُ الأرواحَ والأبـدانـا
8
فــرأى لطــيــبِ حــيـاتـهِ مـا حَـوله
بَهـجـاً فـرامَ الحُـسـنَ والإحـسـانـا
9
فــتــبــسّـمَـت ورَنـت إليـهِ وظـرفُهـا
شــركٌ فــكــان الجــاذبَ الفــتّـانـا
10
وغـــدت تُـــشَـــوِّقُهُ إِلى تـــفّـــاحـــةٍ
مِــنــهــا يُــروِّي قــلبَهُ الظــمـآنـا
11
حــتــى إذا عـرَضَـت فـأعـرَضَ خـائفـاً
أدَنــت مــن الخـدَّيـن مـا أشـقـانـا
12
وتــــمـــايـــلت دلّاً وقـــالت هـــذه
كُــلْهــا كــمـا قـبَّلـتـنـي أحـيـانـا
13
فــرنـا إليـهـا قـائلاً فـي نَـفـسـهِ
أَبـــأكـــلِ تــفّــاحٍ يــكــون رَدانــا
14
فـلنـأكُـلَنَّ مـن المـليـحـةِ فـالرِّضا
مِــنــهــا عــليــهِ كــلُّ صـعـبٍ هـانـا
15
حـــواءُ يـــا أمَّ الورى لولاكِ مــا
كـان الهـوى بـيـن الأنـامِ هـوانا
16
فــلقــد خُــلِقــتِ لحــيـلةٍ ومـكـيـدةٍ
وتـــطَـــلُّبِ اللذّات فــي دُنــيــانــا
17
زانـــت جـــمــالكِ خــفّــةٌ ولطــافــةٌ
والعــقــلُ جــبــهــةَ آدمٍ قـد زانـا
18
أكـــذاكَ ســـرُّكِ أن تـــريـــهِ آكــلا
مـــمـــا بــذَلتِ له ومــمــا صــانــا
19
وكـذا خـيـانـتُـكِ القـبيحةُ لم تزل
تُـردي الرّجـالَ وتـخـربُ البُـلدانـا
20
هــوَّنــتِ ذاكَ عــليــهِ ثــم خَــدعــتِهِ
بــدمــوعِ غــدرٍ قــد جَــرَت غُـدرانـا
21
ولكــم جَـرى دمـعُ النـسـاءِ لخـدعـةٍ
وغــدا الخــؤون بـدَمـعـهِ غـرقـانـا
22
أمّـا الدمـوعُ مـن الرجـالِ فـنـزرةٌ
وصــفــيَّةــٌ لا تــعــرفُ البُهــتـانـا
23
رُحــمــاكِ أيّــتُهـا التـي مـن أُمِّهـا
وَرِثـت مـحـاسـنَ تـقـتـلُ الإنـسـانـا
24
هــذا الجــمــالُ حَــفَــظـتِهِ وبَـذلتِهِ
فـــأضـــلَّنــا فــي حــبِّهــِ وهــدانــا
25
والدّمــعُ زيَّنـَ خـدّكِ البـاهـي كـمـا
بـضـفـائرِ الرأسِ الجـمـيـلِ ازدانا
26
لولا احـتـيـالُكِ مـا عَـصـينا ربَّنا
فـي الحـبِّ والقـلبُ الجـموحُ عصانا
27
أخــضَــعــتِهِ وسَــلبــتِ كــلَّ كــنــوزهِ
فــغــدا أمـامَـكِ خـاضِـعـاً حَـيـرانـا
28
فـــكـــأنــهُ مــلكٌ هــوى عــن عَــرشِه
فـبَـكـى التّـقى والملكَ والسلطانا
29
الحـــبُّ ســـوَّى بـــيـــنـــنـــا لكــنَّه
قـد صـارَ عـنـدي الدّينَ والإيمانا
30
لا تحسبي القَلبين في شَرعِ الهوى
شــرعــاً فـحـبِّيـ كـان أعـظـمَ شـانـا
31
فــي الحـب لذَّ لكِ السـكـوتُ ولذّتـي
كــانــت بــلاغــتَهُ وكــان بــيـانـا
32
لولا حــيــاءٌ فــيــهِ ضِــعــفُـكِ قـوةٌ
أطــلقــت للأوطــارِ مــنـكِ عـنـانـا
33
إنــي عــرفــتُــكِ فــهـو قـولُ مـجـرِّبٍ
لا تُـنـكـري مـا يـدفـع النـكـرانا
34
لكـن دَعـي الأقـدارَ تـجـري مـثلما
شـاءَ الغـرامُ فـوَصـلنـا قـد حـانـا
35
إنـي غـفَـرتُ لكِ الذّنـوبَ جـمـيـعَهـا
كــيــمـا يـطـيـبُ وصـالُنـا ولقـانـا
36
حـظّـي كـحـظّـكِ فـي الشقاوةِ والهوى
فــلتــمــتــزج لتــعــاونٍ روحــانــا
37
أهــواكِ يــا فــتّــانــةً صـافـحـتُهـا
وصَـفَـحـتُ عـنـهـا فـالتـقـى دَمـعانا
38
فــي حــبّــكِ العــذريِّ قـلبـي طـاهـرٌ
والحـبُّ تـطـهـيـراً حـكـى النـيرانا
39
ولأجـل عـيـنـيـك البـنـفـسج شاقني
فــجــنــيــتُه وشــمــمــتُه نــشـوانـا
40
فـمـن الشـذا والنـورِ صَـدري مُـفعَمٌ
يَــســتَــقــبـلُ الآمـالَ والسّـلوانـا
41
أبــــداً يــــحــــنُّ إلى قــــوامٍ ليِّنٍ
وكـذاكَ يـهـوى الطـائرُ الأغـصـانا
42
عـيـنـاكِ مـن لونِ السـمـاءِ فمنهما
ومــن الســمــاءِ القـلبُ رقَّ ولانـا
43
والدّمــعُ مــنٌّ مِــن جــفـونِـك مُـنـزَلٌ
يُــحــيــي مُــحِـبّـاً تـائهـاً وَلهـانـا
44
إن أطـبـقـت شـفـتـايَ جَفنيك اهدئي
لأذوقَ لذاتِ الهــــــوى ألوانــــــا
45
تـقـبـيـلُ جَـفـنـكِ لا يُـعَـدُّ خـطـيـئةً
إنـــي أراهُ رَحـــمـــةً وحـــنـــانـــا
46
مـا ذنـبُ نـحـلٍ يـجـتَـنـي مـن سـوسَنٍ
والجـفـنُ مـنـكِ يُـشـابـهُ السـوسانا
47
فــلطــالمـا عـذَّبـتِـنـي ومـنـعـتـنـي
فـاسـتَـغـفـري عـن بـخـلِك الرحمانا
48
أحـبـيـبـتـي قـد فاضَ حسنُكِ والهوى
فــمــتــى أكــونُ بــمــائه ريّــانــا
49
فــتــزوّدي إنّ الحــيــاة قــصــيــرةٌ
ويـمـرُّ كـالطـيـرِ الجـمـيـلِ صِـبـانا
50
فــتــعـلّقـي بـجـنـاحـهِ ثـم انـتِـفـي
مــن ريـشـهِ مـا اشـتـاقَهُ قـلبـانـا
51
كُـــونـــي لهُ نـــهَّاـــبـــةً وهَّاـــبــةً
أو فـاحـمـلي الخـسرانَ والحُرمانا
52
فــليــخــفــقــنَّ القــلبُ فـي لذّاتـهِ
مــا زلتِ ســامــعــةً له خَــفَــقـانـا
53
والعـيـنُ إن لم تبكِ أو تسهر جَوى
مـا اسـتَـحـلتِ التّسهيدَ والهملانا
54
فـبِـمَ التـعـلُّلُ يـا مـليحةُ والهوى
مــا ضــمَّ أعــطــافــاً ومـسَّ بـنـانـا
55
الليــلُ أقــبـلَ والنـجـومُ كـأنـهـا
عــقــدٌ يــضــمُّ الدرَّ والمــرجــانــا
56
والزَّهــرُ فــتَّحــهُ النـسـيـمُ وعَـرفُهُ
قـــد عـــطَّرَ الأذيــالَ والأردانــا
57
والغـصـنُ مـالَ وكـالزّفـيـرِ حَـفَـيفُهُ
يــهــدي لكِ التــفّــاحَ والرمّــانــا
58
أو مـا سـمـعـتِ مـن الفـؤادِ خفوقَهُ
لمــا تــذكَّرَ واشــتـهـى الطَّيـرانـا
59
فـــكـــأنـــه طـــيــرٌ يــغــادرُ عــشَّه
ليـرى الصّـبـاحَ ويـنـشـدَ الألحانا
60
ولئن ذكـرتِ حـديـثَ إلفِـكِ تـهـتُـفـي
صَـــدري غـــدا مــن حــبِّهــِ مــلآنــا
61
يــا ليــتَهُ قــربــي وليــتـي قـربَهُ
سَـكـرَى الغـرامِ تُـنـادمُ السّـكرانا
62
ويـــقـــولُ لي وحـــديـــثُه أُغــنــيَّةٌ
يـا مُـشـتـهـاةُ قَـتـلتِـنـي هُـجـرانـا
63
لا شـيـء أهـذَبُ مـن كليماتِ الهوى
ودمــوعــهِ حــيــثُ الجـوى أبـكـانـا
64
أبـــداً تـــرقّ لهــا قــلوبُ أحــبّــةٍ
وتـشـقّ عـنـهم في الثّرى الأكفانا
65
فــكــأنــهــا عــطـرٌ عـليـكِ نَـشَـقـتُهُ
فــتــعـطَّرَ المـنـديـلُ مـنـهُ زَمـانـا
66
لم يـعـرفِ النـسـيـانَ قـلبـي سـاعةً
لا يــعــرفــنَّ فــؤادُكِ النّـسـيـانـا
67
فـتـذكّـري فـي الليـلِ طـيبَ حديثِنا
وتـذكّـري فـي الصُـبـحِ طـيـبَ هـوانا
68
إن لم يـهـيِّجـ فـيـكِ أشـجانَ الهوى
شِـعـري تـركـتُ الشّـعـر والنـسـوانا
69
وإذا الطـبـيـعـةُ زالَ منها نضرُها
تـخـفـي البـلابـلُ صَـوتها الرنّانا
تعليقات القراء 0